انسحاب لبناني من برنامج تلفزيوني سوري وشهود الزور يدلون بشهادتهم

حجم الخط
1

■ كان الصحافي اللبناني حازم الأمين محقاً في احتجاجه على إحدى حلقات برنامج «هنا سوريا» على قناة «الأورينت» خصصت في جزء منها لمناقشة الاعتداءات التي ارتكبت أخيراً بحق اللاجئين السوريين في لبنان. يبدو أن الأمين، وهو أحد أبرز الكتاب اللبنانيين المنحازين بشدة للثورة السورية، فوجئ بكمّ الخطاب الطائفي في تقديم مذيعة البرنامج، كما في تقرير المقدمة.
لم يكتف البرنامج في لغته باتهام الشيعة عموماً بارتكاب تلك الاعتداءات، بل وراح يحرّض بشكل صريح سنّة لبنان بأن يفعلوا شيئاً في مواجهة تلك الاعتداءات. راح البرنامج يتساءل إن كانت «سياسة النأي بالنفس انتقلت إلى سنّة لبنان»، و»أين الزعامات السنية، أين سعد الحريري، والمليار دولار التي تلقاها من السعودية».
لم تكن تلك الأسئلة مجرد زلّات لسان، فلقد تكررت أكثر من مرة، سواء على لسان المذيعة، أو في التقرير التحريضيّ «إذا كان الضحايا هم من السنّة، فأين هم سنّة لبنان من الدفاع عن ضيوفهم وأبناء طائفتهم؟». كذلك كان مؤسفاً أن تسوق مذيعة البرنامج كلاماً لإعلامية لبنانية وكأنه يعبر عن كل «بنات بلدها» حين قالت «على خطى سابقاتها من بنات بلدها، دعت الإعلامية اللبنانية نضال الأحمدية إلى طرد اللاجئين السوريين من لبنان».
لا يحتاج الأمر لكثير من البحث لملاحظة أن أكثر من نصف اللبنانيين، أولئك المنتمين إلى قوى 14 آذار على الأقل، هم من أنصار الثورة السورية، وهؤلاء ينتمون إلى مختلف الطوائف اللبنانية. لذلك لم يكن غريباً أن يأتي الاحتجاج في الحلقة أولاً من الضيف اللبناني النائب في كتلة «المستقبل» النيابية كاظم خير، حين قال «ليس الشيعة مع النظام وضد الثورة، بل هو حزب يمسك بزمام الأمور». وصولاً إلى احتجاج الأمين حين قال كلمته وانسحب من البرنامج.
حين وصل الكلام إلى حازم الأمين قال «من موقع انحيازي للثورة السورية، وإدانة مشاركة حزب الله في الحرب، أدين بنفس الحدّة ما جاء في التقرير، فأن تقولي إن الشيعة يتولّون القتال إلى جانب بشار الأسد هو أمر تحاسبين عليه في بلد فيه قانون، أنت تتهمين مجموعة كاملة، في حين أن الحزب هو من يقف إلى جانب النظام، هذا الكلام هو ما يريده بشار الأسد».
قال الأمين كلماته، طالب البرنامج والمحطة بالاعتذار، وأقفل الخط وانسحب، فيما المذيعة تؤكد أن العالم بات هكذا، وأن الصراع بات سنياً شيعياً! ثم تولى ضيف الاستوديو الصحافي محمد منصور/ رئيس تحرير موقع «الأورينت نيوز»، دفّة الدفاع عن البرنامج. الكلمات المفككة التي ألقاها منصور هنا وهناك تثير الحزن على هزال هذا الخطاب الإعلامي المعارض، كلمات لا تستلزم مزيداً من التدقيق، إنها كلمات الشارع المنفعل، عبارات من قبيل «وهل هناك مقاتلون غير شيعة في «حزب الله»؟»، و»ألم يذهب «حزب الله» إلى سوريا لحماية المراقد الدينية الشيعية؟»، و»هل على المحطة الاعتذار في وقت لا يعتذر حسن نصرالله عن قتاله في سوريا؟». أقل ما هنالك لا يجب أن تقال هذه الكلمات في وجه ضيوف، كحازم الأمين، لهم هذا الباع في مواجهة سياسة «حزب الله»، والنظام السوري.
ليس مقبولاً من خطاب «هنا سوريا» الإعلامي أن يتماهى مع لغة الشارع العفوية التي يمكن التسامح معها أحياناً كردّة فعل. إعلام الثورة ينبغي أن يكون صورة بديلة واعدة بحق، ليس أي كلام.

صورة بسام كوسا المزعومة

بسام كوسا، أحد أبرز النجوم السوريين، كان صدمة، من بين صدمات كثيرة، مني بها السوريون. السبب هو صورته الموهومة المزروعة في مخيلة الكثيرين، فهو كممثل يتمتع بحضور رزين، وفي الأساس ظهوره مدروس ومتقن، ويختار أدواره بعناية، ثم إنه ظهر في أدوار تلفزيونية عديدة وهو يرتدي سيماء الجدية والبطل المهموم، كل ذلك أثر في صناعة صورة خاصة له عند الناس. أما صورته كـ «معارض» فلا أحد يعرف بالضبط سرّ هذا الوهم الكبير الذي سرعان ما بددته الثورة السورية، كما بدده بنفسه أخيراً في مقابلة إذاعية.
كوسا قال لإذاعة «المدينة أف أم» السورية الخاصة إن «ما حصل أن هناك من سُمّي معارضة وهو يطالب بتدخل عسكريّ في بلده بهدف تدميره ويصرّ على الخراب وقتل الأبرياء، وهذا عدوّ حقيقي. ولكن السوريين مستمرون وصامدون لأن لديهم وطنٌ عليهم أن يدافعوا عنه». يمكن القول إن أشهر الثورة الأولى لم يشهد أي ذكر للسلاح، ولم يرفع سلاح بوجه النظام، فلماذا لم يسمع صوت للفنان أثناء ذلك؟
ينضم كوسا إلى أصوات المؤمنين بالمؤامرة الكونية على سوريا لوقوفها مع المقاومة على حد قوله. ليضيف أن فلسطين هي البوصلة. قل كلاماً غير هذا يا رجل، انظر للظلم الذي حولك، الذبح اليومي، القصف على الأحياء الدمشقية المجاورة حيث تعيش، الكيماوي، تعامل قوات النظام على الحواجز، أنباء المعتقلات، وقل لي أي علاقة لذلك بـ «البوصلة». لستَ ساذجاً، ولا مغرراً بك، كل هذا الدم ولم تصحُ بعد؟

جمهور متطرف؟!

في فيديو إطلاق سراح الجنود الأمميين في الجولان السوري، أمضى شيخ وقتاً طويلاً يشرح مبررات إطلاق سراحهم، ملخصاً السبب الرئيسيّ بأن مقاتلاً سورياً من بينهم أعطاههم الأمان، وبالتالي لا بدّ لهم من الالتزام بذلك. غريب أن يحتاج هذا الأمر (إعطاء الأمان) إلى كل هذا الوقت من أجل إقناعنا كمشاهدين، إلى حد أن الشيخ يجد نفسه مضطراً للعودة إلى التاريخ وسوابقه كي يبرر، وهو يتوقف طويلاً عند سابقة لأبي مصعب الزرقاوي حين أفتى بأنه ما دمنا أعطينا أعداءنا الأمان فيجب الالتزام بذلك، لكن الشيخ لا يكلف نفسه إطلاقاً إعطاءنا مبرراً واحداً لاختطاف الجنود الأممين.
يحسب صنّاع هذا الفيديو أن المتلقّين هم حتماً من جمهورهم وحاضنتهم التي تصفق لهم، وهم ينطلقون في خطابهم من موقع من يريد أن يفسر لجمهوره المتشدد لماذا جرى هذا التنازل الذي أدى إلى خيبة أمل الجمهور. إنه وهم كبير بالطبع، ليس أقل من وهم أن هؤلاء يعيشون زمن الخلافة والفتوحات.

عباس النوري و«باب الحارة»

الفنان عباس النوري ما زال معلقاً إلى «باب الحارة»، الرجل الذي أقصي عن دوره في المسلسل لخلاف مع المخرج، فاخترع له حكاية وسياقاً درامياً واهياً يفسر تغييبه، ثم أعاده بقدرة قادر إلى المسلسل بحجة درامية واهية أخرى، يصرّ على الدفاع عن كل أخطاء المسلسل وفضائحه تحت ذريعة أنه ليس وثيقة تاريخية. النوري بالذات أكثر من يعرف انحطاط المسلسل فهو أحد أبرز ضحاياه، وبالتالي لا أحد يحتاج إلى إقناعه، لكن النجم يريد أن يبقى بأي ثمن كان في واجهة المشهد التلفزيوني ما دام المسلسل قادراً على تأمين نجومية لا يستطيعها غيره. فهل يدفعك ذلك لأن تكون شاهد زور إلى هذا الحد؟ على الأقل اعمل حسابك لأن يعود المسلسل ليلفظك مجدداً، اترك حجة للقول حينذاك.
لا تبتعد شهادة النوري في المسلسل عن شهادته وآرائه بالنظام السوري وهو يقف إلى جانبه بكل قوته، وإن اخترع لنفسه مبررات يهدئ بها وجدانه. شيئاً من الرأفة بأنفسكم، لا بالناس، يا عباس.

٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»

راشد عيسى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية