انتعاشة «طفلة الأدب المشاغبة»: شباب القصة القصيرة العربية في «زمن الرواية»

شهدت القصة القصيرة العربية خلال الفترة الماضية، انتعاشة حقيقية، كمّاً وكيفاً، إلى جانب بروز مجموعات من القصّاصين العرب، الذين يمتلك كلٌ منهم مشروعاً مميزاً.
ووفقاً لبعض القصاصين العرب، فإن الناشرين لا يحفلون كثيراً بنشر مجاميع قصصية، نظراً لأن الإقبال يكون أكبر على الرواية، ويستشعر الناشر العربي صعوبة في بيع تلك المجموعات القصصية، إلا أن ذلك لم يمنع صدور ما يناهز مئتي مجموعة قصصية في منطقة الشرق الأوسط في الفترة بين 2015 وبدايات العام الجاري.
«القدس العربي» تفتح ملف القصة القصيرة العربية، واختارت هنا أن تتحاور مع مجموعة من كتّاب القصة القصيرة العرب، لنفتح معهم نقاشاً حول انحيازهم للقصة القصيرة، والمشهد القصصي عربياً مقارنة بالغزارة الروائية، هل تلقى القصة صعوبة في النشر؟ والفوارق في الإمكانات الفنية بينها وبين الرواية.

مركب ببحّار وحيد
عبد الله ناصر (1981) قاص سعودي

في اعتقادي أن القصة القصيرة هي من تختار كاتبها لا العكس. ذلك أن القاص في الغالب لن يغنم من ورائها الكثير. لا تُقبل عليها دور النشر بالعادة ولا تتصدر اهتمامات القراء ناهيك عن كونها بلا جوائز تقريباً تمنحها ولو قليلاً من الضوء (ولكن دعنا نتحدث بأمانة، من ذا الذي يفكر في الحصول على جائزة ما أثناء الكتابة؟) لطالما ارتضت القصة القصيرة وكتابها على حدٍ سواء بالعيش في الظل والهامش. والأمر قديم كما أنه ليس وقفاً على الصعيد المحلي بل حتى على الصعيد العالمي، كان القاص والروائي الفذ ايتالو كالفينو يفضل كتابة القصص القصيرة، تلك التي بوسعه أن ينتهي من كتابتها في ساعات قليلة ومتواصلة بإتقان معماري شديد إذ من الممكن أن تنهار القصة بالكامل فيما لو تم حذف جملة واحدة. كان ناشره يلح عليه أن ينشغل بكتابة الروايات لا القصص. أعرف الكثير من دور النشر العربية التي ترفض مباشرة نشر أي مجموعة قصصية بصرف النظر عن مستواها الفني وترحب في المقابل بالروايات مهما كانت رديئة. لعلي كنت محظوظاً فقد كان الناشر «دار التنوير» مهتماً بالقيمة الفنية ولا شيء آخر. يتوهم البعض أن كتابة القصص أمرٌ سهل وهذا ما نفاه غابرييل غارسيا ماركيز أكثر من مرة. يرى الكولومبي أن من الممكن إعادة كتابة الرواية فيما لو تعقدت الأمور على العكس تماماً من القصة القصيرة فهي إما أن تكتب أو لا تكتب على الإطلاق. وإذا كانت الرواية على رأي المكسيكي كارلوس فوينتس بحاجة إلى فريق أولمبي يتكون من مصممين وكتاب أعمدة صحافية ومقاولين وخبراء في الموضة ورجال دين إلخ.. فالقصة القصيرة أشبه بمركب ليس عليه سوى بحار وحيد، على عاتقه أوكلت كل المهام. كل رواية تقريباً في الأصل هي قصة قصيرة لو جردناها من شخوصها وأحداثها الثانوية.

هذا الفن مكسور الخاطر
أنيس الرافعي (1976) قاص مغربي

كتابة القصة القصيرة اختيار نابع من قناعات وجودية وفلسفية وجمالية معينة، ذات ارتباط وطيد برؤية المبدع للعالم، وموقفه من المؤسسة، وتصوره للتاريخ، ورغبته في التعبير عن الجماعة البشرية التي ينتمي إليها. صحيح، أن هذا الفن النبيل خسر خلال العقود الأخيرة مساحات شاسعة في أراضي التلقي والاهتمام الإعلامي وإقبال دور النشر، لكنه لم يعدم مخلصين وأوفياء لعقيدته، سواء من الرواد أم من الأجيال الجديدة، أجادوا فيه وتركوا بصمات شاخصة لا يمكن إنكارها على معماره وتقنياته ومتخيله. لكن، المتتبع الحصيف للمشهد القصصي العالمي، سيلمس أن هذا الجنس الأدبي صاحب يقين مراوغ، وما فتئ يطور من أدواته وانفتاحاته التخومية على سجلات تعبيرية مختلفة، فالإطلاع على الأنطولوجيات القصصية التي صدرت خلال السنوات القليلة الماضية في أمريكا واليابان وفرنسا وأمريكا اللاتينية، يؤكد بأن مفهوم الأزمة الذي نعيشه في الراهن العربي، لا وجود له في مرجعيات أخرى قصية عنا، كما أن هذا الصراع المزعوم بين القصة القصيرة والرواية بوصفها جنساً حاجباً أو قامعاً، هي إنتاج عربي خالص، مردّه التهافت غير الصحي الذي خلفته جوائز الرواية. إن مستقبل طفلة الأدب المشاغبة غير مرتبط بإحداث جائزة كبرى أو أكثر مخصصة لهذا الفن، وإنما يرتبط بمعطيات سوسيولوجيا القراءة، وابتداع طرائق مستحدثة لتوسيع مقروئية القصة القصيرة بشكل غير تقليدي. قراءة قصة قصيرة على منبر أو بين دفتي أضمومة لم يعد كافياً، لامناص من جعل القصة القصيرة نسيجاً مركباً وتفاعلها مع وسائط جديدة كفيلة بإرجاع الوضع الاعتباري والنضارة لهذا الفن مكسور الخاطر الذي دخل إلى مرحلة الشحوب. في ظني، زمن القصة القصيرة لن ينتهي وغير قابل للاستنفاذ بتاتاً، لأن صعود أو اندحار الأجناس الأدبية غير مرتهن لمعطيات برغماتية خارجية مرتبطة بالتسليع أو التسويق أو درجة الإقبال في مرحلة زمنية معينة، بقدر ماهو مرتبط بكينونة هذا الجنس الأدبي ذاته وقوانينه الداخلية التي قد تفقد شرط وجودها التاريخي. وأحسب أن أمراً من هذا القبيل بعيد عن الفن القصصي، الذي يعيش الآن في ظلال الورقة الساقطة من شجرة السرد الكبرى، أو يرقد مثل البراكين الخامدة. لكن من يدري فقد تستيقظ حممه الباطنية في أية لحظة؟

التاريخ الإنساني متتالية قصصية طويلة
مازن معروف (1978) قاص فلسطيني

سؤالك عن العلاقة بيني وبين القصة القصيرة، الذي لا أجد إجابة جاهزة له، يجعلني أفكر بكل القصص التي سمعتها طوال حياتي، مرغماً أو طواعية. تحديداً القصص التي رويت بشكل سيئ. أقول لنفسي لماذا بقيت هذه القصص في ذاكرتي دون سواها؟ وماذا حل بالقصص التي لم يبق لها أثر؟ إنها حتماً أكثر حضوراً في ذاكرة شخص آخر. بل وأجد نفسي أتمنى أن تكون مربكة بالقدر الذي ينبغي عليها أن تكونه. أفكر أيضاً بكل القصص التي ضحك بها خيالي عليَّ. قصص أوهمتني بأنني حذق بما فيه الكفاية ويمكنني أن أختفي أو أتحول إلى شخص ثان أو أتكلم لغة أخرى، وجعلت مني مجرماً صغيراً في بعض الأحيان، لا ينفك يتعرض لتأنيب الأم. لكني أنتبه وأنا أكتب شهادتي في هذا التحقيق، إلى أن أمي عندما كانت تؤنبني، كانت تفعل ذلك بآلية قصصية لم تتغير كثيراً من «علقة» اغلى أخرى. نحن نعيش محاطين بالقصص. وإذا ما أردنا التواصل مع أحدهم شفوياً، فلن يحدث ذلك إلا بالتلفظ بخبرية أو حكاية أو قصة. كتابة القصة القصيرة هي إذن اختبار لتلك الأسس التي يقوم عليها التواصل البشري اليومي. من هنا، يمكننا الاستطراد قليلاً والقول إن التاريخ الإنساني ليس سوى متتالية مهولة من القصص المتناسلة والمشتبكة مع بعضها البعض. القصص اليومية، قصص الأفراد العاديين وعلاقتهم بمحيطهم ومقتنياتهم وحيواناتهم ومعاركهم الوجودية الصغيرة على مدار اليوم، قصص البطولات والحروب وعكسها، والحب والموت والتحولات. وهي كلها يمكن أن نتخيلها مجمعة في مجلد عملاق يرد فيه ذكرنا جميعاً كما ذكر أجدادنا وأسلافنا القدماء ممن يتقاسمون أو لا يتقاسمون لغتنا أو ثقافتنا أو عاداتنا. لكن ما نتلقفه كأفراد في الحياة اليومية، يبقى حصصاً صغيرة من القصص غير المنجزة، بل إن عليها أن تظل كذلك كي لا يشعر الأدب بأي سوء. القصة القصيرة واقع أخضعناه لجراحة أدبية. وكل تلك القصص التي تُرِكت فينا بلمسة من الزمن، تشبه خفافيش عمياء يطير كل منها في اتجاه ما، في أعماقنا. عندما يبهت الضوء في دواخلنا فإن هذه الخفافيش تتحرك بوعي أشد ضراوة. بالنسبة لي فإنني بالقصة القصيرة أعالج ذاكرتي. إنها الشكل الأدبي الذي يكفل لي عودة خاطفة إلى لحظات لم يعد لها وجود، كأنني مسافر عبر الزمن. تصبح القصة القصيرة كبسولتي الفضائية التي يمكن أن تتحول أيضاً إلى حقيبة عدّة. إنها كذلك الشكل الأدبي الذي يكفل لي أن أعزل مشهداً ما أو شخصية أو مناسبة وأن أعيد تفحصها عن كثب. مع ذلك، أنا لا أكتب القصة القصيرة انطلاقاً من موقف ما من الرواية، مع علمي بأنني أكتب شكلاً أدبياً لا يغازل موضة النشر وأولويات الناشرين.

سريعة.. وحاسمة
مصطفى زكي (1980) قاص مصري

القصة القصيرة هي الجمال المُختزل. اللحظة، أو اللقطة التي يتم التقاطها سريعا. ربما تكون القصة في صفحة أو صفحتان، أو حتى عشر صفحات. الاختزال ليس في الكتابة، ولكن في المشهد المُكثف الملتقط. هي تشبه كرة القدم الخماسية. سريعة، حاسمة، بأقل قدر من النقلات يجب أن تصيب الهدف. هي تحدي للكاتب في تقديم الفكرة دون الاعتماد على البناء الفني الواسع للرواية.
الفارق بين القصة والرواية كبير. في البناء الفني والسردي، ورسم الشخصيات والمكان. الرواية هي عالم كبير (فكرة ولغة وتناول وخط زمني ومكاني وتشابك في الأحداث، التصاعد، البداية والنهاية) هي تحتمل العديد من الألعاب في السرد والراوي المتعدد أو المتغير. أما القصة فهي شديدة الرهافة في التقاط المشهد. أعتقد أن القصة القصيرة تبحث في المسكوت عنه، هناك على الدوام قصة أخرى بين السطور لم تروَ. وأعتقد أن الموضوع المتناول هو الذي يحدد لون الكتابة. إذا كانت قصة أو رواية. في رأيي هناك أفكار لا تحتمل أن تكون رواية، والعكس طبعا. بمعنى هل تحتمل الفكرة أن تكون رواية، أم ستبدو مُترهلة مُفتعلة. أو هل تحتمل أن تكون قصة، أم ستبدو مُبتسرة ناقصة. القصة القصيرة لا تعد تمهيدا لكتابة الرواية. هي فن أصيل قائم بذاته كالشعر والسينما والفنون التشكيلية. من المُجحف أن يتم تصنيفها أو اعتبارها تمهيدا أو تمرينا لكتابة الرواية. من الممكن أن يجيد كاتب القصة كتابة الرواية، والعكس. ومن المكن لا. وهذا لا ينتقص من قدر أحدهم شيئا. لا تعارض بين هذا وذاك.
واجهت بعض الصعوبات في النشر في البداية. قبل نشر المجموعة الأولى. هناك دور نشر، وناشرون لا يعترفون بها من ناحية تجارية. يفضلون الرواية لأن سوقها كبير. لكني كنت سعيد الحظ في المجموعتين في نشرهما بدار «العين» التي تهتم بنشر القصة كما تنشر الرواية والشعر.
ربما ليست هناك شحة في جوائز القصة القصيرة، ولكن التركيز الأساسي في المسابقات الكبرى يكون للرواية. أكبر جوائز مادية مثلاً تذهب للرواية (البوكر على سبيل المثال). ولكن هناك جوائز أخرى مهمة للقصة القصيرة (مثل ساويرس المصرية، والطيب صالح والشارقة عربيًا، وبالطبع جوائز الدولة من الناحية المعنوية). ولكن الملاحظ أن المِنَح الكتابية – كلها تقريباً- تكون من نصيب الرواية. ولكني أعتقد أن الجوائز لا تصلح أن تكون معيارا وحيدا على جودة النص الأدبي. هناك أعمال جيدة كثيرة لم تنل جوائز.

انتعاشة «طفلة الأدب المشاغبة»: شباب القصة القصيرة العربية في «زمن الرواية»

أحمد مجدي همام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية