إسطنبول ـ «القدس العربي»: في خطوة استباقيه، خصصت الحكومة التركية، قبل أسابيع، ميزانية غير مسبوقة لوزرة الدفاع والأمن العام ضمن ميزانية العام الجاري، وذلك بعد أن فرضت حزمة جديدة من الضرائب على المواطنين في مسعى لتغطية عمليات عسكرية كانت متوقعة منذ فترة، وبدأت فعلياً، السبت، في مدينة عفرين السورية.
وعلى ما يبدو، حاولت الحكومة التركية من هذه الخطوات التقليل من الآثار الاقتصادية السلبية للعملية العسكرية الجديدة على الاقتصاد التركي الذي عانى في السنوات الأخيرة من سلسلة طويلة من الأزمات الداخلية والخارجية المتلاحقة والتي تسببت في متاعب كبيرة له.
وبينما لم تجد الحكومة بديلاً عن استباق الأزمة بفرض ضرائب جديدة على المواطنين، تخشى شريحة واسعة من الشعب التركي أن تكون الحكومة أمام جولة جديدة من الضرائب أو أن يؤدي رفع ميزانية الجيش والدفاع إلى إبطاء حركة التنمية والتطوير في البلاد.
وتسببت الأزمات المتلاحقة التي مرت بها البلاد في السنوات الأخيرة، بضغوط كبيرة على الخزينة التركية، حيث واجه الاقتصاد التركي منذ بداية الأزمة السورية وصول ملايين اللاجئين العرب وزيادة الهجمات الإرهابية التي وجهت ضربة كبير للسياحة في البلاد بالتزامن مع تصعيد الحرب ضد تنظيم العمال الكردستاني داخل البلاد، وتكثيف الهجمات الجوية وبدء عمليات برية ضد مواقعه في شمالي العراق، ولاحقاَ بدء الجيش التركي عملية عسكرية «درع الفرات» ضد تنظيم الدولة في جرابلس والباب بسوريا، كل ذلك يضاف إليه المتاعب غير المسبوقة التي جلبتها محاولة الانقلاب التي جرت في الخامس عشر من يوليو/تموز 2016 للاقتصاد التركية، وأخيراً بدء عملية «غصن الزيتون» ضد الوحدات الكردية في عفرين.
وبالتزامن مع ذلك تصاعدت الأزمات الدبلوماسية مع العديد من الدول حول العالم، لا سيما مع الاتحاد الأوروبي وهو ما نعكس أيضاً بالسلب على الاقتصاد التركي، إلى جانب أزمة استفتاء إقليم شمال العراق التي أضرت كثيراً بالاقتصاد التركي، في حين يبقى الاقتصاد التركي ينتظر ما ستؤول إليه المحاكمة المتواصلة لرجال أعمال أتراك في واشنطن والتي ترى فيها تركيا مؤامرة كبرى عليها سياسياً واقتصادياً يمكن أن تكلفها مليارات الدولارات.
وعلى الرغم من كل ذلك، بات الاقتصاد التركي يعرف بقدرته على تلقي الصدمات ومواجهة الأزمات التي تمر بها البلاد، حيث حقق أرقاماً لافتة مقابل أرقام أخرى «مُقلقة»، فبينما حقق أرقاماً عالمية للنمو العام الماضي، وأرقاماً قياسية للصادرات، إلا أن تواصل التذبذب في أسعار صرف العملة التركية مقابل الدولار والارتفاع الكبير في نسب التضخم ألقى بظلاله السلبية على النظرة العامة للاقتصاد.
وبزيادة بلغت 31٪ عن 2017، زادت الحكومة التركية من ميزانية مصاريف الدفاع والأمن للعام الجاري، وحسب الميزانية المخصصة لعام 2018، شهدت ميزانية قوات الدرك (الجندرمة) التركية (تتبع لوزارة الداخلية)، زيادة بنسبة 42 بالمئة ثم وزارة الدفاع 41٪، بينما بلغت ميزانية الدفاع والأمن التركية للعام المقبل 84.6 مليار ليرة تركية (نحو 23 مليار دولار). وستصرف 40.4 مليار ليرة (نحو 9 مليارات دولار) لوزارة الدفاع و27.8 مليار ليرة (نحو 7.5 مليار دولار) لمديرية الأمن، 13.3 مليار ليرة (نحن 3.5 مليار دولار) لقيادة الدرك (الجندرمة) و 2.3 (نحو 627 مليون دولار) لجهاز الاستخبارات التركية.
ومع بداية العام الجديد، أعلنت الحكومة التركية فرض إجراءات ضريبية جديدة من المقرر أن تضيف قرابة 8 مليارات دولار إلى إيرادات الدولة، وسط تأكيدات بأن هذا المبلغ سوف يخصص للجيش التركي عبر بوابة تعزيز الصناعات الدفاعية المحلية.
وقال وزير المالية التركي ناجي إقبال إن إجراءات ضريبية جديدة في إطار برنامج اقتصادي مدته ثلاث سنوات سيضيف ما بين 27 مليارا إلى 28 مليار ليرة (7.5 ـ 7.8 مليار دولار) إلى إيرادات الميزانية العام المقبل، مضيفاً: «الإجراءات الضريبية الجديدة تهدف إلى اتخاذ موقف قوي ضد المخاطر السياسية والاقتصادية».
واضطرت تركيا خلال السنوات الأخيرة إلى دعم مجال الصناعات الدفاعية المحلية بشكل غير مسبوق، وذلك في إطار رؤية أردوغان لتعزيز هذا القطاع، ولكن الأهم كان محاولة لتدارك احتياجات المتزايدة للأسلحة والأنظمة الدفاعية في ظل الأزمات مع الغرب التي أدت إلى عرقلة شراء تركيا الكثير من الأسلحة من الخارج.
وسلمت تركيا الدفعة الأولى من قيمة صفقة شراء منظومة إس 400 الدفاعية من روسيا والتي ستكلف ما بين 2 إلى 3 مليار دولار على أقل تقدير، وترى فيها تركيا حاجة ملحة لتعزيز القدرات الإستراتيجية للجيش وتعزيز القوة الدفاعية للدولة، ووقعت اتفاقية أخرى مع شركات فرنسية وألمانية لبناء منظومة دفاعية جديدة بقيمة يمكن أن تصل إلى 5 مليارات دولار، فيما جرى تخصيص 5 مليارات أخرى لهيئة الصناعات الدفاعية المحلية، وهي مبالغ يخشى المواطنون الأتراك أن تسعى الدولة لتعويضها من خلال فرض مزيد من الضرائب عليهم خلال الفترة المقبلة.