ليست هذه أول مرة يقول فيها السيسي إن الممارسة الديمقراطية في مصر غير واردة قريبا. فقد سبق له، قبل خطاب الأربعاء الماراثوني، أن عبّر (أو، بالأحرى، أعاد التعبير) عن المعنى ذاته في حديث مطول أدلى به لمجلة «جون أفريك» في عددها الصادر بتاريخ 14 من هذا الشهر. سأله الصحافيان، فرانسوا سودان ولوران دي سان بيريي: «في أيار/مايو 2014، أعلنتم أن تحويل الديمقراطية إلى واقع في مصر إنما يقتضي الصبر والانتظار لمدة خمس وعشرين سنة. أما زلتم على هذا الرأي؟» فأجاب السيسي بأن «الديمقراطية مسار طويل ومتواصل في الوقت ذاته. إننا نسير على هذا الدرب، وينبغي أن تستمر التجربة. أنا أحترم إرادة مواطنيّ وأمتثل لها، أملا في أن أعطي القدوة لمن سيأتون من بعدي. ولكن علينا ألا ننسى أن هذه التجربة الديمقراطية لا تتجاوز أربع سنوات من العمر. إنها تجربة وليدة، ولهذا فإن أمد عشرين عاما أو خمسة وعشرين أجل قصير للتوصل إلى تحقيق هذه الغاية تحقيقا كاملا».
أما لماذا امتنع الرئيس المصري عن تذكير الصحافيين الفرنسيين بـ»محمد علي (الذي) حكم 45 سنة وأسس الجيش في 11 سنة»، مثلما قال في خطاب الأربعاء، فتفسيره المحتمل: أولا، إما أنه كان يتحاشى أن يفهم الخواجات من هذه الإشارة أنه يريد لنفسه أن يبقى في الحكم عقودا متطاولة وأن حكاية «الديمقراطية مسار طويل…» هي مجرد تعلّة، وأن يدركوا في الوقت ذاته أنه يتوهم أنه صائر مصير محمد علي في سجل الخالدين في تاريخ مصر. ثانيا، أو ربما يكون قد فضل عدم إقحام الصحافة الدولية في خصوصيات عائلية مصرية لا شأن للأجانب بها: فماذا لو تجاسر الصحافيان وسألاه عن محمد علي؟ هل يكون عليه أن يتجشم عناء التفسير والتنوير؟ ثالثا، أو أنه قد أراد أن يحتفظ لنفسه بهذه البشرى المبهجة – بشرى اعتزام تأبيد بقائه في الحكم، ريثما تتاح له فرصة زفها إلى شعبه الحبيب، إذ الشعب هو الأولى، قبل الغرباء، بمعرفة ما يراود رئيسه من أحلام.
ولم يترك السيسي لمن لا يزالون غير مقتنعين بعد بأنه «الرئيس الضرورة» أي مجال لعدم الفهم، كما لم يترك لمن شغفهم حبا، وخصوصا أولئك الذين يكابدون لوعة العشق والغرام سهادا تلفزيونيا مضنيا، أي مجال للتأوّل بأن الاستشهاد بطول مدة حكم محمد علي إنما كان لتقريب الفكرة المتعلقة بطول عملية البناء الوطني ومشقتها، ولا تتعلق البتة بنواياه الشخصية، حيث قال للمصريين: «أنتم تظنون أني سأتركها؟! لا والله! أنا سأبقى أبني مصر حتى تنتهي حياتي أو مدتي». أما عن «مدتي» (هل هي المدة الدستورية أو مدة الحياة؟)، فيمكن تلمّس معناها في ضوء: «لسه بدري أوي علشان تبتدوا الممارسات الديمقراطية بالمعنى المفتوح».
سأله الصحافيان الفرنسيان: «هل وقعتم تحت تأثير نشوة السلطة؟»، فأجاب: «يقال إن السلطة تفعل فعل المخدر في صاحبها، بيد أنه لا تأثير لها علي». قالا له إن السلطة كثيرا ما تعود على صاحبها بالثروة، فأجاب: «المال ذو أهمية بالنسبة إلى كثير من الناس، ورغم ذلك فلا أهمية له بالنسبة إلي. ولكن إذا أعطيتموني مبلغ مليار دولار، فسآخذه على الفور لكي أعطيه للمصريين!»
إنها مسألة أسلوب. ولا شك في أن هذا تنويع أسلوبي على مقام: «أبيع نفسي لو ينفع!» ، أسلوب متناسب مع الشخصية، وأداء إعلامي ـ خطابي متناسب مع الكفاءة السياسية.
وعندما سأله الصحافيان إن كان «تديّنه» يساعده في ممارسة الحكم، أجاب تقريبا بنفس ما قاله في خطاب الأربعاء: (باستثناء عبارة «انتو فاكرين الحكاية ايه»): أي أنه مسؤول أمام الله، ويأمل أن يقف بين يديه يوم القيامة قائلا: «أنا خليت بالي» من 90 مليون بشر. ويبدو فعلا أن هذا ما يعتقده الرجل جازم الاعتقاد: أنه أنقذ المصريين وأنه لم يدخر ولن يدخر، ما امتد به العمر، جهدا في رعايتهم والسهر على شؤونهم.
صحيح أن روح النكتة المصرية سرعان ما استثمرت كلام السيسي سخرية وفكاهة على شبكات التواصل الاجتماعي. إلا أن الرئيس المصري قد أثار، ربما من حيث لا يقصد، قضية جادة قد تكون هي أخطر القضايا التي تواجه المجتمعات العربية، خصوصا في مصر ولبنان والأردن والمغرب العربي. القضية هي أننا عدنا، مثل سيزيف، ندحرج الصخرة ذاتها – صخرة المشكلات الأصلية لدولة الاستقلال الأولى: أي تفشي الجوع والفقر والمرض والأمية (مع زيادة عشرات الملايين من السكان في الأثناء). القضية هي أننا عدنا، بعد أكثر من نصف قرن، إلى السنة الصفر من التنمية.
٭ كاتب تونسي
مالك التريكي