لندن ـ «القدس العربي»: ظهر الانقسام بكل وضوح وجلاء في طريقة تعاطي الإعلام العربي خلال الأسبوع الماضي مع فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التركية، فيما بدا أن وسائل الإعلام العربية كافة تقريباً تتخذ موقفاً إما مؤيداً للرئيس رجب طيب أردوغان وبقائه في الحكم، أو معارضاً له وتتمنى رحيله.
واحتفت العديد من وسائل الإعلام العربية بفوز أردوغان، فيما بدت وسائل إعلام أخرى غاضبة من فوزه، بينما تعمدت بعض الصحف ومحطات التلفزيون تجاهل الخبر رغم أهميته، في الوقت الذي بدا واضحاً أن سياسات كل دولة انعكست على وسائل إعلامها في التعاطي مع المشهد السياسي التركي.
ولفتت قناة «سكاي نيوز عربية» التي تبث من أبوظبي الأنظار عندما عنونت على شاشتها يوم فوز أردوغان بالانتخابات بالقول: «تركيا.. ديمقراطية الديكتاتور» حيث وصفت الرئيس التركي بكل وضوح على انه «ديكتاتور». كما أعطت شاشة القناة مساحة واسعة لتغطية الاحتجاجات التي شهدتها «ديار بكر» والاشتباكات بين محتجين أكراد والشرطة التركية.
كما انشغلت القناة التي تبث من الإمارات طوال يوم الانتخابات واليومين التاليين له باستضافة العديد من المعارضين لتركيا، والذين حاولوا التقليل من أهمية فوز حزب العدالة والتنمية الإسلامي في الانتخابات، أو حاولوا تسليط الأضواء على الأزمات التي تمر بها تركيا.
وبينما تصدر خبر انتصار أردوغان على خصومه في المعركة الانتخابية وسائل الإعلام العربية والغربية طوال يوم الاثنين الماضي، واليومين التاليين له، فان الخبر غاب عن الصفحات الأولى لكافة الصحف الصادرة في الإمارات، وجميعها صحف حكومية، فيما تشابهت التغطية بينها جميعاً إلى حد كبير، حيث ورد الخبر في الصفحات الداخلية للجرائد، وكان التركيز فيه على الاحتجاجات التي شهدتها «ديار بكر» في الوقت الذي غابت فيه الإشارة تماماً للاحتفالات التي شهدتها العديد من المدن والشوارع التركية من قبل مئات الآلاف من مؤيدي حزب العدالة والتنمية.
كل العالم راقب الانتخابات
وقال صحافي عربي يقيم في اسطنبول لــ«القدس العربي» إن ممثلين عن كافة وسائل الإعلام في العالم هبطوا على المدينة قبل أيام من الانتخابات، وأجروا تغطيات موسعة لانتخابات لا يختلف اثنان على أنها مهمة، مشيراً إلى أن «صحافيين من اليابان وكوريا والولايات المتحدة وأقصى بقاع الأرض قاموا بتغطية الحدث في تركيا».
ويلفت الصحافي الذي طلب من «القدس العربي» عدم نشر اسمه إلى أن أهمية هذه الانتخابات يأتي من كونها جاءت في أعقاب أزمة سياسية طاحنة عصفت في البلاد، حيث تعرقل تشكيل الحكومة، وتعطلت الحياة السياسية في البلاد، والكثير من شؤون العامة، فضلاً عن أنها كانت تمثل مغامرة كبيرة جداً بالنسبة لأردوغان وحزبه، إذ أنهم في الانتخابات السابقة كانوا قد سجلوا تراجعاً كبيراً، وهو ما يعني أن عودتهم إلى صناديق الاقتراع كانت تعني أنهم إما أن يخسروا مستقبلهم السياسي أو يسيطروا على الحياة السياسية بالكامل.
وبحسب الصحافي الذي يقيم في اسطنبول ويعتبر خبيراً في الشأن التركي فان «أردوغان كان يرغب بالاحتكام مجدداً إلى صناديق الاقتراع حتى لا يُمضي سنواته المقبلة على كرسي الرئاسة في تركيا بفوز باهت وعدد قليل من أصوات الناخبين، ولذلك كانت عودته لصناديق الاقتراع لصالحه، وحقق فيها فوزاً أفضل من السابق».
