تقوم الدولة، كما هو معروف، على أُسس ثلاثة، الأرض والشعب والسلطة أو «النظام»، ويقوم النظام أيضاَ على معطيات ثلاثة هي، القبول الشعبي أو ما يعرف «بالشرعية»، وتحقيق أمن الوطن والمواطن، وتوفير لقمة العيش الكريم للمواطنين،
ومن هنا، فإن معيار نجاح الدولة، أي دولة، يكمن في مدى تحقيق الأمن والرفاه لشعبها، بالمقابل فإن فشل الدولة يقاس بمدى انتشار الجوع وهيمنة الخوف.
وبتطبيق هذه المعايير، على جميع دول العالم، وهي تطبق فعلاُ، من خلال منظمات الأمم المتحدة المتخصصة، نجد أن الدول العربية ، هي أقل الدول نجاحاُ في تحقيق الأمن والرفاه لمواطنيها، وأكثرها فشلاً في محاربة الجوع والخوف، وهي دائماً تقع في ذيل القوائم الدولية في كل إنجاز أو مأثرة، وتقع على رأس كل قوائم التخلف والفقر وانتهاك حقوق الإنسان، رغم مآثر التاريخ، وسمو القيم الموروثة، وما حباها الله من ثروات وخيرات تبعثر في كل مكان، ولا ينال المواطن منها، سوى زنزانة في سجن، او لقمة عيش مغموسة في الهوان، او قارب متهالك قد يغرقه أو ينقله إلى شواطئ الأمان. لذلك وصل المواطن العربي إلى قناعة مطلقة بانتهاء صلاحية النظام الرسمى العربي، لإسباب كثيرة اهمها:
1 ـ فشل النظام الرسمي العربي، في تحقيق الحد الأدنى من المعايير التي يقرها ويحترمها المجتمع الدولي.
2- على الرغم من أن الإسلام دين العدل والمساواة، باعتبارهما أساس الملك، حيث لا عدل بلا مساواة، ولا مساواة بلا عدل، وان الدولة الإسلامية قامت أساساً وازدهرت وبنت حضارتها عبر قرون طويلة على مبادئ العدل والمساواة، فإن النظام الرسمي العربي، على الأقل خلال العقود الخمسة الماضية، فاقد تماماً لهذه المبادئ في جميع احكامه وقرارته.
3- ورغم أن الفساد بكافة أشكاله، مدان في الإسلام، باعتباره إثماً وجرماً، يستحق مرتكبه العقوبة المشددة في الدنيا والآخرة، بموجب آيات القرآن الكريم، ونصوص السنة النبوية المطهرة، إلا أن الدول العربية، وبدرجات متفاوتة، تعتبر من أكثر دول العالم فساداً، طبقاً للمعايير التى تعتمدها منظمة الشفافية الدولية، إذ يتفوق العالم العربي في إنتاج أرقام قياسية من ممارسة الفساد، بأشكالة المختلفة، كالرشوة والاختلاس واستغلال النفوذ وسوء استعمال السلطة والإثراء غير المشروع والوساطة والمحسوبية والمحاباة.
لقد استفحل وباء الفساد، الذي نما وترعرع، في أحضان أنظمة القهر والاستبداد، اقتناعاً من الحكام أن الأرض مزرعتهم والثروة ملكهم والشعوب العربية عبيد لهم، وسار على نهجهم في ذلك، الزبانية والأتباع والموظفين العامين، بحيث ترسخت ظاهرة الفساد في المجتمعات العربية، وأصبح المال العام مباحا ومتاحا لكل لص حاذق وسارق ماهر، ما ساهم في زيادة الفقر والجهل والتخلف، وأعاق التنمية البشرية، وأدى إلى إضعاف المؤسسات وانهيار القيم وإعاقة التقدم الحضاري، وأصبح الفساد متغلغلاً متأصلاً في جميع هياكل ومفاصل الدولة العربية.
4- فشل العالم العربي في دخول القرن الواحد والعشرين بأي من إنجازات القرن العشرين، التي ظهرت نتائجها حتى على أكثر الدول تخلفاً في آسيا وافريقيا وأمريكيا اللاتينية، ودخل العالم العربي القرن الواحد والعشرين، حائراً مرتبكاً ضعيفاً، عاجزاً عن مواجهة استحقاقاته، أو حمل تبعاته.
لقد دخل العالم الغربي القرن العشرين بإنجازات الثورة الصناعية (1750-1850) التي أحدثت في أوروبا تغيرات جذرية في الزراعة والتصنيع والتعدين والنقل والتكنولوجيا، وكان لها تأثير عميق على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والثقافية في جميع انحاء اوروبا وامريكا الشمالية واليابان بالدرجة الأولى، وكانت الثورة الصناعية الثانية في النصف الثاني من القرن العشرين، وهي ثورة تكنولوجية، شهد العالم على أثرها تطورات صناعية هائلة سريعة ومتنوعة، ثم تلتها الثورة الرقمية، وهي ثورة العصر الحالي. وكل الثورات السابقة كان وقعها وتأثيرها على العالم الغربي بشكل خاص، وبقية العالم بشكل عام، تحقيق مزيد من التطور والإبداع والتغيير، أما العالم العربي فقد بقي يعاني من فجوة معرفية وصناعية كبيرة، بسبب الانقلابات العسكرية وأنظمة الاستبداد، التي كان همها الأول والأخير حماية النظام ولو على أشلاء الشعب وفقره وجهله وتخلفه.
