انقسام سياسي يضعف عمل حكومة الصيد في مواجهتها للإرهاب

حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: ضرب الإرهاب تونس مجددا في عملية نوعية استهدفت هذه المرة حافلة للحرس الرئاسي ما أسفر عن استشهاد 13 أمنيا وجرح 20 آخرين. ويحمل هذا الهجوم أكثر من دلالة ويؤشر على دخول الجماعات الإرهابية في مرحلة أعلى من الدقة والحرفية من أجل تحقيق غايتها القصوى، وهي ارباك الوضع الأمني والعمل على ادخال البلاد في الفوضى وتشتيت الجهد الأمني بين المدن والجبال. وجاءت العملية في وقت يطغى فيه الإنقسام داخل حزب الأغلبية على المشهد السياسي وانشغال الطبقة الحاكمة بخلافاتها وصراعاتها الداخلية على الحكم والمناصب.
ويرى الخبير الأمني والمؤرخ المختص في التاريخ العسكري الحديث لتونس فيصل الشريف في حديثه لـ «القدس العربي» ان هذه الجماعات الإرهابية لا تتحرك في ظل وجود وضع أمني مستتب ودولة قوية بل تتحرك في البلدان التي تنتشر فيها الفوضى، كليبيا والعراق وسوريا. وهذا يستوجب التنبه إلى استراتيجية هذه الجماعات اليوم في محاولاتها المتعددة لاحلال الفوضى العارمة التي تمكنها من ان تستقر شيئا فشيئا داخل المدن وان تؤسس حكما في اقليم ضيق يتوسع فيما بعد. ويضيف:»هذا هو حلم هذه الجماعات ويبدو ان استراتيجيتها المتوخاة بعد هذه العملية لا تقوم على مواجهة القوات الأمنية والعسكرية مباشرة بل هي تحاول ضرب هذه المؤسسات من خلال ما يسمى بالحلقات الضعيفة، فتم التعرض للأمنيين أثناء عودتهم من عملهم إلى منازلهم بالإضافة إلى عائلاتهم. كل ذلك يدخل ضمن نظرية ارباك وتخويف ما نسميه بدروع الدولة الوطنية وكل من يملك السلاح لحماية هذا البلد».

رسائل ودلالات

أما عن الرسائل والدلالات التي تحملها عملية محمد الخامس الأخيرة فيقول: «ان للحرس الجمهوري رمزية كبرى لأنه نخبة النخبة في الحرس الوطني.هو يحرس مقرات السفارات والشخصيات الوطنية ومقر مجلس النواب. ويبدو ان المجموعة الإرهابية التي قامت بالعملية الأخيرة في العاصمة رصدت جيدا تحركات الحافلة. ان هذه الجماعات غالبا ما تعمل في إطار مجموعة من خمسة حتى عشرين نفرا. ورغم الإنذارات التي نبهت إلى إمكانية حدوث هجوم داخل العاصمة إلا ان هذه العمليات الانتحارية لا يمكن التنبؤ بها وهذا ما رأيناه خلال أحداث فرنسا الأخيرة، إذ بالرغم مما يمتلكه هذا البلد من قدرات أمنية إلا ان ذلك لم يسعفه في توقع العملية».

الشرخ في نداء تونس

وعن تداعيات أزمة نداء تونس على الوضع الأمني قال الشريف ان الوضع السياسي المتأزم والانشغال بمهاترات لا قيمة لها من شأنها ان تفسح المجال أكثر للجماعات الإرهابية لتنفيذ مخططاتها. ويضيف: «ان الانقسام الذي أصاب حزب الأغلبية في تونس من شأنه ان يضــعـــف عمل الحكومة ويربكها وهذا بطبيعة الحال سيؤثر على طريقة مواجهتها لكافة التحديات وفي مقدمتها التحدي الأمني وخطر الإرهاب».
ودعا الخبير الأمني إلى تجاوز هذا الإنقسام والمهاترات السياسية التي يمكن حلها في أقرب الأوقات من خلال الاجتماع على طاولة المفاوضات. ويتابع:»ومن المهم هنا ان يحسم الرئيس الشرفي لهذا الحزب وهو رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي هذه التفرقة لان هناك حربا قائمة وهناك قضايا أعم وأشمل تواجه تونس وهي الحرب الاقتصادية والاجتماعية. فما حصل في عملية محمد الخامس هو ضربة قاصمة للسياحة وهذا يدعو للتنبه لكي لا ندخل في حالة أو سيناريو شبيه بالسيناريو اليوناني. وبالتالي يجب ترك الخلافات السياسية جانبا وان نهتم بتوفر الأمن للسكان ومن ثم نلتفت إلى المشاكل الاقتصادية والاجتماعية ونعجل بمعالجتها».

