واشنطن ـ «القدس العربي»: رحب معارضو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونقاد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بانتصار المرشح الوسطي إيمانويل ماكرون في الانتخابات الرئاسية الفرنسية بالقول ان فوز المرشحة اليمينية لوبان وجبهتها المعادية للولايات المتحدة كان سيعنى كارثة. وبرزت لغة سعيدة في عناوين الصحف الأمريكية بعد اعلان نتائج الانتخابات، إذ أعلنت صحيفة «الدايلي بيست» ان «الموجة الشعبوية السائدة في جميع أنحاء العالم قد تحطمت في فرنسا» في حين قالت «واشنطن بوست» ان صعود اليمين في أوروبا قد توقف مع هزيمة لوبان.
ولاحظ المحللون الأمريكيون أيضا اتجاهات ايجابية في الانتخابات التشريعية التي جرت في ولاية شليسنفينغ الألمانية وعدم حصول الأحزاب الشعبوية في ديوتسكلاند على أكثر من 6 في المئة من الأصوات ولكن الخبراء قالوا انه يجب الحذر من استخلاص الكثير من الاستنتاجات العامة من هذه النتائج الايجابية لان الاتجاهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الواسعة التي عملت لصالح الأحزاب الشعبوية لم تختف فجأة ومن الممكن ان تلعب دورا بشكل مختلف في المستقبل المنظور.
ومن المفترض ان يكون التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وفوز ترامب، وبعد ذلك انتخاب ماكرون في فرنسا في اتجاه متناقض، بمثابة دعوة القادة في الغرب لاستيقاظ الناخب الأمريكي والأوروبي وفقا لآراء العديد من المحللين في «مستودعات التفكير» والاستراتيجيين في المؤسسة السياسية الحزبية لم يكن المشكلة بل كان هو المنبه لضرورة معالجة المظالم واصلاح الاقتصاد المتعثر. وفي الواقع، يواجه الغرب تحديات كبيرة في القرن الحادي والعشرين، كما تتعرض النظم الليبرالية والديمقراطية لهجوم، حيث تحاول بعض القوى الدولية مثل روسيا والصين اعادة كتابة القواعد والمعايير الدولية غالبا بالقوة، لتقويض الديمقراطية وتفكيك البنية الأمنية العالمية.
واستثمر محللون أمريكيون فوز ماكرون في الانتخابات الفرنسية للترويج لأفكار تتجاوز وقف المد العنصري الشعبوي إلى طرح برامج اصلاحية في النظام الأمريكي بما في ذلك اصلاح المؤسسات الدولية وليس الخروج منها، واصلاح الاتفاقيات التجارية بدلا من الانسحاب منها، والأهم من ذلك كله، إعادة النقاش حول البرامج المثيرة للجدل مثل برنامج الرعاية الصحية، إذ لم يوفر الرئيس السابق باراك اوباما برنامجا صحيا يتفق عليه غالبية الطيف السياسي أو الشعب بشكل عام في حين طرح ترامب برنامجا جديدا مليئا بالثغرات، ولم يحاول قادة الطيف السياسي من الديمقراطيين والجمهوريين معالجة الخطأ في البرنامج الذي يمس حياة الملايين من المواطنين واتخاذ خطوات ملموسة لاصلاحه بدلا من البحث عن انتصارات سياسية أو اجتماعية مثل توزريع الثروة أو الدفاع عن شركات التأمين، ما يستدعي البحث عن قادة جدد في الولايات المتحدة لديهم الشجاعة الكافية للقيام بالاصلاح بما في ذلك اصلاح برامج وسياسات ومؤسسات القرن العشرين لمواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية.
العزلة والغرباء
وولدت أفكار لوبان من رحم حركة متطرفة هي حزب الجبهة الوطنية وانتشرت أفكار ترامب من وراء حركة زائفة تقوم على نظرية المؤامرة، بما في ذلك نظرية مكان ولادة الرئيس السابق باراك اوباما. وقالت لوبان ان فرنسا يجب ان تقلل كثيرا من الهجرة وتغلق المساجد، وطالب ترامب بمنع المسلمين من دخول الولايات المتحدة وقال انه سينظر في تسجيل المسلمين ومراقبة الأحياء ذات الأغلبية المسلمة، وأشاد و(مرشحته) السابقة في فرنسا لوبان بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وعزز ترامب ولوبان الدعوة للعزلة وقالا ان الغرباء يسرقون الوظائف وكانت هناك دعوة واضحة ضد الاقتصاد المعولم والاتحاد الأوروبي ومحاولة لنهش المؤسسات الأمنية الدولية مثل حلف شمال الأطلسي وشنت الحركات التي تقف وراء ترامب ولوبان حملة بغيضة ضد اللاجئين من أجل العودة إلى صف ( دولتنا العظيمة أولا).