وقد شخصت التقارير والدراسات الاقتصادية ولخصت الواقع العربي بالقول، إن الناتج الوطني العام في البلدان الصناعية الرئيسية يرتكز على العلم، بينما اقتصاديات الدول العربية لا تزال ترتكز كلياًعلى تصدير المواد الخام كالنفط والغاز، ولا تشكل المنتجات المعتمدة على المهارة والقيمة المضافة، سوى نسبة ضئيلة من إجمالي الناتج القومي العربي، كذلك لا تعكس الحصة العالية للعاملين في قطاع الخدمات في البلدان العربية اقتصاداً علمياً حديثاً يرتكز على الثقافة المعلوماتية، بل يعكس وجود بيروقراطيات حكومية متخلفة، يتشابه نظام الحكم والإدارة، وتوزيع الوظائف في قطاعاتها الإنتاجية، بما كانت عليه اوروبا في القرن الثامن عشر. وخلصت هذه الدراسات في مجملها، إلى أن الصناعات العربية تواجه تحديا مهما، وهو تطوير العلوم العربية وتوحيدها وتفعيلها لإحداث ثورة صناعية طال ترقبها في الوطن العربي على امتداد القرن العشرين، إلا أن هناك قناعة ترسخت، بان الثورة الصناعية لن تحدث في الوطن العربي، في ظل النظام العربي الحالي، الذي ثبت عجزه وضعفه وتبعيته.
5- فقدان العقيدة العسكرية للجيوش العربية.. بإلقاء نظرة نظرة فاحصة على الواقع العربي هذه الأيام، لا بل هذه الساعات، نشاهد بوضوح، أن الأنظمة العربية، صمٌ بكمٌ عُمي، حيال ما يحدث من جرائم يندى لها الجبين، في جميع أرجاء الوطن العربي، إن لم تكن شريكاً فيها، وخاصة تلك التى ترتكب في فلسطين المحتلة، وفي رحاب المسجد الأقصى الشريف.. وما كان ذلك ليحدث، لو كانت هناك جيوش عربية محتفظة بعقيدتها العسكرية، تلك العقيدة التي كانت تقوم على الجهاد والحرب العادلة، وشعارها النصر أو الشهادة… وعندما انهارت دولة الخلافة العثمانية، كان الهدف المخطط له بإصرار، هو القضاء على العقيدة العسكرية الإسلامية، وكانت الهزيمة النكراء، لسبعة جيوش عربية، في حرب فلسطين سنة 1948، أمام دولة إسرائيل الناشئة في ذلك الوقت، بداية النجاح في القضاء على العقيدة العسكرية للجيوش العربية، وتتالت الهزائم امام إسرائيل، وانكفأت الجيوش العربية، لتصبح جيوش أنظمة وليس جيوش دول، عقيدتها الولاء للنظام وليس الانتماء للأوطان، وبدلاً من أن تحمي المواطن تطلق النار عليه، واصبحت الشعوب العربية هي العدو الأول لجيوش بلا عقيدة. وكان الانهيار النهائي للعقيدة العسكرية للجيوش العربية، في التحالف مع أعداء الأمة في حرب الخليج الثانية، للقضاء على العراق وجيشه، الذي كان الحارس القوي الأمين لأهم وأخطر المواقع والثغور العربية. ورغم المحاولات الحثيثة لاجتثاث عقيدة الجهاد من وجدان الأمة، لتركيعها بعد تركيع جيوشها، وسلبها روح المقاومة والنضال، إلا ان جذوة هذه العقيدة، كانت وما زالت، المحرك الأول لصمود شعوب هذه الأمة وانتصاراتها، ومن مآثرها التى لا تحصى ولا تعد، معارك الجهاد الليبي بقيادة الشيخ عمر المختار ضد الطليان، وثورة الجزائر المجيدة ضد الاستعمار الفرنسي، وثورة الشعب الفلسطيني المرابط، التى ما زالت مستمرة ضد الاحتلال والاستعمار الاستيطاني الصهيوني، (ونموذجها الباهر صمود غزة الأسطوري، والمرابطون في المسجد الأقصى)، وثورات الربيع العربي المتواصلة، وشعارها «النصر أو الشهادة «. إنها المعركة الأخيرة، في حرب كانت طويلة ومريرة، بين شعوب عربية تبحث عن الحرية والتقدم وحقوق الإنسان، وبين أنظمة الفساد والاستبداد والتخلف، التى انتهت صلاحيتها وتعفّنت، و»طلعت ريحتها»حسب وصف الشعب اللبناني لها، وأُزيلت مثيلتها من رفوف السياسة الدولية، منذ سنين طويلة، وبقيت هي، نماذج كـ»داعش» تماماً، بتواطؤ وتآمر دولي، يسيء وجودها إلى الأمة ويشوه قيمها ويعيق تقدمها ويرسخ تبعيتها.
٭ كاتب ليبي
سالم قواطين