«انقلاب أردوغان» ـ قراءة في الإعلام الألماني

حجم الخط
3

دأب الإعلام الألماني، على اختلاف توجهاته السياسية والإيديولوجية، على الدفاع بكل قوة عن احترام حقوق الإنسان، والديمقراطية، والحرية، وسيادة دولة القانون، وما شابه ذلك من القيم والمبادئ السامية التي يرتكز عليها الدستور الألماني، وبُنيت على أركانها الجمهوريةُ الفيديرالية بعد الحرب العالمية الثانية.
إلا أنّ اللافت للنظر، هو ألاّ تحظى قضايا المسلمين في العالم، شرقاً وغرباً، ابتداءً من القضية الفلسطينية، مروراً بما يسمى بالحرب على الإرهاب، وانتهاءً بإجهاض الربيع العربي، بذلك الاهتمام الذي يوليه الإعلامُ الألماني غيرَها، وألا تُعالَجَ بنفس القدر من الإنصاف، والموضوعية، والجرأة على تسمية الأسماء بمسمياتها، كما هو الشأن مع باقي المواضيع الأخرى.
كان آخر هذه القضايا التي تعامل معها الإعلام الألماني بشطط كبير مبالغ فيه، هو محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في تركيا، لإسقاط حكومة منتخبة في ظل نظام ديمقراطي علماني، استطاع فيه حزب العدالة والتنمية أن ينجح أربعَ مرات متتالية في كسب رهانات انتخابات حرة نزيهة قَلّ نظيرها في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. ولم يكن من الصعب أن يتذوق المتتبع للإعلام الألماني في الأيام القليلة الماضية طعم الحسرة والأسى في جل ما قِيل وما كُتب عن أحداثِ محاولة الانقلاب وتبعاتها. وحَسْبُ القارئ أن يُلقي نظرة سريعة على عناوين الصحف والمجلات التي صدرت في الأيام الأخيرة ليستشف منها موقفها من الأحداث في تركيا، فكلها كانت تسير في اتجاه واحد، تتشابه عباراتُها إلى حد بعيد وكأنها استقيت من مَعين واحد.
صحيفة «فرانكفورتر روندشا» وكتبت في صفحتها الأولى (عدد 165 / السنة 72) بالخط العريض «انقلاب أردوغان». هذا العنوان المثير يُجْمِل موقف الإعلام كله من محاولة الانقلاب. وقد نجحت هذه الصحيفة في العدد نفسه في تلخيص الصورة التي حرص الإعلام الألماني على ترويجها على نحوٍ درامي، حاول فيها تقديم الجاني في صورة المجني عليه، في مقال بعنوان «الإسلاميون يهزمون الانقلابيين» إذ قالت: «قام الجيش بانقلاب في تركيا. في ميدان تقسيم، في قلب إسطنبول، أخذ عشرون جنديا شاباً أماكنهم حول نُصْبِ مؤسس الجمهورية، مصطفى أتاتورك، ولا يبدو عليهم أثر البطولة أو البسالة، وإنما كانوا مذعورينَ ومفزوعينَ… أمامهم مائتا رجل غاضب، كثيرون منهم كانوا ملتحين، ويصرخون: «الجنود إلى الثكنات» و«الله أكبر» ثم يهتفون باسم رجب طيب أردوغان، وعلى بعد خمسين متراً منهم تقف شرطة مكافحة الشغب دون أن تحرك ساكناً… تَصَوُّرُنا للانقلاب العسكري منافٍ لهذا تماماً… الجنود حول النصب التذكاري يَبدون الآنَ أقلّ حيلة من ذي قبل، كثيرٌ منهم ترتعد فرائصه من شدة الفزع… رجلٌ مُلْتَح ينهال بحزامه على جنودٍ جُثِياً على ركبهم ضَرباً مُبرحاً… إنها صورٌ ستظل عالقةً في الأذهان؛ فالجيش العظيم الذي كان مثلَ صخرة صلداءَ بين الأمواج، أصبحَ اليوم صاغراً مهيناً، يقهره إسلاميون ملتحون».
لم يركز الإعلام الألماني، وهو يتناول الأحداث في تركيا، على الانقلاب نفسه، ولا على خطره على دولة القانون كما يفعل عادة في أحداث مشابهة، بقدر ما ركز، هذه المرةَ، على ردة فعل الحكومة التركية، وأطنب في نقدها واستنكار ِاجراءاتها لتطهير الدولة من الضالعين في محاولة الانقلاب. واهتم بشخص أردوغان، أكثر مما اهتم بتفاصيل ما حصل؛ فكل وسائل الإعلام دون استثناء مرت على خامس انقلاب عسكري تتعرض له تركيا مر الكرام، وكأنه ليس حدثاً خطيراً جديراً بالدراسة والتحليل العميق للتأمل في ملابساته وحيثياته، ومعرفة الجهات التي تقف وراءه، وبحث الموقف المخجل للاتحاد الأوروبي في الانقلاب في ساعاته الأولى، وتسليط الضوء على أسبابِ تقاعسه وتلكئِهِ في التنديد به قبل أن يبوءَ بالفشل، بوصفهِ مدافعاً عن الديمقراطية والحرية وإرادة الشعوب، ونظرا للدور الإقليمي الكبير الذي تضطلع به تركيا في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة اليوم، أوْ على الأقل باعتبارها عضواً في حلف شمال الأطلسي.
والغريب في الأمر أن ينتقد الإعلام الألماني بشدة إجراءات الحكومة التركية لتطهير الدولة عقب محاولة الانقلاب الفاشلة، ويتناسى أن ألمانيا لا تزالُ تلاحق إلى حدّ الآن، أي حتى بعد مرور أكثرَ من سبعين عاماً على الحرب العالمية الثانية، أولئكَ الذين كانت لهم علاقة بالحزب النازي أو قاموا بدور في «الفِيرْمَاخْت»، جيش الدفاع الألماني آنذاك، ولمْ تَستثنِ حتى الأموات منهم، وكان آخر هؤلاء، هورست تابيرت، المتوفى سنة 2008، الممثل الذي ذاع صيته مُفتِّشَ شرطة يُدعى ديريك، والذي قررت القناة الألمانية الثانية (زي دي أف)، في الأيام الأخيرة، عدم إعادة بث مسلسله مرة أخرى؛ لانتمائهِ إبانَ الحرب العالمية الثانية إلى وحدات النخبة المسلحة «أسْ أسْ».
لقد اتفقت كل وسائل الإعلام الألمانية على أنَّ مَنِ انتصرَ في السادس عشر من يوليو / تموز هو أردوغان والإسلاميون، لا الديموقراطية؛ ففي مقال لها على موقعها الإلكتروني بعنوان «السمع والطاعة نتيجة الخوف» نُشر في العشرين من هذا الشهر، كتبت «دي تسايت»، أحدِ أكبر الصحف الألمانية: «لقد أشاد العالم كله بانتفاضة الشعب ضد الانقلابيين باعتبارها انتصاراً للديمقراطية، لكن أردوغان ـ لا الديمقراطية التركية ـ هو من خرج في الواقع غالباً منتصراً من محاولة الانقلاب الفاشلة».
وهناك من يذهب أبعد من هذا كله، فيحاول، عَبثاً، تسويق سيناريو مغاير تماماً للأحداث، مبني على اعتقاد واهٍ مفاده أن محاولة الانقلاب كانت مؤامرة دبرها أردوغان نفسُه، ليتخذها حجة يقضي بموجبها على أعدائه في كل مفاصل الدولة. وقد ساند هذا الاتجاهَ المستشرقُ الألماني أودو شتاينباخ، أحد أكبر العارفين بأمور المسلمين والشرق الأوسط في ألمانيا حالياً، إذْ قال في حوار له مع مجلة «فوكوس»، في السادس عشر من يوليو / تموز: «أردوغان شخص يحب اللعب بالنار، وهو مستعد للذهاب بعيداً إذا تعلق الأمر بتحقيقِ أعلى مصلحة سياسية له، ألا وهي: إقامة نظام رئاسي يتمتع فيه بالسلطة المطلقة. إنَّ الذي يؤجج حرباً بحجم الصراع الكردي من أجل توطيد أركان سلطانه داخلياً لا يستبعد أن يكونَ، من الناحية النظرية، هو من خطط لانقلاب كهذا ضد الحكومة، ليتسنى له آنئذ تقوية حجته للمطالبة بمزيد من السلطة والصلاحيات. أنا لا أريد أن أتهمه بهذا الأمر، ولكنه افتراضٌ وارد. والأيام المقبلة جديرة بإظهار صحة هذا الافتراض من عدمه». إذا كان هذا هو رأي أحد أكثر المثقفين إنصافاً للإسلام والمسلمين في ألمانيا، فَلنا أن نتصور كيفَ سيكون موقف الحاقدين والغلاة من هذا الأمر.
إن من يُطالع أدبيات الإعلام الألماني بخصوص الشأن التركي سرعان ما يكتشف الحقد الدفين الذي يكنه لأردوغان، إذ لا يخفى عن أحدٍ أن الرئيس التركي باتَ يشكل غصة في حلق معظم الساسة والإعلاميين الذين لا يفتأون يذكرونه بسوء في كل وقت وحين. وقد بلغ هذا الأمر ذروته في أواخر شهر مارس/ آذار من هذه السنة حين هجا الإعلامي الألماني الساخر يانْ بوميرمانْ الرئيس التركي في قصيدة مبتذلة رماه فيها بأقذع الكلام، كانت من البذاءة بمكان أنْ أسرعتْ القناة الألمانية الثانية (زي دي أفْ) إلى حذف تلك المادة من مواقعها، والتبرّؤِ منها، والاعتذار عما جاء فيها. ومَن قارن بين تفاعل الإعلام الألماني مع الانقلاب العسكري الذي أطاح بأول رئيس مدني منتخب في مصر، وتفاعله مع محاولة الانقلاب في تركيا، وقارن بين موقفه من الجنرال عبد الفتاح السيسي، وموقفه من الرئيس رجب طيب أردوغان، لَوجد اختلافاً كبيراً، ولَتأكَّدَ أنَّ الأمر أكبر من يكون مجرد نقد موضوعي بريء.
إن مثل هذه الرؤية إلى الأحداث في تركيا لا يمكن أن تُحمل محمل الجد أبدا؛ فهي أقرب ما تكون إلى التلفيق والبروباغاندا منها إلى الإخبار أو التحليل الصحافي الرزين.

٭ كاتب مغربي

«انقلاب أردوغان» ـ قراءة في الإعلام الألماني

عبد الكريم اهروبا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية