كان التاريخ يعيد نفسه ليل الجمعة السبت في اسطنبول،عندما قام ما يعرف بالكيان الموازي او انصار غولن (رجل الدين الذي يعيش بسلام!)في بنسلفانيا حسب تعبير الصحف الامريكية بانقلابهم الفاشل مجددين سيرة الحشاشين او الاغتياليين في تاريخ الإسلام، الذين احتفظوا بعقيدة باطنية وتظاهروا بالتدين، وشكلوا تنظيما سريا ومارسوا الاختراق الامني، وشنوا حرب اغتيالات حاولوا خلالها اغتيال صلاح الدين الايوبي في 572 هـ كما حاولوا في 1840 م القيام بانقلاب في إيران وفشلوا فقبض على قائدهم حسن شاه وتوسط له الانكليز حتى لا يعدم على أن ينقلوا خارج البلاد!
ما حدث في تركيا لم يكن مجرد انقلاب بل وبلا مبالغة كان فصلا من الحرب العالمية الاستراتيجية والامنية،التي تشنها كل من أمريكا واوربا وطهران واسرائيل على تركيا، وكل يعقوب من الأربعة لغاية في نفسه هذا اذا تجاهلنا اليعاقيب العرب!
القوة الاقليمية الوازنة التي يحكمها الإسلام السياسي الذي يعاديه هؤلاء، بمساحة لا تقل عن 800الف كم،و80 مليون نسمة،واقتصاد احتل المرتبة 17في العالم في عقد ونصف، ويترأس منظمة التعاون الإسلامي ومنظمة العشرين الممثلة لأقوى عشرين اقتصاد في العالم، وبعمق تاريخي إسلامي عريق، وبجيش هو ثاني اكبر جيش في الناتو وعاشر جيش في العالم على مستوى التجهيزات ومستقبل تستغني فيه تركيا عن الاستيراد الحربي من أمريكا والمانيا في 2023.
احتفل محور طهران مستعجلا، وتعشموا عشمهم بالجنة!، بسقوط منافستهم الاقليمية التي تقف – بعمقها (السني)العميق وقدرتها العسكرية وموقعها الجيوسياسي قريبا من آسيا الوسطى وروسيا،وعلاقاتها المميزة مع المقاومة الفلسطينية- حجر عثرة امام مشروعهم الطائفي الممتد من سوريا إلى العراق، اما اوروبا فتعيش حالة كراهية تاريخية سلفية ضد تركيا بوابة الجنوب الأوروبي، والتي لولا تعاونها لأفلتت قنبلة اللجوء السوري بكل تعقيداتها الأمنية والديموغرافية على الاتحاد ،اوروبا حسن شاه التي تبكي على الحشاشين! لا تريد تركيا عضوا في الاتحاد الأوروبي،فاذا نجح الانقلاب فهي دولة يحكمها العسكر لا يجوز ان تدخل الاتحاد!، واذا فشل واعدم الحشاشون الجدد فلا يسمح لدولة تمارس الإعدام بدخول الاتحاد!،ولم يستح الإعلام الأوروبي ان يلبس رداء القرون الوسطى ويخوف من أسلمة تركيا المسلمة حتى النخاع!
أما الأمريكيون القادة الحقيقيون للانقلاب فبصمات أصابعهم بالغة الوضوح في الانقلاب، الذي تحدثت عنه قيادات استخبارية أمريكية قبل وقوعه باشهر، (جورج حنا) الذراع الأيمن لنائب الوزير الأسبق (تشيني) مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي الأسبق بوش، كتب قبل 24 يوما من الانقلاب مقالا في مجلة الـ «فورين بوليسي» المختصة في السياسة الخارجية الامريكية، أومأ فيه إلى أن موعد الانقلاب قد حان، ومشيرا إلى الأطراف التي تعد للانقلاب)):اردوغان يعتبر مصدر خطر يهدد تركيا والشرق الاوسط والاتحاد الأوروبي وأمريكا وسيأتي يوم محاسبته عاجلا او آجلا!)،واذا كان ما نشرته الصحافية الأمريكية كارين يونغ في الـ»واشنطن بوست» وافق تصريحات لقادة في (CIA تشير إلى أن أمريكا تفضل التعامل مع أصدقائها العسكريين، فان الأكثر دلالة هو ما نقلته عن مسؤولين في البنتاغون (انهم كانوا على علم بالمحاولة الانقلابية التي تكشفت الجمعة الماضية وأنهم يعلمون ما يحدث في تركيا!).
وما أشار إليه السناتور مايكل في موقع انتربرايزر ان أمريكا مستعدة لدعم اي انقلاب في تركيا! ردد صداه الحشاشون الجدد حيث جاء في بيان الانقلابيين ((أنهم ملتزمون بتطبيق كل المعاهدات التابعة للأمم المتحدة ولحلف الناتو والتي تقع على عاتق تركيا ونحن نعلم أن اوروبا العميقة والدولة العميقة في أمريكا تحب الانقلابات كثيرا!)
ما أكد التورط الأمريكي هو ما قامت به CNNالتي أقامت (غرفة عمليات للقيادة والسيطرة على الهواء للانقلابيين!)،و استضافت في ساعات الانقلاب الأولى شخصيات استخبارية منهم الضابط السابق في) CIA) والذي خطط سابقا لعدة انقلابات (جيمس ويسلي)، والمدير السابق لـ) CIA)، (ويسلي كلارك) قائد قوات الناتو السابق في اوروبا)،حيث وجهوا ارشادات للانقلابيين حول ما يجب عليهم فعله ونصحوهم بقطع الاتصالات والهواتف والسيطرة على الاذاعة!.
أما مركز الدراسات الاستخبارية الأمريكية ستراتفور، فقد نشرمعلومات عن رحلة اردوغان من مرمريس إلى مطار اتاتورك،مدعومة باحداثيات تتبع طائرة الرئيس التركي!، بينما كانت طائرتا اف 16 تحاولان اعتراض طائرة اردوغان!،ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل ان بيان ا السفارة الامريكية في تركيا وصف الانقلاب العسكري بالانتفاضة التركية (Tirkish Uprising)!
اعترافات الانقلابيين كانت بمثابة فضيحة عالمية،حيث أشار قائد كتيبة 39 (حسن بولاط)في اعترافاته: (اجتمعنا سرا 12 مرة مع عسكريين من وزارة الدفاع الأمريكية في انجرليك وخططنا لتفجيرات في إقليم الاناضول اثناء الانقلاب!).
اما قائد منطقة هاتاي العسكرية والذي سلم نفسه للمخابرات التركية، فاعترف بأن الانقلاب كان يعد له منذ 12 اسبوعا بتوجيه من قاعدة انجرليك، وبحضور ضباط جاؤوا خصيصا من واشنطن، حيث عرض الأمريكيون تجنيد ميليشيات كردية الا أن الإيرانيين رفضوا بشدة وهددوا بالانسحاب وعدم المشاركة في الانقلاب عند نجاحه!).
الإسرائيليون ليسوا بعيدين أيضا عن التواطؤ خاصة وان قائد الانقلاب اوتزوك كان ملحقا عسكريا لتركيا في الكيان الصهيوني (1996-1998)، ومن المعروف انه غالبا ما تبقى قنوات الاتصال مفتوحة، خصوصا وان العسكر التركي كانوا الأب الحقيقي للاتفاقيات العسكرية مع العدو، وقد عبر عن التواطؤ الإسرائيلي روني دانتيئيل المعلق في قناة التلفزة الثانية الإسرائيلية: (نحن نعرف لماذا تلتزم إسرائيل الصمت!، لكن القيادة السياسية في تل أبيب تشعر بارتياح كبير لنجاح الانقلاب،على الرغم من اتفاق التطبيع الأخير، الا أنه لا يساور أحدا الشك في إسرائيل بان اردوغان اسلامي متطرف لن يتردد في المستقبل في التنغيص على إسرائيل)!
الأوروبيون والروس كانوا يعلمون أيضا عن الانقلاب، ففرنسا قامت باغلاق قنصليتها في اسطنبول قبل يومين من الانقلاب، وألغت احتفالات كانت مقررة يوم 14/7!
ويشير د (سنسر امير) المتخصص في الشؤون الدولية في جامعة (حجة تبة) في انقرة، إلى أنه كان يفترض ان يتم لقاء بين امير ومجموعة قيادات سياسية تركية مع مبعوث الرئيس الروسي الذي أتى إلى انقرة لترتيب الزيارة المرتقبة بين بوتين وأردوغان في آب/اغسطس المقبل، للعمل على تطوير وترميم العلاقات الروسية التركية، وقد غادر المبعوث الروسي ولم يأت إلى الاجتماع!، ((إنها لمفارقة أن يذهب المبعوث الروسي بعد لقائه نائب وزير الخارجية التركي مساء الخميس ويعتذر عن لقاء الجمعة الذي حدث فيه الانقلاب.. أظن انه تلقى معلومات بضرورة المغادرة).
والسؤال الأهم ما الذي دفع أمريكا وحلف الناتو والإيرانيين إلى ارتكاب هذه الحماقة الكبيرة ولماذا الآن بالذات ؟
الانقلاب كان رسالة تحذير أمريكية اوروبية لتركيا بسبب التقارب الأخير بين الروس والأتراك، فحيث صعد الأمريكيون الضغط على تركيا ودعموا طموحات الأكراد المرتبطين بالـ PKK، ما يمس بالأمن القومي التركي، طالبين من تركيا أن تسيطر على المعارضة السورية التي تقاتل ضد الأكراد و تسيطر على 65 ميلا من الحدود مع تركيا وهي المنطقة الخارجة عن سيطرة الأكراد، فرفضت الأخيرة وحاولت تخفيف الضغط، وترميم العلاقات مع الجار الروسي الذي تربطه بتركيا مصالح جيوسياسية للطرفين لا يمكن تجاهلها أبسطها ألغاز وملفات القرم وسوريا، ما ازعج الامريكيين والإيرانيين والأوربيين، من تقارب تركيا العضو في الناتو مع روسيا، والذي يشكل ارضية لتعاون استراتيجي حتمي تفرضه الجغرافيا السياسية لموسكو وانقرة،زاد هذا الانزعاج بعد تاجيل تركيا قبول طلب حلف الاطلسي نشر اسطول حربي بحري في البحر الاسود،إلى تشرين الاول/اكتوبر المقبل،ما سيؤثر في ضغوطات الناتو على روسيا في ملف القرم، وهو الأمر الذي تساوم به تركيا على الأرجح الجار الروسي على ضرورة رفع الدعم عن الأكراد في الشمال السوري، وتقليص النفوذ الإيراني وعزل بشار الأسد بطريقة يتوافق عليها الطرفان،وتضمن ابعاد الاكراد عن الحدود التركية في الشمال السوري لعل هذا ما دفع الامريكيين إلى التركيز على قاعدة انجرليك القاعدة الأقرب لوجستيا إلى العراق وسوريا من القواعد الامريكية في الخليج، حيث ان ثلث عمليات التزود بالوقود للطائرات الحربية الامريكية التي تقصف تنظيم الدولة في العراق وسوريا تجري في انجرليك، ولأن العسكر التركي تاريخيا احتفظ بموقف متشدد من القضية الكردية، فان تفاهمات أمريكا مع شريحة من العسكريين التابعين لغولن واللصيقين بمهام تتعلق بانجرليك والجنوب التركي بالقرب من الشمال السوري والتخطيط لتفجيرات في الأناضول تخول الاخيرة انجاز تفاهماتها مع الأكراد، بعيدا عن معارضة الحكومة وشريحة لا يستهان بها في الجيش،وهو ما يفسر عدم انخراط بعض العسكريين الأتراك المناوئين لأردوغان في الانقلاب الأمريكي.
كاتبة فلسطينية
غادة الشاويش