لن نتناول نظام الكفالة والممارسات بحق العمالة الاجنبية، خاصة النساء، التي لا يمكن وصفها إلا بأنها رق وعبودية تحت مسميات أخرى، إلا في هذه المقدمة السريعة. هذه الانظمة ليست حكرا على الإمارات، بل تمارسها كل الدول الخليجية. تغض أمريكا والدول الاوروبية النظر عن هذه الانتهاكات لانها تنافس بعضها بعضا بصفقات الأسلحة والطائرات ببلايين الدولارات، وهي بحاجة إلى الأسواق الخليجية المتخمة بالاستهلاك، على قاعدة إطعم الفم تستحي العين.
اصدرت الإمارات في الأسبوع الماضي قائمة طويلة جدا، ظننا أنها لا تنتهي، بما سمته منظمات إرهابية. هذه المنظمات المنتشرة في الدول العربية وأمريكا وأوروبا تشترك في شيء واحد، وهو أنها إسلامية.. دعوية، إغاثية، حقوقية، سياسية او فقهية، وليست بالطبع تنظيمات مسلحة، ولا واجهات سياسية لأجنحة عسكرية. الأدهى من ذلك ان أمريكا والاتحاد الاوروبي يعترفان بشرعية هذه المنظمات على أراضيهما، فلماذا لا تضع الإمارات امريكا واوروبا على لوائح الإرهاب، لانهما يتستران على الإرهاب جهارا؟ لقد وضعت الإمارات نفسها في موقف لا تحسد عليه، لإثارة السخرية منها لافتقارها لأي من أسس المنطق او البحث العلمي، أو الأدلة القضائية لاتهامات رميت جزافا.
من قرأ لائحة الإرهاب التي اتحفتنا بها الإمارات سيعتقد للوهلة الأولى ان دولة الإمارات لها سجل ناصع وحافل في احترام حقوق الإنسان، لذلك نصّبت نفسها إماما للصالحين، بدون بيعة. ولكن الحقيقة ليست كذلك.
تقرير «هيومان رايتس ووتش» الصادر هذا العام عن أحداث العام المنصرم 2013 يقول صراحة، إن الإمارات مستمرة في انتهــــاك حريات التعبـــير، ولم تقم بأي اجراءات لتصحيح الوضع. يتعرض التقرير بالتفصيل للخلية الإسلامية التي اتهمت بمحاولة قلب نظام الحكم وحوكمت في تموز/يوليو العام الماضي.
الخلية تتكون من 94 متهما، برئ منهم 25 (في عدالة) وادين الـ 69 الباقون باحكام تصل إلى عشر سنوات سجن. اعتقل هؤلاء لسنة قبل المحاكمة في أماكن مجهولة، ولم يقابلوا أي محام حتى اواخر شباط/فبراير.
منعت الإمارات مراقبين دوليين من دخول البلاد لحضور المحاكمة، ومنعت المراقبين الموجودين أصلا في البلاد لهذه الغاية من دخول المحكمة. المحاكمة كانت جماعية وسريعة. واحد فقط اعترف بمحاولة الانقلاب ثم اعترف لاحقا بان الاعتراف تم تحت التعذيب. معظم المتهمين أخبروا القاضي بأنهم تعرّضوا لدرجات حرارة، شديدة الحرارة او شديدة البرودة، وتم التحقيق معهم وهم معصوبو الاعين، وتعرضوا للتهديد بالصعق الكهربائي او الضرب او التعذيب النفسي او الجسدي، ومنع عنهم النوم بهدف الضغط وانتزاع اعترافات.
الاهم من هذا كله ان كل هؤلاء المتهمين، السجناء الان، لم يقترفوا ذنبا سوى انهم ينتمون إلى منظمة إسلامية إخوانية (الإصلاح) وكل ما جنوه انهم طالبوا باصلاحات سياسية، وكان نشاطهم سلميا بحتا، ولكن حكومة الإمارات لا تعترف بحرية التعبير، ابسط حقوق الإنسان. ان انتقاد النظام في الإمارات، ولو حتى بالتلميح يعتبر ذنبا، بل من الكبائر والعياذ بالله، ويجب على مقترفه التوبة الصادقة بألا يعود لاقتراف الآثام مجددا.
قد يعتقد البعض أننا نتكلم عن مصادرة الحق في التعبير للأجانب، وهذا أمر مفروغ منه. إن تجرأ الاجنبي على الحلم او التفكير بانتقاد كفيله مثلا، فستتاح له فرصة رؤية جواز سفره الذي صودر منه منذ دخوله بلاد الاحلام، وسيتمكن من رؤية اهله واصدقائه في دولة ما في آسيا او افريقيا، لان الأمر بالترحيل سيكون أقرب من لمح البصر. لكننا يا سادة نتكلم عن مصادرة حق حرية التعبير للاماراتيين، الذين بالمناسبة يشكلون فقط ثمن العدد الاجمالي للسكان .
دولة الإمارات تدعم النظام القمعي العسكري الانقلابي في مصر ببلايين الدولارات، وتدعم اللواء المتقاعد (الذي عاد مشتاقا للحرب) حفتر، وترسل طائراتها لتقصف ثوار السابع عشر من فبراير في ليبيا، وتستضيف محمد دحلان. اذا لم يكن هذا ارهابا، فكيف تعرّف الإمارات الإرهاب؟ هي لم تفصح عن السر. ترى هل نسيت الإمارات أن تضع اسمها على لائحة الإرهاب التي ابتدعتها؟
ملاحظة أولى: إذا ورد في هذا المقال اسم أي دولة، تشابه دولة موجودة حقيقة، فهو محض صدفة او من خيال الكاتب استقاه من قصص الف ليلة وليلة، ولا يمت إلى الواقع بصلة.
ملاحظة ثانية: الأفكار المندسة في هذا المقال لا تعبر عن وجهة نظر الجريدة، ولا حتى الكاتب، بل منظمة «هيومن رايتس ووتش» المتآمرة على منطقتنا التي ما فتئت تنشر الاشاعات والاكاذيب بهدف زعزعة الأمن والاستقرار وقلب أنظمة الحكم التي تسهر على راحة شعوبها.
٭ كاتب فلسطيني
د. خليل قطاطو