هل منصب الأمين العام للأمم المتحدة يتمتع بأهمية في عالم اليوم الذي تتنازع فيه القوى الكبرى على حماية مصالحها وتعزيز نفوذها ودرء الأخطار المحدقة بها، غير آبهة بمصالح الدول الصغيرة والضعيفة؟
هل التحديات الكبرى التي تواجهها البشرية مجتمعة كداء الإيبولا والتغير المناخي والإرهاب والجريمة المنظمة وتجنيد الأطفال وزيادة عدد الكوارث الطبيعية، وتلك التي من صنع الإنسان كالتشرد واللجوء والجوع، تحتاج إلى أمين عام قوي يستطيع قيادة المنظمة الدولية في هذا البحر المتلاطم الأمواج، بطريقة أكثر مهارة وشمولية وعدلا؟ هل هناك أصلا مواصفات محددة لوظيفة الأمين العام، الذي كما كان يحب كوفي عنان، الأمين العام السابق، أن يكرر أن لديه 193 مديرا يمثلون الدول الأعضاء بالأمم المتحدة. لقد آن الأوان أن يعاد النظر في هذه الوظيفة المهمة التي تخضع بشكل كلي لإملاءات أعضاء مجلس الأمن، خاصة الدول الخمس دائمة العضوية. لقد آن الأوان أن يعاد تفعيل البند 99 من ميثاق الأمم المتحدة الذي يعطي الأمين العام دورا رياديا في مسائل السلم والأمن الدوليين، ويمكنه أن يلعب دور جرس الإنذار ورجل الإطفاء، أكثر من دوره كاتب تقارير ينكر ويدين أو يعبر عن القلق، وهمه الأساسي ألا تغضب منه الدول الكبرى كما فعلت أكثر من مرة مع سابقيه. مشكلة الأمناء العامين أنهم خاضعون لإملاءات الدول الكبرى دائمة العضوية، هم من ينتخبونهم وهم من يجددون لهم أو يطردون من لا ينسجم مع توجهاتهم، كما فعل الاتحاد السوفييتي سابقا في الأمين العام الأول تريغفي لي، حيث أجبره على الاستقالة، وكما فعلت الولايات المتحدة مع بطرس بطرس غالي بعد دورته الأولى، حيث صوت أربعة عشر عضوا لتجديد ولايته لدورة أخرى، إلا أن مادلين أولبرايت، مندوبة الولايات المتحدة آنذاك، ألقت ورقتها الحمراء منفردة على مسافة إنش أو اثنين من الورقات البيضاء، فانتهى الأمر وخرج بطرس غالي من الطابق الثامن والثلاثين في المبنى الزجاجي ليحل محله وكيله لشؤون عمليات حفظ السلام كوفي عنان، كما وعدت أولبرايت بعد رفض بطرس غالي عدم نشر تقرير مذبحة قانا في الجنوب اللبناني (18 نيسان/ابريل 1996) الذي أكد أن إسرائيل قصفت الملجأ المكتظ بالمدنيين عن عمد. والأمم المتحدة وهي تستعد في السنة القادمة للاحتفال بعيد ميلادها السبعين، نقول لقد حان الوقت أن تلعب الجمعية العامة دورا في اختيار الأمين العام، ثم في إعادة إصلاح المنظمة الدولية ككل. إنها البرلمان الدولي للأمم صغيرها وكبيرها فقيرها وغنيها، قويها وضعيفها ومن الأهمية بمكان أن تمارس دورا أكثر فاعلية وأقرب إلى رغبات الملايين خارج منظومة مجموعة الدول الخمس دائمة العضوية، والأكثر غنى وتسليحا وابتزازا للمنظمة الدولية.
الانتخابات القادمة للأمين العام الجديد- هذا وقت الإصلاح
من المبكر أن نتحدث عن الأمين العام الجديد الذي سيتم انتخابه في النصف الثاني من سنة 2016 ليبدأ ولايته الأولى في الأول من كانون الثاني/يناير 2017. ولكي يتم التأثير على طريقة الانتخاب ومؤهلات المرشحين وطريقة اتنخابهم وإشراك الجمعية العامة في انتقاء الأكثر تأهيلا، رجلا كان أم امرأة، هناك حركة مدنية عالية بدأت تنتظم مؤخرا قبل أن يقال «الوقت متأخر» تحاول أن تستبق الأمور وتضع ثقلها كي تغير المسار السابق الذي عفا عليه الزمن، ألا وهو التناوب الجغرافي بين القارات.
لقد تشكل أخيرا إئتلاف من المنظمات غير الحكومية تحت مظلة واسعة أطلق عليها «1 من أجل سبعة مليارات». «نحن نسعى لاختيار شخص واحد يمثل سكان الكرة الأرضية بملياراتها السبعة أو يزيد»، كما أبلغني السيد وليام بيس مدير معهد السياسة الدولية، أحد المنظمين لهذه الحملة الواسعة. ومن بين المشاركين في الحملة منظمة العفو الدولية، والمساواة الآن، ومنبر آسيا، ولجنة المحامين للسياسة النووية، وشبكة العالم الثالث، ومنظمة المرأة للبيئة والتنمية، والفيدرالية الدولية لروابط الأمم المتحدة وغيرها الكثير. وقد بلغ من تأثير الحملة أن تناولت جريدة «نيويورك تايمز» الموضوع (الأربعاء الماضي) خاصة بعد أن صاغت المنظمة رسالة لرئيس الجمعية العامة الحالي ووزير خارجية أوغندا سابقا السيد سام كوتيسا والدول الأعضاء
الـ193 تطالبهم فيها بتحمل مسؤولياتهم في إيجاد آلية فعالة لاختيار رجل أو امرأة لمثل هذا المنصب الحساس، يتناسب مع عالم اليوم وتحدياته المعقدة لدورة واحدة فقط مدتها سبع سنوات.
الإصلاح وتغيير آلية الانتخاب لا بد من اعتمادهما الآن وقبل نهاية عام 2016. وكم نتمنى على الدول العربية الأعضاء في الأمم المتحدة بأصواتها الاثنين والعشرين (رغم تمنياتنا أن يأتي اليوم الذي يكون هناك صوت واحد يتمتع بقوة الفيتو لأمة واحدة)، أن تأخذ موقفا من هذا الموضوع وأن تشعر الآخرين بأنها معنية بهذا الأمر، وأن الأمم المتحدة اليوم يجب أن تعكس صورة أصدق لعالم اليوم بقواه الصاعدة، لا عالم الأمس بقواه الآفلة. ودعنا نتذاكر مجموعة مسائل تحتم إصلاح المنظمة الدولية من رأسها إلى أخمص قدميها، ابتداء من منصب الأمين العام إلى وكالاتها وصناديقها المتخصصة ومن آليات حفظ السلام إلى تركيبة مجلس الأمن الجائرة وصولا إلى تفعيل دور الجمعية العامة، الذي همش كثيرا بعد نهاية الحرب الباردة، بحيث لا يتعدى أحيانا أن يكون «مخطبة»، خاصة بعد أن سطت الدول الكبرى بقيادة الولايات المتحدة على جدول أعمالها وحولته إلى مجلس الأمن كي لا يبقى للجمعية ما تقول إلا في مواضيع الميزانية وقضايا أخرى تصدر فيها توصيات غير ملزمة. فلهذه الأسباب لا بد من الإصلاح:
– تضاعفت عضوية الأمم المتحدة أربع مرات تقريبا منذ إنشائها، ولا يجوز أن تبقى الآليات التي وضعت في سنواتها الأولى، حيث كان عدد أعضائها 51 عضوا تبقى نفسها معمولا بها بعد أن وصلت عضويتها إلى 193 دولة؛
– تغير مفهوم القوة من الاستناد إلى القوة العسكرية وامتلاك السلاح النووي إلى القوة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فالاتحاد السوفييتي سابقا بكل جبروته العسكري وصواريخه العابرة للقارات لم يتمكن من متابعة التطور الاقتصادي فانهار بشكل مريع وتفتت إلى 15 دولة، والانهيار نفسه أصاب يوغسلافيا السابقة فتقسمت إلى ست دول عدا عن كوسوفو؛
– ظهرت قوى متوسطة ذات أوزان إقليمية ودولية لا يستهان بها وأصبحت تشكل محاور مهمة، مثل مجموعة بركس (البرازيل والهند والصين وروسيا وجنوب أفريقيا) ومجموعة دول العشرين ومجموعة نمور آسيا والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي الذي تلعب فيه ألمانيا دور العملاق الاقتصادي. فالهند تفوقت على اليابان في حجم اقتصادها لتحتل المركز الثالث والبرازيل تفوقت على فرنسا وبريطانيا لتحتل المركز السادس وأندونيسيا تحتل المركز العاشر بينما تحتل المكسيك المركز الثاني عشر وتركيا المركز السابع عشر؛
– ظهرت في العقود الأخيرة تحديات كبرى غير مسألة الصراعات المسلحة لم تكن في الحسبان عند إنشاء الأمم المتحدة، وهي اليوم تشكل خطرا وجوديا على الإنسانية جمعاء إذا لم يكن هناك عمل جماعي لاحتوائها ووقفها والتغلب نهائيا عليها. وتقف التحديات البيئية على رأس القائمة مثل، الاحتباس الحراري الذي أدى إلى التغيرات المناخية، التي رفعت نسبة الكوارث الطبيعية عددا وقوة بشكل غير مسبوق. أضف إلى ذلك مسألة التلوث والتصحر وثقب الأوزون وغيرها، ثم يلي ذلك تحديات الأوبئة والفقر المدقع والتمييز والإرهاب واستغلال الأطفال والعنف ضد النساء وتشرد الملايين وزيادة حجم اللجوء والاتجار بالبشر وانتشار المخدرات والجريمة المنظمة والتزوير الالكتروني وانتشار الألغام الأرضية والقرصنة والانفجار السكاني وانتشار مدن الصفيح والعشوائيات وغير ذلك من تحديات تؤثر على كل البشر، بعد أن حولت العولمة عالم اليوم إلى قرية صغيرة مترابطة بشكل يكاد يكون أقرب إلى الخيال العلمي.
– لقد تعاظم دور المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص وأصبح هذا التحالف الشعبي يلعب دورا فاعلا ومؤثرا في سياسات المنظمة الدولية، خاصة في القضايا المشتركة بين بني البشر كحقوق الإنسان والسكان والبيئة ومحاربة الفقر وسباق التسلح والخطر النووي والفضاء الخارجي والتنمية المستدامة وغيرها الكثير. لقد أطلق على هذا التجمع لقب الأمم المتحدة الثالثة، على اعتبار أن الأولى تمثل الدول الأعضاء والثانية تمثل اللاعبين أو الموظفين أو ما نسميه بالمسرح والممثلين.
من أين يبدأ الإصلاح؟
ترى «منظمة 1 من أجل سبعة مليارات» أن منصب الأمين العام يجب أن يخضع لمعايير جديدة، بحيث يكون هناك أكثر من مرشح وتقوم الجمعية العامة بلعب دور أساسي في اختيار المرشح النهائي، بعيداعن صفقات الدول الكبرى في الغرف المغلقة، التي أدت أحيانا إلى مرشح توافقي ضعيف غير مؤهل للمنصب، مثلما حدث بعد المنافسة الشديدة بين مرشحي الولايات المتحدة (كورت فالدهايم لدورة ثالثة) ومرشح الصين (التنزاني سالم أحمد سالم) عام 1981، وبعد شهرين من الفيتو والفيتو المضاد اتفقا أخيرا على مرشح توافقي هو خافيير بيريز دي كويار (من البيرو)، أسوأ أمين عام عرفته المنظمة الدولية وكنا نطلق عليه: «أمين عام بلا لون ولا طعم ولا رائحة». يجب أن يعرف أعضاء الجمعية كل المرشحين سلفا ويطلعوا على برامجهم الانتخابية ورؤية كل فرد منهم في مواجهة تحديات اليوم ومهاراتهم في طرح أفكار جديدة.
من جهة أخرى آن الأوان أن يكون من بين المرشحين للمنصب سيدات مؤهلات. فلم يصدف حتى الآن أن طرح اسم سيدة للمنصب، مع العلم أن هناك نساء جديرات بالمنصب بدون أدنى شك. فقد شغلت النساء مناصب رفيعة في المنظمة الدولية، من بينها منصب نائب الأمين العام ورئاسة منظمات متخصصة (اليونسكو ومنظمة الصحة العالمية واليونسيف والمفوض السامي لحقوق الإنسان وصندوق الأمم المتحدة للسكان وغيرها) ورئيسات بعثات سلام ورئيسات لجان تحقيق ووسيطات في النزاعات الدولية.
الأمم المتحدة بحاجة الآن إلى الإصلاح، وإذا لم تأخذ الجمعية العامة دورا متقدما في هذه العملية ستبقى الدول الكبرى الخمس تستخدم المنظمة الدولية لمصالحها، تفرض عقوبات على من تعتبرهم أعداء لها وتحمي دولا تنتهك القانون الدولي صباح مساء، كما تفعل إسرائيل، لأنها تعرف أنها محمية بسيف الفيتو الذي ترفعه الولايات المتحدة ضد كل من يحاول أن يتعرض لتلك الدولة المارقة. وكما يقول السيد بيس في حديثه إن الجمعية العامة قادرة على فرض الإصلاح لأنه يحظى بتأييد من غالبية الدول الأعضاء، خاصة التجمعات الكبرى كالاتحاد الأفريقي ومنظمة التعاون الإسلامي ومجموعة دول عدم الانحياز.
فإذا نجحت الجمعية العامة في اختبارها الأول في اختيار أمين عام جديد فستنتقل إلى الخطوات التالية كتفعيل دور الجمعية العامة وتوسيع عضوية مجلس الأمن وإصلاح آليات الوساطة وعمليات حفظ السلام واستخدام العقوبات وقبول الدول الأعضاء بعيدا عن تهديد الفيتو الصيني أو الأمريكي أو الروسي.
٭ استاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك
د. عبد الحميد صيام