الكويت ـ «القدس العربي»: هنا في الكويت، ثمّة رغبة عارمة في إطلاق سمة «العرس الديموقراطي» على انتخابات مجلس الأمة الجديد.
الباحثون الأكاديميون الكويتيون حريصون على تبيان أن الكويت وُلدت ديمقراطية منذ أن كانت كياناً مجتمعياً من الأسر والقبائل والبدو، ذلك أن تنصيب آل الصباح حكاماً على الكويت عام 1702 جاء عن طريق الشورى والإجماع لا الفرض، في مبايعة مرادفة لمعنى الديمقرطية في القاموس السياسي الحديث.
والكويتيون يُفاخرون بتلك الديمقراطية وبحرية التعبير التي كفلها لهم الدستور. ليس عليهم أن يتلفتوا يمنياً أو يساراً إذا أرادوا أن يُدلوا برأيهم أو ينتقدوا مسؤولاً أو يعارضوا قضية، مدركين الحدود التي عليهم ألا يتجاوزوها، بحيث أن الإساءة لـ «الذات الأميرية» ـ الأب الأكبر ـ هي مِن المحرّمات في وجدانهم، قبل أن تكون جريمة يُعاقب عليها القانون، آلت إلى أحكام بالسجن، لعل أبرزها الحكم بالسجن على النائب السابق المعارض والشخصية الأكثر إثارة وجدلاً في الكويت مسلم البرّاك على خلفية ندوة « كفى عبثاً»، والذي يُفترض أن يُنهي محكوميته مطلع العام المقبل. كما حرَمَت عدداً من المرشحين، المُدانين بالتهمة ذاتها، من حق الترشّح في هذه الانتخابات.
على أن المراقب للاستحقاق الانتخابي لا بدّ له من أن يُسجّل جملة من الملاحظات، ويطرح بعضاً من التساؤلات.
مزاج الشارع
في الملاحظات، إن أجواء الانتخابات طغت بالكامل على الكويت خلال الـ41 يوماً الماضية، منذ إصدار الأمير صباح الأحمد الجابر الصباح، في 16 تشرين الأول/اكتوبر، مرسوم حلّ مجلس الأمة إلى يوم الانتخاب 26 تشرين الثاني/نوفمبر. وهذا ليس بالأمر الجديد، فالشعب الكويتي يهوى الحديث في السياسة، و «الديوانية» جزء من الثقافة التي نشأت عليها الأجيال، حيث تحتضن الكلام المُباح والسقف العالي في الانتقاد وتبادل الرأي والهموم بحيث تُشكّل متنفساً حقيقياً وآلة قياس لمزاج الشارع. الكل كان يتكلّم انتخابياً… الديوانيات عامرة… المقرّات الانتخابية مزدحمة.. والفنادق تحوّلت صالاتها الكبرى من صالات أفراح إلى صالاتٍ للحملات الانتخابية، لكن الجديد الذي صبغ انتخابات 2016 هو تلك «الروح الترامبيّة» التي ظهرت لدى المرشحين.
صحيح أن كل الأدوات مُتاحة في الحملات الانتخابية من أجل ضمان فوز المرشحين. فحين تكون المنافسة قوية، وحال الاستقطاب للناخب ضرورية، يصبح الكلام تعبوياً خطابياً يدغدع المشاعر ويَنكأ الجراح. فـ «لغة ترامب» العنصرية تجاه المهاجرين وتجاه الكلفة المالية لحماية الحلفاء وطروحاته التي خرجت عن المألوف في زمن تنحدر فيه القيم، كانت حاضرة في كثير من خطابات المرشحين، حتى أولئك الذين يوسمون بقدر من المسؤولية. تلك «اللغة الترامبية» لم تألفها الكويت من قبل حيال الوافدين الذين بات مطلوباً ألا تتمّ معاملتهم سواسية مع أبناء البلاد في تقديم الخدمات، وحيال المبادرات الإنسانية والاجتماعية لدولة الكويت في تخفيف معاناة الشعوب. فبينما كان مبعوث أمين عام الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية الدكتور عبدالله المعتوق يعرض لدور الكويت الريادي في العمل الإنساني، في ندوة بالمركز الإعلامي في فندق الشيراتون المخصص للإعلاميين المتابعين للانتخابات، كان أكثر من مرشح، على منابر الحملات الانتخابية، يرفع الصوت عالياً رفضاً للمساعدات التي تقدمها الدولة إلى الخارج فيما يتم زيادة سعر صحيفة البنزين ورفع الدعم عن الكهرباء للمواطنين الكويتيين، وهي خطوة أغضبت الشارع الكويتي.
أصوات النشاز
الخبراء في الشأن الانتخابي الكويتي، مثال مدير «مركز دراسات الخليج والجزيرة العربية» في جامعة الكويت الدكتور محمد الرميحي، يصفونها بـ «أصوات النشاز» التي لا تعبّر عن حقيقة توجّه الكويتيين، فيما يعزو آخرون، كأستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت الدكتور عبدالله الشايجي، السقف المرتفع في الحملات إلى الحاجة للتعبئة ضماناً للفوز، ولا سيما أن ثمّة عوامل جديدة دخلت على المشهد الانتخابي.
أولها: أن الإعلام بات يلعب دوراً متصاعداً في التأثير على الرأي العام، وذلك بوجود محطات الإذاعة والتلفزيون الخاصة التي تلعب دوراً ترويجياً إعلانياً للمرشح وفق ميزانيته المالية، كما أن مواقع التواصل الاجتماعي أضحت عاملاً أساسياً نظراً إلى الانخراط القوي للشباب في هذا «الإعلام الجديد» غير التقليدي والخارج عن القيود والضوابط القادرة على التأثير في خلق رأي عام مؤيد أو معارض مِن مرشح ما، أو قضية ما.
ثاني هذه العوامل، أن الانتخابات التي تجري على قاعدة «الصوت الواحد»، تحتاج إلى تكتيكات جديدة في خوض المعركة الانتخابية، إذ أن الناخب في السابق كان يحق له اختيار أربعة مرشحين من القائمة في دائرته الانتخابية، بمعنى أنه كان يتحكم بنسبة 40 في المئة مِن النواب، حيث هناك عشرة نواب في كل مِن الدوائر الخمس، وهذا كان يفتح المجال أمام مقايضة وتجيير متبادل بين المرشحين لأصوات ناخبيهم ومناصريهم، لكن مع «الصوت الواحد»، وحداثة التعامل مع هذا النظام الانتخابي، تحتدم المعركة بين المرشحين من أجل كسب «صوت الناخب الواحد» له دون سواه، وتزداد الكلفة العالية للحملات الانتخابية في ظل المنافسة الشرسة.
أما ثالثها، فإن الانتخابات تأتي في ظل معضلة مالية للدولة، حيث هناك تراجع كبير لأسعار النفط بحيث انعكس عجزاً في الميزانية العامة سيزداد مع انخفاض مداخيل البلاد من صادرات النفط. وقد بدأ ينعكس على الدعم الذي تقدمه الحكومة لمواطنيها الذين يعيشون، وفق الإحصاءات، ضمن نطاق الدول السبع الأولى في الدخل في العالم. فبعد زيادة سعر البنزين ورفع الدعم عن الكهرباء، استناداً إلى «وثيقة الإصلاح الاقتصادي»، في خطوة ستليها الكثير من خطوات رفع الدعم عن كثير من الخدمات وفرض رسوم وضرائب، بدا الشارع في حالة من التخوّف أو الترقب أو القلق على ما ينتظره.
فالمسألة الداخلية كانت موضع استغلال المرشحين في هجومهم على البرلمان السابق والقرارات الحكومية، وفي إطلاق الوعود بالعودة عما اتخذ من إجراءات، بحيث أن الهمّ الداخلي كان هو الطاغي بشكل كليّ على المشهد الكويتي، على الرغم من أن الأسباب الموجبة التي حدت بالأمير الصباح إلى حل مجلس الأمة ترتبط بـ «الظروف الإقليمية الدقيقة والتحدّيات الأمنية وانعكاساتها المختلفة»، إلا أن الأوضاع الإقليمية أو الدولية والتهديدات الخارجية وخطر الإرهاب وكيفية مواجهة تداعيات امتداد الصراع المذهبي في الجوار الملتهب إلى الداخل الكويتي وسبل حمايته من محاولات العبث الأمني وضرب النسيج الاجتماعي ووحدته، كانت بمجملها عناوين غائبة عن الحملة الانتخابية.
وشكّل تغييب العناوين الخارجية تساؤلاً جدياً عن الأسباب، ذلك أن هذا التغييب لا يلغي أن الواقع الإقليمي عنوان رئيسي من عناوين التحدّي التي تواجه الكويت راهناً.
ولعل من زاوية التحدّيات الإقليمية والداخلية، تبرز أهمية القراءة السياسية لهذه الانتخابات. فهي الانتخابات التي شهدت عودة «الأغلبية السابقة» أو ما يُعرف بـ «المعارضة» أو المقاطعين لمجلسيّ 2012 و2013 احتجاجاً على اعتماد نظام «الصوت الواحد»، عن قرار مقاطعتهم السابق، وبالتالي مشاركتهم في الانتخابات، وهو ما يمكن وصفه بـ «انتخابات لمّ الشمل» وفق تعبير الرميحي، بحيث أنها تشمل جميع التيارات والقوى السياسية والأفراد على اختلاف انتماءاتهم بعد تلكؤ في السنوات الماضية..
ولكنها أيضاً، في رأي الشايجي، تشكّل أول امتحان حقيقي لـ «مرسوم الصوت الواحد» وما سيؤول إليه من نتائج. فهي المرحلة الأولى التي ستشارك فيها كل القوى السياسية الفاعلة، من المستقلين والليبراليين والتقدميين والإخوان المسلمين إلى السلفيين والشيعة والقبائل والفئات، ما يُشكّل حالاً مِن القبول بهذا المرسوم يُبعد المجلس عن التجاذبات السابقة حول شرعيته.
ولا شك أن مشاركة مروحة واسعة من أطياف المجتمع تمنح المجلس صفة تمثيلية كبيرة، وتوفّر له مظلة حقيقية في تصدّيه للتحدّيات الاقتصادية والتنموية والمالية، وهي تحدّيات تتطلب تماسكاً داخلياً ووحدة في الموقف والرؤية، كونها تمسّ المواطن الكويتي في ما يعتبره مكتسبات أو نوعاً من أنواع توزيع الثروة النفطية.
فمجلس 2013، رغم عدم تمثيله الحقيقي لمختلف القوى السياسية بفعل المقاطعة، إلا أنه أمّن فترة من الاستقرار الداخلي في العلاقة بينه وبين الحكومة، واستطاع أن يحقق والحكومة سلسلة من الإنجازات بعد سنوات يمكن وصفها بـ «العجاف» على مستوى الإنتاجية البرلمانية والحكومية. غير أن التحدّيات الداخلية، معطوفة على تلك الخارجية، باتت تتطــلب تأمين مظلة الأمان عبر مشاركة الجميع.
ففي سبر أغوار المرحلة المقبلة، فإن برلمان 2016 سيواجه «انتهاء دولة الرفاه» و «انتهاء العقود الخمسة من العصر النفطي الذهبي». يقول الرميحي «إن هذه ليست حال الكويت بل حال دول الخليج، ولا بد تالياً من أن يُفكّر هذا المجلس في الذهاب إلى نوع من أنواع الوحدة الخليجية، فمن دون هذا التوجّه، قد تواجه الكويت متغيّرات لا تقوى عليها كدولة صغيرة في الخليج».
مرحلة من الترقب
وإذا كانت مرحلة من الترقب ستسود الساحة الكويتية في انتظار رصد واقع الحال بين ما هو مفترَض من المجلس وما هو متوقع، فإن المفترض، في رأي أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت الدكتور إبراهيم الهدبان، على المستوى الإقليمي، وضع تصوّر حول كيفية حماية الكويت من الظروف المحيطة، ومن انعكاس الاقتتال الطائفي في الجوار على مشاعر النسيج الاجتماعي الكويتي، فضلاً عن المساهمة في خلق بيئة قادرة على التصدي لمصطلحات «الجهاد والجنة» التي يوظفها الإرهاب من أن تتغلغل إلى عقول الشباب، فيما المفترض داخلياً البحث في كيفية تحسين الوضع الاقتصادي واستثماره في ظل هذه الأزمات بشكل أفضل، وفي إيجاد السبل للوصول إلى مستوى تعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، لأن التصارع بين السلطتين لم يؤدِ في الماضي إلى شيء. فليس المطلوب أن «ينبطح» المجلس أمام السلطة التنفيذية، بل أن يتعاون معها لتحسين الأوضاع الاقتصادية لتقليل المعاناة التي قد يواجهها المواطن الكويتي في المستقبل القريب بسبب الظروف العالمية.
فالرهان، فيما هو متوقع، وفق الشايجي، أن تدخل المعارضة بروحية التعاون والإصلاح لا بروحية الانتقام والتصعيد، على أن تقابلها حكومة، رئيساً وأعضاء، تعكس نتيجة الانتخابات بما تشكّله ترجمة لرغبات الناخبين.
على أن الغالب في قراءة المتابعين، أن مجلس الأمة، المؤلف من 50 عضواً، سيكون مجلساً قوياً وصلباً في تركيبته مع عودة الوجوه المتمكنة من المعارضة أو «الأغلبية السابقة «، ويتطلب وجود حكومة على الوزن ذاته تحمل رؤية بعيدة المدى، بما يُمكّن الطرفين من التعاون، وإلا سيكون التصادم هو عنوان المجلس المقبل، الذي سيكون مصيره الحل والذهاب مجدداً إلى انتخابات جديدة، ما قد يُعيد الكويت إلى الدخول في أزمة سياسية ذات حلقة مقفلة.
رلى موفق