إسطنبول ـ «القدس العربي»:بوتيرة متسارعة يتقدم مسلحو «قوات سوريا الديمقراطية» نحو معاقل تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» في مدينة «منبج» بريف حلب قرب الحدود التركية، وسط توقعات أن تكون وجهتهم المقبلة مدينة «جرابلس»، ليُكمل الأكراد بذلك إحكامهم على مناطق واسعة من الحدود التركية السورية، وهو ما كانت ترى فيه أنقرة على الدوام تهديداً لأمنها القومي.
وعلى مدار سنوات الأزمة السورية اعتبرت تركيا عبور الوحدات الكردية إلى غرب نهر الفرات والتمدد على حدودها «خطا أحمر».
الخط الأحمر التركي المتمثل في عدم السماح للوحدات الكردية بالعبور لغرب الفرات حطمته إدارة أوباما من خلال تركيب مستشارين عسكريين أمريكيين جسر حديدي على نهر الفرات في قرية قره قوزاق فوق جسر مدمّر، على الطريق الدولي حلب-الحكسة، لتتمكن من خلاله القوات الكردية من العبور لغرب النهر والسيطرة على عدة تلال وجبال مرتفعة للانطلاق منها كجبهة جديدة نحو منبج.
وجعل شعار «الحرب على داعش» الذي تحمله الوحدات الكردية من أي رفض رسمي تركي «خطئاً كارثياً»، وذلك خشية اتهام الحكومة التركية بالدفاع عن تنظيم «الدولة»، وهو ما بدا واضحاً في تجنب كبار الساسة الأتراك التعليق على العمليات العسكرية الأخيرة في الرقة ومنبج، بل ومحاولة إبداء تأييد خجول لها على الرغم من الغضب والخوف الذي ولدته هذه التغيرات داخل أروقة القرار السياسي والأمني في أنقرة.
وفي الوقت الذي قال فيه وزير الدفاع الأمريكي اشتون كارتر ان مسلحي «الدولة» في مدينة منبج «يطمحون» لتخطيط لهجمات إرهابية في الخارج. لخص وزير الدفاع الفرنسي جان ايف لودريان مساء الجمعة الموقف الأوروبي عندما قال: «داعش سيهزم. إنه يتراجع بشكل كبير.. من الضروري استعادة منبج لقطع التحركات في الاتجاهين، بين تركيا والشام»، وهو تصريح يحمل في طياته تلميحا لتلقي تنظيم «الدولة» دعماً عبر الحدود التركية، ويضيف للساسة الأتراك مزيدا من الحرج.
وبالفعل، لعب الناطق باسم قوّات سوريا الديمقراطيّة العقيد طلال سلّو على هذا الوتر، بالقول: «نحن لا نواجه تركيا، لكننا سوف نعتمد على الضغوط الدولية التي سوف يمارسونها على تركيا لتغير موقفها».
والسبت، واصل مسلحو «قوات سوريا الديمقراطية» تقدمهم نحو مدينة منبج، حيث تمكنوا من السيطرة على أربع قرى جديدة، ليصل مجموع القرى التي تم السيطرة عليها 28 قرية مع توقعات بقرب الدخول إلى وسط المدينة التي تعتبر من أبرز المناطق التي يسيطر عليها التنظيم في سوريا بعد الرقة، وتربط هذه المنطقة مدينة الرقة بالحدود التركية.
وبالتزامن مع ذلك، يشن تنظيم «الدولة» منذ أيام هجوماً واسعاً في مسعى للسيطرة على مدينة «مارع» التي تعتبر ثاني أبرز معقل للفصائل المعارضة المدعومة من قبل تركيا في حلب، حيث تمكن التنظيم من قطع طريق الإمداد الوحيد الذي كان يصلها بمدينة أعزاز الحدودية مع تركيا.
وتخشى أنقرة أن تؤدي سيطرة التنظيم على هذه المناطق إلى تقدم الوحدات الكردية لتحريرها منه وبالتالي السيطرة عليها، وهو ما يعني تلقي النفوذ التركي في سوريا ضربة قاسية جديدة، الأمر الذي دفع أنقرة للضغط على واشنطن من أجل إلقاء طــائرات التـــحـــالف شحــنات أسلحة وذخيرة للفصائل المقاتلة في مدينة مارع لتفادي سقوطها بيد «الدولة».
وفي محاولة للحد من مخاوف أنقرة، قال المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية، العقيد بات رايدر، الجمعة، إن 85% من القوات المشاركة في عملية استعادة مدينة منبج «يتشكلون من مقاتلين عرب، يقودون العملية للسيطرة على المدينة»، معتبراً أن الأنباء عن أن الوحدات الكردية تقود العملية «لا تعكس الحقيقة».
أردوغان وفي تصريحات وصفت بـ»العاجزة»، قال إن التحالف الذي يتقدم نحو منبج يتألف في معظمه من مقاتلين عرب بينما تكتفي الوحدات الكردية بتقديم الدعم اللوجستي لها، موضحاً أن تركيا لا تشارك بدور مباشر في العملية لأنها «لا يمكن أن تدعم عملية عسكرية تشارك فيها وحدات حماية الشعب الكردية الإرهابية».
وهي التصريحات التي نسبت لمصدر عسكري تركي قال فيها: «تركيا ليست مشاركة في معركة منبج»، مبرراً ذلك بالقول: «هذه المنطقة تقع على بعد 40 كيلومتراً من حدود تركيا، وبالتالي من المستحيل أن تدعمها تركيا. كما أن من غير الوارد سياسياً لتركيا أن تقدم الدعم لوحدات حماية الشعب».
ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن جنيفر كافاريلا المحللة في معهد دراسات الحرب البحثي في واشنطن قولها «انه المحور الرئيسي لإيصال الإمدادات إلى الرقة (من الخارج). السيطرة على منبج ومن ثم جرابلس ستقطع هذه الطريق ولن يبقى لتنظيم الدولة سوى مناطق ريفية إلى الغرب من الطريق للبقاء على تواصل مع تركيا».
ويقول جوشوا لانديس الباحث في جامعة اوكلاهوما والمطلع على الفصائل العربية في المنطقة: «اشك في أن المقاتلين العرب هم من يقودون المعركة، واشك في أنهم سيمسكون بزمام الأمور بعد أن يضحي الأكراد بدمائهم» لاستعادة المنطقة.
إسماعيل جمال