سياسة وقائية

وعن مواجهة الإرهاب قال الخبير الأمني :»المطلوب هو وحدة وطنية وترك الخلافات السياسية لأن هدف هذه الجماعات الأسمى هو ضرب الوحدة الأمنية والشعب، فهم يريدون ايقاع الفتنة والتجزئة بين الشعب والأمن في إطار طريقة دعائية لجلب المدنيين إلى ما يعتبرونه مشروع اللا دولة واللا الوطن، لانهم لا يؤمنون بالمسار الديمقراطي الذي ذهبت إليه تونس التي باتت تحمل رمزية كبرى في العالم العربي باعتبارها البلد الوحيد الذي بدأ يأخذ منحى ديمقراطيا فعليا رغم النقائص العديدة.
وأضاف الشريف: «يجب على الحكومة ان تمتلك سياسة وقائية وردعية واضحة إذ لا معنى لكلمة توبة لان التجربة اثبتت ان الإرهابيين الذين جرى إطلاق سراحهم في سنة 2011 وكانوا مسؤولين عن عملية سليمان عادوا وقاموا بعلميات إرهابية بعد الثورة. اذن يجب ان تكون المقاربة غير عاطفية وتتأسس على تفعيل قانون الإرهاب الذي تم سنه أخيرا».

حكومة هشة

لقد ألقت أزمة نداء تونس بثقلها على عمل الحكومة وأربكته، إذ ان الحكومة، وبحسب الخبير الأمني التونسي، ليست بمعزل عن هذه التجاذبات السياسية. وفي هذا السياق يدعو فيصل الشريف إلى ضرورة ان ينتبه أفراد هذا الحزب إلى ذلك لان التقسيم والتفكيك والبحث عن الشتات داخل تونس لا يخدم في النهاية سوى اعداء البلاد من الجماعات التكفيرية وغيرها. وأشار إلى ان موقف الاتحاد العام التونسي للشغل بتجميد الاضراب الذي كان مقررا في القطاع الخاص كان صائبا لان لتونس هدف اسمى هو محاربة الإرهاب وأيضا خلق مشاريع اقتصادية واجتماعية عالية لكي نرفع التحديات ونحارب هذه الآفة ليس فقط على مستوى وطني وإنما على المستوى الإقليمي.
فالحرب على الإرهاب لم تعد محلية، بحسب محدثنا، بل باتت حربا اقليمية وعالمية لأن تونس اليوم ليست بمعزل عما يحصل في الجوار الليبي. فالمعلوم ان الحرب على الإرهابيين قائمة في الجبال وعلى الحدود، ومعلوم ان لتونس حدودا ممتدة مع ليبيا والجزائر.
ويرى الشريف في ختام حديثه انه من المهم بمكان ايجاد حل سياسي للأزمة الليبية لان الحلول العسكرية لا تفيد ويجب ان تدخل الأمم المتحدة بورقة عمل واضحة وبدون تواريخ مفتوحة وان يتم انشاء جيش وطني ليبي وأن يتم تمكين الدولة الليبية من ذراع عسكري أمني يساهم في استتباب الأمن وحل الميليشيات التي تقوض الأمن ليس في ليبيا فحسب بل في مختلف بلدان المغرب العربي. ويمكن لتونس ان تكون فاعلة في هذا الحوار بحسب الخبير فيصل الشريف.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية