لندن – «القدس العربي»: يرى الصحافي البريطاني باتريك كوكبيرن أن اتفاق الإطار بين الولايات المتحدة وإيران يهدد بزعزعة استقرار المنطقة ويغير المشهد السياسي بطريقة لم يشهدها منذ سقوط نظام الشاه في عام 1979. ويعتقد في مقال نشرته صحيفة «إندبندنت أون صنداي» أن المنافع التي يريد الرئيس الأمريكي باراك أوباما تحقيقها من الاتفاق قد لا تأتي، بل بالعكس ستؤدي إلى عكس ما يرغبه وهي زيادة حالة العداء في المنطقة. ففي الوقت الذي ستخف حالة العداء بين الولايات المتحدة وإيران إلا أنها ستزيد في مناطق أخرى خاصة اليمن والعراق وسوريا. وحتى في حالة وقع وصودق على الاتفاق فسيواجه الرئيس أوباما جبهة من الجمهوريين والسعوديين والإسرائيليين ممن يريدون نسف الاتفاق وتعطيله. ومقارنة مع التقدم البطيء الحاصل على الملف النووي الإيراني فإن الحرب في سوريا واليمن تتدهور للأسوأ فيما لم يحقق النظام العراقي إلا انتصارا رمزيا في مدينة تكريت ولا تزال قوات الحكومة تتحرك على حواف دفاعات تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا.
الحفاظ على الوضع القائم
ويرى الكاتب أن من مصلحة السعودية ودول الخليج معها الحفاظ على الوضع القائم «ومن كان يتوقع ان تندثر الاشتركية والقومية التي انتعشت في الستينيات من القرن الماضي ويبقي النظام الثيوقراطي في السعودية؟». ويضيف أن ما يثير القلق في التطورات هي محاولة السعودية إحداث تغيير راديكالي في المنطقة وهي مستعدة لاستخدام القوة لتحقيق ما تريد. في إشارة للحملة الجوية التي بدأتها في اليمن نهاية الشهر الماضي. كما وتعاونت مع تركيا من أجل مساعدة تحالف من الجماعات السورية المسلحة بقيادة تنظيم جبهة النصرة الموالية للقاعدة كي تسيطر على إدلب ثاني كبرى المدن السورية التي تخرج عن سيطرة النظام بعد الرقة. ويرى الكاتب أن السعوديين تخلوا عن دورهم التقليدي الذي قام على اتباع سياسات حذرة في السياسة الخارجية والعمل من خلف الأضواء. ففي اليمن يقوم السعوديون بحملة جوية ضد المقاتلين الحوثيين المتحالفين مع تنظيم علي عبدالله صالح الذي كان رجل السعوديين والأمريكيين في صنعاء. ولكن السعودية وحلفاءها من دول مجلس التعاون الخليجي تخوض الحملة الجوية بدون أن يكون لديها حلفاء يوثق بهم على الأرض. ولكن إن اضطرت السعودية لإرسال قوات برية إلى داخل اليمن فستدخل أرضا تشبه أفغانستان والعراق، أي ستتورط. ويرفض الكاتب ما تراها السعودية عملية ضد الحوثيين الذين يلقون دعما من إيران بأنها دعاية، ويقول إن الحوثيين هم جماعة زيدية لهم جناح سياسي فاعل اسمه «أنصار الله» مثل حزب الله اللبناني. ويشير إلى الحروب التي خاضوها منذ عام 2004 والتي شنها ضدهم علي عبدالله صالح. ويتساءل عن السبب الذي أدى بالسعوديين للتورط في هذا المستنقع تحت ذريعة التأثير الإيراني في البلاد؟ ويجيب أن زيدية اليمن مختلفون عن الشيعة الإمامية ونسبتهم لا تتعدى ثلث عدد السكان البالغ عددهم 25 مليون نسمة. ولم تكن في الماضي أي خلافات طائفية بين السنة والزيدية، لكن تصميم السعودية على تأطير الصراع عبر الرؤية الطائفية ما هي إلا نبوءة قد تتحقق.
ظروف داخلية
ويشير إلى أن العملية السعودية في اليمن مدفوعة بالسياسة الداخلية للمملكة. ويرتبط هذا بالدور الذي يريده وزير الدفاع الجديد محمد نجل الملك سلمان، ورئيس الديوان الملكي والذي لا يتجاوز عمره عن 34 عاما للسعودية، فهو يريد أن تكون بلاده القوة المهيمنة في شبه الجزيرة العربية، حسبما كتبت مضاوي الرشيد، الباحثة والمؤرخة السعودية في موقع «المونيتور». وترى أن الأمير محمد بن سلمان يريد إثبات نفسه أمام بقية الأمراء المتذمرين ويحصل على لقب «مدمر الراوفض في اليمن ومن يقفون وراءهم من الفرس»، فعملية عسكرية ناجحة في اليمن ستعطيه المصداقية التي يبحث عنها كما تقول. وبالإضافة لهذا فحرب ناجحة في اليمن ستوحد المعسكرين الإسلامي والليبرالي في صف واحد يوصف الخارج عنه بالخيانة. كما أن تحقيق نصر في اليمن سيعوض السعودية عن خسائرها في سوريا والعراق حيث تفوقت إيران، وستكون إشارة تحد للولايات المتحدة الراغبة بمواصلة التقارب مع إيران. ويضيف أن اليمن ليس البلد الوحيد الذي تلعب فيه السعودية دورا قياديا فهناك سوريا في إشارة للسيطرة على إدلب من قبل جماعات مسلحة معظمها متشددة. واتهمت الحكومة السورية تركيا بإرسال مقاتلين سوريين فروا إلى أراضيها للقتال في المعركة ولقيامها بالتشويش على اتصالات الجيش السوري. وأشار لتصريحات الصحافي السعودي جمال خاشقجي الذي نقلت عنه صحيفة «نيويورك تايمز» قوله إن التعاون الأمني بين السعودية وتركيا في أحسن حالاته. ويعلق كوكبيرن إن هذا الإعتراف بدعم جماعات متشددة متهمة بعمليات إرهابية لم يلفت الانتباه. ويعلق الكاتب إن السعودية ليست الدولة الوحيدة التي تؤمن بالحروب الخاطفة التي تحقق انتصارات منها كوسيلة لبناء شرعية لها. ففي 1914 آمن ملوك روسيا والنمسا وألمانيا بنفس الفكرة ليكتشفوا متأخرين خطأ ما فعلوه. وبنفس السياق قد يكتشف السعوديون أنهم كانوا من دمروا الوضع القائم في الشرق الأوسط.
القاعدة مبتهجة
واحد من أهم آثار سيطرة الحوثيين على مدينة صنعاء في إيلول (سبتمبر) 2014 والتوغل الذي قاموا به في جنوب البلاد هو صعود القاعدة من جديد بسبب انشغال السعودية بالسيطرة على التأثير الإيراني في اليمن وخروج القوات الأمريكية الخاصة وتوقف عمليات ملاحقة الإرهاب التي كانت تستهدف قادة وخلايا القاعدة في هذا البلد المضطرب. وفي هذا الاتجاه يرسم تقرير لصحيفة «صنداي تلغراف» البريطانية صورة عن تمدد القاعدة.
وفي البداية يشير التقرير الذي شارك في إعداده مجموعة من مراسلي الصحيفة للثمن الإنساني للحرب الجارية في اليمن وموت الأطفال جراء القصف فيما يصفه التقرير «أكثر النزاعات المثيرة للقلق والدهشة في منطقة الشرق الاوسط». وتقول الصحيفة إن النزاع مثير للدهشة لأن أحدا لا يعرف ماذا يريد كل طرف تحقيقه من هذه الحرب. ومثير للقلق بسبب الثمن الإنساني والمدنيين الذين يقتلون جراء الحرب إضافة للإقتصاد الذي يدمر بسبب الغارات والمعارك وتوقف عجلة الحياة الإقتصادية. وفي هذه الحرب التي لا يمكن لأحد الفوز فيها «هناك طرف ثالث يفرك يديه فرحا» أي تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية. ونقلت الصحيفة عن متحدث باسم التنظيم في اليمن قوله «سيقوم السعوديون بإضعاف الحوثيين فيما نجلس ونراقب الوضع وكأننا نشاهد فيلما»، وأضاف «كل الأطراف تقدم لنا خدمة». وتضيف الصحيفة إلى أن الغارات التي دخلت أسبوعها الثاني لم توقف تقدم الحوثيين ولا توجد إشارة عن تراجع سيطرتهم على أكبر مدينتين تحت سيطرتهما، وهما العاصمة صنعاء وتعز فيما يواصلون التقدم في المناطق القريبة من عدن، واحتلوا مركز الميناء المطل على باب المندب لفترة قصيرة. وفي الوقت الذي تتهم فيه الغارات التي تقوم بها الطائرات السعودية وتلك المتحالفة معها باستهداف المدنيين إلا ان الحوثيين ليسوا مبرأين هم أيضا من ضرب المدنيين فقد قصفوا المناطق المدنية كما يقول شهود عيان. وتشير في هذا الاتجاه إلى استهداف معسكر المزرق للنازحين وتدمير مصنع الألبان في الحديدة. ويقول عبد الوهاب الثابت صاحب المصنع «ضربت الصواريخ مصانعنا» و «هناك أربعون شخصا قتلوا وهناك الكثير من الأجساد المحترقة في المستشفى» و «لو شاهد العالم الصور التي خرجت من مصنعنا لما دعم هذه الحرب». وأضاف «يعرفون أنه مجمع صناعي ويشتغل فيه حوالي 5.500 شخص»، و «لم يكن أحد يتوقع أنهم بهذا الجنون ويقومون باستخدام قوتهم العسكرية لقتل المدنيين». وبحسب أرقام الأمم المتحدة فقد قتل 500 يمني جراء المعارك منذ بدايتها.
انقسام
وأدت الهجمات لحالة من الانقسام بين السكان المنقسمين أصلا بين المعسكر الداعم للحوثيين وحلفائهم من أتباع علي عبدالله صالح ومعسكر الرئيس المعترف به وهو عبد ربه منصور هادي. ويرى بعض سكان العاصمة إن الحوثيين هم جماعة عدوانية جاءت من الشمال ولهذا طالبوا التحالف بمضاعفة جهوده وإرسال قوات برية. ويقول أحد سكان العاصمة، ماجد الشعيبي «الدفاع بحاجة إلى قوات برية»، مضيفا «يتمتع الحوثيون بقدرات تدريبية جيدة ومسلحون بعتاد جيد أما المقاومة فهي مكونة من ناس عاديين بأسلحة خفيفة». وفي مناطق الشمال هناك نوع من التعاطف مع الحوثيين ودعم أقل للرئيس هادي. وترى سماء الحمداني المحللة السياسية في صنعاء «الناس خائفون» و «الأرض تهتز تحت أقدامهم». وأضافت معلقة «هذا النوع من الحروب يعمل على زيادة تشدد الناس، وستجعل الناس يعارضون أي عملية يقوم بها السعوديون، فأي حكومة سيعملون على تنصيبها سيراها الناس كدمية». ولكن الحكومة السعودية تقول إنه لم يكن لديها أي خيار بل التدخل، وبحسب وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل فالرياض تدخلت حتى تمنع انهيار اليمن وتأثيراته على المنطقة. واتهم الحوثيين والموالين لعلي عبدالله صالح وإيران بإشاعة الفوضى في البلاد.
ما هي نهاية اللعبة؟
والمشكلة أن أي طرف ليست لديه رؤية عن نهاية اللعبة، ففي الوقت الذي تقول فيه السعودية إنها تريد إجبار الحوثيين على الجلوس والتفاوض تواصل الرياض وصفهم «بالعصابات». وبالنسبة للحوثيين أيضا فليست لديهم خطة واضحة لإدارة مناطق اليمن الواسعة التي سيطروا عليها. وترى المحللة الحمداني أن «القاعدة هي المنتصر الأكبر». وتضيف «فهم ضد الدولة السعودية وضد الدولة اليمنية وضد الحوثيين ويبدو أن لا علاقة لهم بالحرب». وكدليل على هذا قام تنظيم القاعدة بالهجوم على سجن في المكلا وحرر مئات من السجناء التابعين له. ومن بين الذين تم تحريرهم خالد البطرفي الذي صور وهو يجلس في قصر حاكم المكلا. وعندما سئل المتحدث باسم القاعدة إن كان تنظيمه يتصرف بدون خوف أجاب «انا متأكد من أن السعوديين والأمريكيين لديهم خطة بديلة (ب)». ويعلق ريتشارد سبنسر على صورة البطرفي الذي حرر من السجن بعد أربعة أعوام فيه، وكان جالسا مرتاحا ويعطي الأوامر ويقف على العلم اليمني تذكر بالمخاطر التي يمثلها التنظيم الذي تراه الولايات المتحدة من أخطر تنظيمات القاعدة. ولهذا فالحرب في اليمن تؤثر على قتال القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية الذي سيطر على معظم مخيم اليرموك الفلسطيني.
تكريت مرة أخرى
ومن هنا فما يخسره التنظيم في العراق يكسبه في سوريا. وكان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي قد رفع العلم العراقي في مدينة تكريت وسط فرحة بإخراج مقاتلي الدولة من المدينة بعد شهر من المقاومة ومواجهة حوالي 30.000 من قوات الحشد الشيعية. لكن حلاوة النصر عكرتها مرارة وبشاعة الممارسات الطائفية التي قامت بها الميليشيات الشيعية في المدينة من نهب وحرق للممتلكات. وفي تقرير لهالة جابر نشرته صحيفة «صاندي تايمز» قالت الكاتبة إنه «عندما دخلت مدينة تكريت يوم الأربعاء بعد استعادتها عقب معركة شرسة استمرت شهرا، كان هناك شعور بالهدوء الذي قطعته أصوات انفجارات وإطلاق رصاص تسمع عن بعد بين الفترة والأخرى. وعندما خرج آخر المقاتلين من تنظيم الدولة تركوا وراءهم شوارع مزروعة بالألغام والمفخخات، وقام فريق تفكيك المتفجرات بالعمل على تعطيلها. وكان هناك عدد من الجثث تعود لمقاتلي تنظيم الدولة، ومع الغضب الذي لا يزال يموج بين الشيعة كان هناك مقاتل من تنظيم الدولة مسجى على الأرض يداه مقيدتان من الخلف مذبوحا، فقد أطلقت عليه النار ومن ثم قطع رأسه وحمله، مقاتل شيعي بيده وقال محذرا: «على داعش أن يعرفوا ان هذا هو مصيرهم حيث سنواصل ملاحقتهم والانتقام منهم جراء المجازر التي ارتكبوها ضد أهلنا». ويضيف التقرير أن الطبيعة الطائفية الحساسة المتعلقة بتكريت أثارت الكثير من القلق حول ممارسات ارتكبتها الميليشيات. وقد وعدت الحكومة العراقية بالتحقيق في الانتهاكات بما فيها سحل بعض سكان المدينة. ويتابع أن الحكومة طلبت من القوات الأمنية استكمال المهمة والتأكد من نظافتها من المتفجرات قبل عودة السكان إليها. كما أن مساعدة إيران كانت واضحة حيث شوهد قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني بشكل متكرر مع هادي العامري قائد منظمة بدر. وعندما طلبت الولايات المتحدة تنحي قوات الحشد الشعبي جانبا من أجل شن غارات على مواقع المقاتلين اشتكت هذه الميليشيات لكن الولايات المتحدة شنت 40 غارة وهو ما دفع بقايا التنظيم للانسحاب. ويشير التقرير إلى عمليات بحث محمومة تقوم بها عائلات عن أبنائها الذين أخذهم التنظيم أثناء سيطرتهم على المدينة وتنقل عن رجل قوله «أخذوا أخي وصوره في فيديو» و «قالوا هذا جزاء من يدخل مناطق السنة وكأنه دخل أجنبيا وأبحث في المقبرة لعلي أجد جثته». ويرى التقرير أن استعادة تكريت واكتشاف مقبرة جماعية قد يضع حدا لمعاناة الكثير من العائلات التي اعتقل أبناؤها وشوهدوا في أفلام فيديو عرضت على يوتيوب. ويتحدث التقرير عن مجزرة معسكر سبايكر التي قتل فيها 1.678 شخصا حسب وزارة حقوق الإنسان العراقية، فيما قالت منظمة «هيومان رايتس ووتش» إن هناك 1.700 من المجندين قتلوا في المعسكر. ويقول التقرير إن ضفاف نهر دجلة القريبة من المعسكر لا تزال ملوثة بالدم حيث تم قتل العديد منهم ورميت جثثهم في النهر.
qal
إبراهيم درويش