من الواضح ان هناك توافقا بين لوبان وترامب ولكن يمكن الجدل ان ترامب في الواقع أسوأ. والسؤال المطروح هنا، لماذا خسرت لوبان وفاز ترامب؟ هناك نظريات تقول ان نظام المجمع الانتخابي الذي عفا عليه الزمن قد ساعد على نجاح ترامب اضافة إلى عدم ارتياح عدد كبير من الناخبين إلى منافسته هيلاري كلينتون ناهيك عن تدخــل مدير مكــتــب التحــقــيــقات الفيدرالي والوثــــائق المسربة، إلا ان المشكلة الكبيرة كانت في ان وســائل الإعلام الأمريكية لم تكن تعامل ترامب على انه متطرف يميني بل كان يشار إليه على انه «الملياردير المثير للجدل» بينما كانت وسائل الإعلام الفرنسية تصف لوبان بدقة وبشكل دائم، بانها متطرفة.
استقبل البيت الأبيض فوز «الوسطي» ماكرون بفتور، ولكن ترامب أعرب عن استعداده للعمل مع الرئيس الفرنسي المنتخب الذي لم يكن يوما «مرشحه المفضل» وفي الواقع فان فوز ماكرون كان ضربة قاضية إلى (العلامة التجارية) لترامب الذي أصبح يعتبر رمزا للقومية اليمينية ولكنه كشف أيضا، ان القادة السياسيين في فرنسا لم يكونوا على استعداد للوقوف إلى جانب مرشحة يمينينة متطرفة في حين ذهب النظام السياسي الأمريكي إلى جانب ترامب في جدول أعماله المتطرف كما ان الواضح ان الولايات المتحدة تخلو من الاتجاه الوسطي.
الاقتصاد أولا
ويعد انتصار إيمانويل ماكرون على مارين لوبان في انتخابات الرئاسة، سببا للاحتفال في فرنسا وبقية العالم وهو يوفر احتمالات الاصلاح الاقتصادي التي تشتد إليها الحاجة في البلاد كما ينعش هذا الانتصار الآمال في تحقيق تكامل اقتصادي أعمق في منطقة اليورو. ولكن يجب على المرء ان يدرك، قبل الافراط في التفاؤل، مدى صعوبة التحديات الاقتصادية التي تواجه ماكرون ومدى هشاشة الدعم السياسي لجدول أعماله الاصلاحي ناهيك عن إدراك احتمال مقاومة ألمانيا تجاه فكرة انشاء منطقة يورو أكثر تكاملا.
والاقتصاد الفرنسي، وفقا للعديد من المحللين الأمريكيين بحاجة إلى اصلاحات كبيرة إذا أراد منافسة الاقتصاد الألماني ولكن خلافا لألمانيا لم تقم فرنسا بعد بإصلاحات هامة في سوق العمل، وفي الوقت نفسه فان الحالة المالية في باريس أضعف بكثير من مثيلتها في ألمانيا وهي سبب رئيسي أمام عدم وصول البلاد إلى مسار نمو اقتصادي سريع.
ويعتقد العديد من المحللين الأمريكيين من ذوي الاتجاه الليبرالي ان فرنسا محظوظة لأنها انتخبت رئيسا وسطيا سيتوجه إلى السوق، ومن شأنه ان يدفع إلى اجراء اصلاحات اقتصادية في الداخل وأوروبا ولكنهم حذروا في الوقت نفسه من ان ماكرون قد لا يتمتع بالدعم السياسي في الداخل لتنفيذ جدول أعماله ومن غير الواضح مدى اتفاق ألمانيا مع خططه بشأن أوروبا.
وقد صوت ما يقارب من نصف الناخبين الفرنسيين في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية لصالح العديد من المرشحين المتطرفين من اليسار واليمين الذين يعارضون الاصلاحات الاقتصادية ويشككون في فوائد استمرار عضوية فرنسا في الاتحاد الأوروبي، ما يشير إلى ان هناك معارضة قوية في الشارع بقيادة الحركة النقابية الفرنسية للإصلاحات التي يطرحها ماكرون، كما ان الاستقبال الفاتر الذي جاء من المؤسسة السياسية الألمانية لا يبشر بخير لجهوده الاصلاحية الحقيقية للمشروع الأوروبي.
ويقول ديزموند لشمان من معهد المشاريع الأمريكية ونائب مدير قسم تطوير السياسات سابقا في صندوق النقد الدولي، انه يأمل في ان يتلقى ماكرون الدعم السياسي اللازم لجدول الأعمال الاصلاحي الفرنسي والأوروبي لان اخفاقه في تنفيذ ذلك يعني عودة المرشحة اليمينية لوبان.
رائد صالحة