وبينما بدت بعض وسائل الإعلام العربية متحاملة على الرئيس أردوغان وحزبه، فان وسائل إعلام ومحطات تلفزيونية أخرى انفرجت أساريرها بنبأ فوز أردوغان، حيث احتفت العديد من الصحف بالخبر، وخاصة في الأردن والمغرب العربي، فيما بدا واضحا أن الإعلام المساند لثورة الشعب السوري يؤيد فوز أردوغان في الانتخابات.
ابتهاج فلسطيني
كما ابتهجت وسائل الإعلام الفلسطينية أيضاً بفوز أردوغان، وكتبت جريدة «فلسطين» الصادرة في غزة على صفحتها الأولى: (فوز كاسح لحزب العدالة والتنمية في انتخابات تركيا.. هنية ومشعل يهنئان أردوغان، والفصائل تعتبره انتصاراً لفلسطين). أما جريدة «الأيام» الصادرة في رام الله فكتبت على صفحتها الأولى: «تركيا.. حزب أردوغان يحقق فوزاً كبيراً في الانتخابات التشريعية».
وعلى شبكات التواصل الاجتماعي استحوذ خبر فوز أردوغان في الانتخابات على اهتمام كبير، حيث تصدرت الوسوم التركية قائمة الأكثر تداولاً على «تويتر» في العديد من الدول العربية، وذاع صيت الوسم: «تركيا تنتخب» و»تركيا تنتصر» و»تركيا تحتفل».
وكتب الناشط أنس مقداد في تغريدة على «تويتر» يقول: «لو لم يكن من فوز العدالة والتنمية إلا الشماتة بالصهاينة العرب واذرعتهم الإعلامية لكفى». وجاءت تغريدة مقداد رداً على الناشط الإماراتي الذي كتب يقول: «تزوير الانتخابات في تركيا أسهل من عمل القهوة التركية».
وكتب الناشط المعروف على «تويتر» أحمد بن راشد بن سعيد يقول: «يبدو أن الأدوية المهدئة نفدت الليلة في صيدليات الإمارات. شبيحة كثيرون ومتطفلون على الصحافة لم يستطيعوا النوم» فيما كتب ناشط آخر: «تركيا تنتصر للحق.. أردوغان يثبت عرشه.. العدالة والتنمية يُفرح كل أحرار الشعوب العربية والاسلامية.. اللهم لك الحمد».
أما الناشط أبوعبد الرحمن السوري فكتب قائلاً: «تركيا تنتصر ليفرح كل المظلومين والطامحين للحرية والعدالة في عالمنا الإسلامي.. هنيئاً تركيا، هنيئاً أشقاءنا الأتراك، كنتم خير سند وعون لإخوانكم».
وقال الدكتور نزار حرباوي في تغريدة على «تويتر»: «تحقيق حزب العدالة والتنمية نتيجة 50٪ أو جوارها يعني نسف جهود عالمية كبرى امتدت لعام كامل من المكر عالي المستوى». فيما كتب الإعلامي والصحافي والكاتب المصري المعروف جمال سلطان عبر حسابه على «تويتر»: «صبيحة النصر ذهب أردوغان لأداء صلاة الفجر في مسجد الصحابي أبي أيوب الأنصاري، وهو أول مسجد بناه العثمانيون بعد فتح القسطنطينية».
يشار إلى أن تركيا تثير جدلاً واسعاً في العالم العربي منذ عدة سنوات، فهي نموذج لتيار إسلامي نجح في الوصول إلى السلطة وأدار البلاد ببراعة خلال الفترة الماضية، كما أنها في أعقاب ثورات الربيع العربي مطلع العام 2011 اتخذت مواقف مؤيدة للتغيير في العالم العربي، وما زالت حتى اللحظة لا تعترف بالتغيير الذي حدث في مصر منتصف العام 2013 وتعتبر أنه «انقلاب عسكري» بينما تعتبره دول أخرى في المنطقة «ثورة»، حالها في ذلك حال ثورة يناير 2011.
كما أن تركيا قدمت ولا تزال تقدم دعماً سياسياً وعسكرياً للمعارضة السورية، وتدعم إسقاط نظام بشار الأسد في سوريا الذي تعتبره السبب وراء كل المآسي التي تمر بها البلاد والمنطقة، وهي تختلف في ذلك مع العديد من دول العالم التي تعارض إسقاط النظام السوري.