يخشى بعض المسؤولين الاسرائيليين أن تكون انتفاضة القدس فاتحة الانتفاضة الثالثة. بعضهم الآخر يخشى ان يتحوّل الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي معها من الطابع القومي الى الطابع الديني. بنيامين نتنياهو يخشى منها على حكومته، فتراه يحمّل محمود عباس شخصيا مسؤولية التحريض على تأجيجها فيما تبدي وزيرة العدل تسيبي ليفني انزعاجها من تفاقمها، وتحذّر من ان «يتحوّل النزاع القومي مع الفلسطينيين الى نزاع ديني مع العالم الاسلامي بأسره».
سواء اعتبرت «اسرائيل» انتفاضة القدس فاتحة انتفاضة قومية ثالثة، او نزاعا دينيا بازغا مع عالم الاسلام بأسره، فإن ثمة حقيقة ساطعة تميّز هذه الانتفاضة المتصاعدة عن سابقتيها في امرين:
الاول، انها نتاج مناضلين ينشطون بصورة فردية، كما مناضلين ينتمون الى تنظيمات اسلامية مقاوِمة. فالمتهم بمحاولة اغتيال العنصري الاسرائيلي البارز يهودا غاليك هو شقيق مناضل في حركة «حماس» كان اطلق سراحه في صفقة شاليط وجرى ابعاده الى تركيا.
الثاني، ان الوسائل التي يعتمدها مناضلو انتفاضة القدس تختلف عن تلك التي اعتمدها المناضلون الفلسطينيون في الانتفاضتين الاولى والثانية. في الانتفاضة الاولى، كانت الحجارة هي السلاح الوحيد، ما حمل الاعلام العربي والعالمي على تسميتها «انتفاضة اطفال الحجارة». في الانتفاضة الثانية، لجأ المناضلون الى استعمال اسلحة فردية خفيفة (مسدسات وبنادق) واسلحة متوسطة الفعالية (قاذفات الآر بي جي). في انتفاضة القدس الجارية، يستعمل المناضلون الامواس والسكاكين وقضبان الحديد، كما يستعملون سياراتهم لدهس الجنود الاسرائيليين في الشوارع والساحات العامة.
من المحتمل ان تتطور انتفاضة القدس الى انتفاضة ثالثة تعمّ سائر مناطق الضفة الغربية، وان تصبح الاسلحة المعتمدة فيها اكثر فتكا. لكن ذلك يتوقف على سياسة محمود عباس وفريقه من جهة، وسياسة «حماس» و»الجهاد الاسلامي» وسائر تنظيمات المقاومة في غزة والضفة من جهة اخرى.
ابو مازن ليس بالتأكيد من دعاة استئناف المقاومة. لذا لن يأمر «قوات الامن الوطني» الفلسطينية بالتعاون او، اقلّه، بالتهاون مع المنتفضين والمناضلين، وسوف يكتفي باللجوء الى مجلس الامن والانضمام الى اتفاق روما الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية.
«حماس» (وربما «الجهاد الاسلامي» ايضا) تبدو متمسكة بالهدنة، وبالتالي بلجْم تنظيمات المقاومة الراغبة في متابعة القتال مع «اسرائيل» والتي تُطلق، بين الفنية والاخرى، قذائف صاروخية على المستعمرات الاسرائيلية في غلاف قطاع غزة. اخر قذيفة صاروخية اطلقها احد هذه التنظيمات حملت ابو مازن، بالاضافة الى سبب اخر، على الغاء زيارته لغزة. هل فعل ذلك لاعتقاده ان لـِ»حماس» يدا في اطلاق القذيفة، ام لاعتقاده ان خطوته هذه تدعم «حماس» في لجم التنظيمات المتحمسة لاستئناف القتال؟ الجواب تقرره انتفاضة القدس وطريقة «حماس» واخواتها في التعامل معها. لعل احتمال تحويل انتفاضة القدس من صراع قومي الى صراع ديني هو ما تخشاه «اسرائيل» فعلا. ذلك ان نتنياهو سلََكَ منذ اكثر من خمس سنوات مسارين في محاربة قوى الممانعة والمقاومة في عالم العرب والمسلمين. الاول، تأجيج الشقاق السنّي ـ الشيعي لشرذمة اعداء «اسرائيل» وشلّ فعاليتهم. الثاني، تحويل الصراع بين بعض الدول العربية وايران الى اولوية راسخة على حساب اولوية الصراع مع «اسرائيل».
ثمة مؤشرات تدعو قادة «اسرائيل» الى التخوف من تداعيات تحويل الصراع مع الفلسطينيين الى صراع ديني يشارك فيه مسلمون من غير بلاد العرب. في هذا السياق يمكن تفسير اعلان الرئيس التركي رجب طيب اردوغان نيته التوجّه الى مجلس الامن الدولي لانهاء الاعتداءات الاسرائيلية في الحرم القدسي. اللافت ان اردوغان ابلغ نيته تلك في اتصالين هاتفيين مباشرين الى الرئيس محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خالد مشعل. وكان الاردن سحب سفيره من تل ابيب احتجاجا على تواطؤ الشرطة الاسرائيلية مع المستوطنين في الاعتداء على الحرم القدسي، كما تقدّم بشكوى الى مجلس الامن ما حمل نتنياهو على الاتصال بالملك عبدالله الثاني، ليؤكد له عدم سعي حكومته الى تغيير الوضع في المسجد الاقصى او السماح لليهود بالصلاة فيه. من المحتمل ان تتطور ردود الفعل العربية والاسلامية على اعتداءات «اسرائيل» في الحرم القدسي، فلا تقف عند حدود مجلس الامن، بل تتجاوزها الى عقد قمة عربية طارئة، وربما دعوة مؤتمر التعاون الاسلامي ايضا الى الانعقاد. كما من المحتمل ان تطور تركيا موقفها فلا تكتفي بدعوةٍ اطلقها رئيس حكومتها احمد داود اوغلو الى مسلمي العالم لحماية المسجد الاقصى، «لان القدس لا يمكن ان تُحكم من دين واحد».
تجارب الماضي، ولا سيما بعد واقعة احراق المسجد الاقصى، لا تبعث على التفاؤل. فتركيا لا تعتبر قضية القدس اولوية في الوقت الحاضر، بسبب انخراطها علنا في صراع مكشوف ضد سوريا لازاحة الرئيس بشار الاسد واقامة نظام موالٍ لها، ثم هي تخشى، ان هي رفعت صوتها بتأييدٍ اكبر للفلسطينيين، مطالبتها باتخاذ مواقف عملية ليس اقلّها دعم المقاومة الفلسطينية بالمال والسلاح، الامر الذي يزجّها في نزاع مقلق مع الولايات المتحدة.
الى ذلك، فان اي دعم عربي او اسلامي فعال للفلسطينيين في صراعهم مع «اسرائيل» يتطلب، اولا، اتفاقا بين الفلسطينيين انفسهم وتفاهما بين الدول العربية ولا سيما النافذة منها. والحال ان الفلسطينيين اخفقوا في تحقيق وحدتهم الوطنية حتى الان، بدليل عزوف محمود عباس عن زيارة القطاع بعد التفجيرات التي تعرّضت لها منازل قادة «فتح» في غزة. اما الدول العربية فان خلافاتها ومطامحها بخصوص ازمات سوريا واليمن وليبيا تجعل من تفاهمها على خطة عملية لحماية الحرم القدسي امرا مستبعدا.
في ضوء هذا الواقع المؤلم، سيبقى الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي قوميا على الارض واسلاميا في الاعلام ليس الا…
٭ كاتب لبناني
د. عصام نعمان