انعدام التسوية كتهديد وجودي

حجم الخط
0

ان المحاولة المنظمة لاسكات منظمات حقوق الانسان في إسرائيل خطيرة على الديمقراطية ويجب مكافحتها. ولكن محظور ان ينسينا البحث في منظمات حقوق الانسان، مهما كان هاما، البحث الذي لا يجري هنا ـ في الصيغة السياسية التي ستحقق تسوية بيننا وبين الفلسطينيين. وذلك لانه حتى لو كفت إسرائيل عن مصادرة الاراضي والاعتقالات العابثة واستخدام القوة المبالغ فيها، فان المشكلة السياسية لن تختفي، وفي ظل عدم وجود حل للمشكلة السياسية، ستعود الينا، زحفا أو ركضا، اعمال القمع وحرمان الحقوق.
ان خرق حقوق الانسان في المناطق ليس المرض، بل اعراض المرض. فعندما يكون الجسد مريضا، فان اقوى مخففات الالام لا تكون لها قيمة. ولكن المرض، الذي يتمثل بالسيطرة على الشعب الفلسطيني تحت عنوان انعدام المفر أو انعدام الشريك، لا يحله ابتلاع مخففات الالام. غير أن المرض يعرض في دولة إسرائيل وكأنه مرض لا علاج له. لا يهم ما نفعل، تقول آلة الدعاية الفلسطينية، فان الفلسطينيين يريدون ان يقتلونا. بتعبير آخر، تمثل الحكومة خطا يقول انه ليس للمرض حل وعليه فان معالجة الاعراض (الإرهاب) هي الطريق الوحيد. ولا يمكن للرد على سياسة التنكر هذه أن يركز على طرق المعالجة (هل الاحتلال الإسرائيلي «متنور» بما يكفي). ينبغي له ان يتناول جذور المعضلة، سياسة الرفض الإسرائيلية وبالتالي فان اقترح عدة نقاط للبحث.
1. الفكر الذي يمثله رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هو انه لا يوجد اي شيء ملح. فنحن يمكننا أن نمتنع عن اي خطوات سياسية، لان الطرف الاخر «غير ناضج»، غير «سويسري» بما يكفي. ويمكن ان ننتظر إلى أن ينضج الطرف الاخر. يتجاهل هذا الادعاء حقيقة أن الواقع على الارض لا يبقى جامدا. ليس صحيحا أن ليس لحكومة إسرائيل سياسة. فلديها سياسة اخضاع اعتبارات الامن (التي تعد التسوية السياسية جزءا منها) لـ «مشروع الاستيطان». وتؤدي هذه السياسة عمليا إلى وضع يكون فيه الحل السياسي الوحيد هو دولة ثنائية القومية أو نظام ابرتهايد، تعيش فيه الواحدة إلى جانب الاخرى مجموعة سكانية ذات حقوق ومجموعة سكانية اخرى عديمة الحقوق. والخياران مصيبة، سياسية واجتماعية. فضلا عن ذلك، لإسرائيل توجد نافذة فرص تتمثل باستعداد اقليمي لخلق تحالف ضد الإسلام المتطرف. وثمن الانضمام إلى مثل هذا التحالف، وليس فقط في شكل التعاون الامني، القائم عمليا، بل في منح شرعية جارفة لإسرائيل، هو حل المشكلة الفلسطينية. ونافذة الفرص هذه ستغلق في هذه المرحلة او تلك، لانه ستتوفر سبل لتدبر الحال بدوننا. بتعبير آخر، الامر ملح.
2. فكرة أن الطرف الفلسطيني معني بخرابنا وفقط بخرابنا تتجاهل آليات العلاقات مع الفلسطينيين. ولما كانت إسرائيل تعرض موقفا قاطعا لرفض التسوية، فان الرد الفلسطيني، على الاقل في مستوى الرأي العام الفلسطيني هو التطرف المانع للتسوية. هذا ادعاء كاذب. فالسلطة الفلسطينية (التي يجري نتنياهو لها عملية تشويه سمعة مقصود) ترفض، لاسبابها، الحل المتطرف (الإرهاب، الحرب الشاملة). وهي تتعاون مع إسرائيل وتتبنى التسوية السياسية. صحيح أن هذا الموقف ليس شعبيا في الوضعية التي تعمق فيها إسرائيل الاحتلال، لكن التسويات توقع بين النخب السياسية وليس بين الشعوب. ومع ان السلطة الفلسطينية لا تمثل إلا جزءا من النخبة الفلسطينية، إلا انها تحظى باعتراف دولي بصفتها الجهة التي لها الشرعية في الوصول إلى اتفاق باسم الفلسطينيين.
فهل معقول أن بعد يوم من التوقيع على اتفاق، ستصعد إلى السلطة قوى الإسلام المتطرف؟ حتى لو تجاهلنا امكانية أن تخف حدة تطرف الجمهور الفلسطيني، فان الجواب سلبي. فالدولة الفلسطينية لن تعيش في فراغ ولن تتمتع باستقلالية تامة عن محيطها. ثمة قوى كثيرة (وعلى رأسها إسرائيل) ستمنع مثل هذا التطور. لماذا حصل هذا في غزة؟ لان صعود حماس خدم في حينه غير قليل من الجهات في المنطقة. هذا ليس الوضع اليوم.
3. الاحتلال ليس فقط السيطرة على الارض. فهو السيطرة على الناس. فقد ضمت إسرائيل الارض، ولكنها لم تضم الناس. الفلسطينيون الذين يعيشون في المنطقة لا ينالون حقوق المواطن بل ومحرومون بقدر كبير من الحقوق الانسانية الاساسية ايضا. وهذه ليست مجرد مشكلة في الصورة، بل مشكلة اخلاقية حقيقية، لن يحلها جعل هذه السيطرة «متنورة» اكثر. فالحرمان من الحقوق والتنور لا يسيران معا. ان العداء الذي يثيره هذا الحرمان من الحقوق حتى في اوساط اصدقائنا سيترجم، آجلا أم عاجلا، إلى أفعال. واستمراره يسقط القيم الاساس في المجتمع الإسرائيلي.

يديعوت 27/1/2016

أفيعاد كلاينبرغ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية