«انتفاضة الاطباء» في مصر.. نظام لا يتعلم من خطاياه

حجم الخط
13

جاءت المظاهرات الواسعة التي شنها آلاف الاطباء في مصر امس احتجاجا على اعتداءات عناصر من الشرطة على طبيبين في مستشفى حكومي، تأكيدا لما توقعناه في هذا المكان الاسبوع الماضي من ان «المصريين لن يقبلوا انتهاكات النظام التي تستفزهم في كرامتهم».
وعلى الرغم من محاولات الاجهزة الامنية محاصرة المظاهرات امس، ومنع انعقاد اجتماع الاطباء اصلا عبر قطع التيار الكهربائي، فقد اثبت نجاح آلاف الاطباء في نقل احتجاجهم إلى شارع القصر العيني الحيوي، والذي يبعد امتارا قليلة عن مقري الحكومة والبرلمان، مرددين شعارات ثورة «يناير» ان جذوة الثورة مازالت قابلة للاشتعال في اي لحظة، وانها قادرة على فرض شروطها على النظام. وقد اطلق الاطباء احتجاجاتهم على هامش اجتماع غير عادي للجمعية العمومية للنقابة التي اصدرت قرارات مهمة شملت تنظيم احتجاجات بمختلف مستشفيات مصر يوم 20 فبراير/ شباط.
وشملت القرارات كذلك «مطالبة جهات التحقيق بسرعة إحالة أمناء الشرطة المعتدين للمحاكمة الجنائية العاجلة».
وكانت النيابة العامة قد حققت قبل يومين مع تسعة أمناء شرطة في قضية التعدي على طبيبين بمستشفى المطرية في شرق القاهرة، واصدرت قرارا صدر بإخلاء سبيل أمناء الشرطة التسعة بضمان محال إقامتهم ما اشعل غضب الاطباء.
وثمة ملاحظات اساسية في هذا المشهد المهم يجب التوقف عندها:
أولا: ان تعامل النظام مع حادث اعتداء عناصر الشرطة على الطبيبين يكاد يكون نسخة طبق الاصل مع تعامله مع حادث قتل أمين الشرطة للناشط خالد سعيد بالاسكندرية في يونيو/حزيران من العام 2010، والذي يتفق المراقبون على انه كان أحد الاسباب التي اسهمت في اشتعال ثورة يناير عام 2011. فقد عمد النظام إلى اخلاء سبيل المتهمين، مع ابقائهم في وظائفهم، ثم شن حملة اعلامية ضد الضحية اعتبرت انه كان «مدمن مخدرات، وهاربا من تنفيذ احكام قضائية»، (وكأن هذا يبرر ضربه حتى الموت، حتى اذا افترضنا جدلا ان تلك الاتهامات الظالمة كما قرر القضاء كانت صحيحة).
للاسف الشديد يكتشف المصريون بعد خمس سنوات، ان اي مواطن مازال معرضا لأن يكون خالد سعيد آخر، وكأن ثورة لم تمر من هنا، ولا سقط المئات من الشهداء في سبيل تحقيق اهدافها.
ثانيا: ان الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي يلقي خطابه الاول امام البرلمان اليوم السبت، لن يستطيع ان يواصل نهجه القائم على التهوين من خطورة «التجاوزات الفردية» التي يرتكبها بعض عناصر الشرطة ضد المواطنين، خاصة انها باتت شبه يومية في الفترة الاخيرة. كما ان تظاهرات الاطباء امس اثبتت ان تلك الانتهاكات الحقوقية اصبحت تشكل تهديدا امنيا وسياسيا مباشرا للنظام يفوق قدرته على تحمله.
ثالثا: ان الرسالة السياسية الواضحة التي تبعث بها «انتفاضة الاطباء»، هي اننا امام نظام لا يستطيع، او لا يريد، ان يتعلم من اخطائه وخطاياه التي كلفته ثمنا باهظا في الماضي. اذ انه مازال يعتبر ان استرداد «هيبته» امام الشعب يرتبط بمنح اجهزته الامنية نوعا من الحصانة القانونية التي تسمح لها بانتهاج اساليب البلطجة وارتكاب الجرائم ضد المواطنين دون خوف من المحاسبة. ومن البديهي ان الفشل في تطبيق القانون على المتهمين في هذه الجريمة الجديدة، سيؤكد ان جهاز الشرطة يتبع سياسة ممنهجة تقوم على شن ثورة مضادة كاملة الاركان تهدف إلى معاقبة المصريين على ثورتهم، والعمل على اعادة عجلة الزمن إلى ما وراء يناير/كانون الثاني 2011. (دون ان يقلل هذا من اهمية دور رجال الشرطة في مواجهة الارهاب، او قيمة ما قدموه من ضحايا وشهداء في هذا السبيل). ولا تتورع الاجهزة الامنية ضمن هذا الاطار عن شن حرب شائعات وحملات اعلامية، مثل الاتهامات الملفقة التي اعقبت استشهاد الناشطة شيماء الصباغ عشية الذكرى الرابعة للثورة العام الماضي، وتلك التي استهدفت الاطباء بعد الحادث الاخير.
والخلاصة اننا امام خطأ جوهري وسوء تقدير فادح تجاه رد فعل المصريين قد يكلف ثمنا باهظا. ويبقى السؤال ان كان النظام قادرا على اتخاذ القرار الصعب لكن الضروري باعادة هيكلة الشرطة وتأهيل افرادها ضمن المعايير الدولية لاحترام حقوق الانسان، ام انه سيثبت ان الزمن يأبى احيانا الا ان يعيد نفسه، وان الذين ينزلون المنحدر قد لا يستطيعون التوقف قبل النهاية.

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية