مع إطلاق «اللجنة الثورية» التابعة لجماعة «أنصار الله» (الحوثي) إعلانا دستوريا، يقضي بتشكيل مجلسين رئاسي ووطني، وحكومة انتقالية في اليمن، باتت منطقة الشرق الأوسط تقف على عتبة ترسيم النفوذ الإيراني بموافقة ورضا جميع اللاعبين الرئيسيين فيها، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وحلفاؤها من الأنظمة العربية، التي انطلت عليها أو راقت لها فزاعة الحرب على الإرهاب وآثرت توجيه فوهات بنادق وقاذفات جيوشها المجحفلة نحو الداخل، متناسية ما يتربص ببلدانها وشعوبها من مخاطر عابرة للحدود، باتت رياحها الحارقة تهب وتعصف بمقادير أربعة بلدان عربية على أقل تقدير حتى الآن، في مفاضلة غير عقلانية فتاكة ما بين مصائر أنظمة توليتارية من جهة وبين مصائر أوطان وشعوب من الجهة المقابلة.
بينما تصدرت المبادرة الخليجية لحل الأزمة في اليمن المشهد السياسي اليمني برمته عشية وبعيد سقوط نظام علي عبد الله صالح البائد، ها هي تغيب عنه طواعية وبلا إكراه، وكأن هذه الخاصرة الجيوسياسية الحيوية لا تعنيها لا من قريب ولا من بعيد في مشهد يوحي بأن جماعة الحوثي الطائفية تشكل في هذه اللحظة السياسية الحرجة حصان طروادة يراد له ومنه أن يكتسح صفوف قوى التغيير الاجتماعي السياسي، ويجهض تجربة ثورية مشرقة نسبيا ويعيد ساعة الزمن إلى الوراء ومعها لاعبون عاثوا بالبلد السعيد فسادا على رؤوس الأشهاد، كما يقال.
لا حاجة لمناقشة تفاصيل خطوة الحوثيين الجريئة هذه، التي لا تخلو من وقاحة سياسية غير مسبوقة، ولا تردد في وصفها بأنها انقلابية جاءت لترسخ خطوات واستعدادات وتداعيات انقلابية أخرى سبقتها ولا تقل عنها شأنا ولا أهمية، لكنها خطوة من الطبيعي أن تثير الكثير من المخاوف الكبرى، حين توضع في سياق جملة من الانقلابات التي شهدتها بلدان عربية نجح بعضها وكاد بعضها الآخر أن يتخطى نفق أنظمة استبدادية وحدت بين مفردات الزعيم والوطن والدولة، لا بل أعلت من شأن الأول على الثاني والثالثة، ما يحيل المسألة برمتها إلى منظومة انقلابية متكاملة، لها رأس وأطراف وذيول ولا ينقصها سوى إشهار نفسها ونشر نظامها الداخلي وإعلان خريطة تحالفاتها أمام الملأ بعد أن أمنت، ولو إلى حين، استمرار تربع نموذج الحكم الشمولي على عرش السلطة في هذه البلدان، وأوصلت الرسالة إلى ما تبقى من البلدان العربية الحالمة شعوبها بالتغيير واستنشاق هواء الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمواطنة.
لسان حال هذه المنظومة الانقلابية يقول إن عدو عدوي صديقي، ولا بأس من غض الطرف عن شبح التهديد الإيراني أو الهبوط به، هذه المرة وربما إلى أجل غير مسمى، على سلم الأوليات الوجودية الكبرى إلى الدرجة الثانية أو الثالثة أو تناسيه ووضعه في ذيل القائمة، مقابل كسر شوكة استحقاق التغيير الاجتماعي السياسي وخطره القادم من الداخل، حتى لو أحدث ذلك فجوة أمنية من العيار الثقيل، ساد اعتقاد أنها خط أحمر لا يمكن السماح بتجاوزه بأي حال من الأحوال، لكن يبدو أن سلسلة المنظومات الأمنية الجديدة في المنطقة لم تعد تقتصر على الداخل فقط، بل إنها تمتد وتتطاول لتتماهى مع منظومة إقليمية ودولية أوسع وأشمل سيكون لإيران فيها مركز الثقل إلى جانب الدولة العبرية طبعا، في ظل الاغلاق الوشيك لملفها النووي المثير للجدل، وفي ظل حالة التلهي العربية بأولويات أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها مبهمة وملتبسة ولا تستجيب لمتطلبات مرحلة تتطلب اعتماد استراتيجية التغيير من الداخل أولا وقبل كل شيء، قبل أن تحرق هذه المنظومة الأخضر واليابس في منطقـــة هشة ومكشوفة سياسيا أصلا ومفتوحة على الفراغ السياسي عند أي منعطف.
أما الطامة الكبرى في منهج التفكير السياسي العربي السائد حاليا في تعامله مع مجمل أزمات المنطقة وتداعياتها، وعلى رأسها ظاهرة التطرف والإرهاب، فيكمن في أن الإقليم يشهد بروز تحالفات عضوية تجمع بين مؤسسة الدولة، على علاتها، من جهة وبين قوى ميليشياوية خارجة عن السلطة ومتخطية لها ضمن معادلة الحكم والتحكم، أو المفاضلة بينهما، أو اعتماد كل منهما على الآخر، أو حتى الإبقاء على منظومة الحكم في طورها الصوري وإطلاق العنان لفوضى التحكم وقواه المحكومة غالبا، إن لم يكن دائما، بمرجعيات مذهبية وطائفية وجهوية لا تعبر، بأي حال من الأحوال، عن واقع وتطلعات الشعوب ومصالحها الحيوية، إن لم نقل إنها تحشرها في محابس ضيقة قاتلة وتقحمها في أتون معارك لا ناقة لها فيها ولا جمل من شأنها مفاقمة تلك الأزمات لا حلها.
لم يعد منطق الأشياء يحتمل اي نوع من المعالجات الفردية أو التعاطي بصيغة المفرد مع ما حصل في لبنان، وتمكن ميليشيا «حزب الله» من التحكم بكل صغيرة وكبيرة في بلد يعتبرعلى المستوى النمطي واحة للديمقراطية، مقارنة مع تجارب سياسية عربية أخرى، بعد أن توج هذا الحزب الطائفي نفسه ملكا يتربع على عرش السلطة في لبنان، من خلال أدوات شبه عسكرية معروفة أقلها إخضاع العاصمة بيروت وكل لبنان بقوة السلاح، وتحكمه بمعادلة تحديد خريطة أعداء لبنان وأصدقائه على المستويين الداخلي والخارجي عموما، وتفرده في تحديد طبيعة المواجهة الزئبقية مع العدو الاسرائيلي، التي باتت تشكل ورقة رابحة في ملفات إقليمية ودولية للاعب الإيراني كلمة الفصل فيها صعودا أو هبوطا.
ومن الغباء النظر بصيغة المفرد أيضا إلى إدخال الحزب نفسه على خط المواجهة بين النظام السوري وقوى المعارضة السورية المسلحة، التي تشاء المفارقة أن ينأى الحزب بنفسه عــــن تطلعات التحالف الدولي لضرب تنظيم «الـــدولة الاسلامية في العراق والشام» (داعش) ويحصر اهتماماته بجبهات القتال السورية تلك، التي تهدد النظام في عقر داره في العاصمة دمشق وأريافها وصــــولا إلى يبرود والقصير وحمص شمالا ودرعا والقنيطرة جنوبا، أو إلى سياسة تشكيل قوى شـــبه عســـكرية لا تعد ولا تحصى في عموم سوريا والعـــراق، وصولا إلى اليمن وتأهيلها للدخول في بدعة منظومة التحكم لا نظام الحكم، في حين يبدو الهدف واضحا متثلا في دمج هاتين الوسيلتين في بوتقة واحدة يصعب اختراقها.
من هنا تأتي خطورة غياب تلك المقاربات الموضوعية المتكاملة للمشهد السياسي العربي في لحظته الراهنة وتسيد المقاربات الاعلامية والسياسية، فضلا عن اضمحلال الخطاب الفكري العميق وارتهان مجموعة لا يستهان بها من الأقلام والأصوات الرنانة لمراكز صنع هذا النوع غير المسبوق، مما يمكن أن نطلق عليه مصطلح «الفوضى الخلاقة شبه الرسمية»، التي تحاكي أساليب مافيا السلاح وأصحاب النزعات النرجسية من ساسة العالم على غرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عندما أنشأ قوى ميليشياوية انفصالية في أوكرانيا، على سبيل المثال، وأدخل البلاد في أزمة داخلية طاحنة، وفي مواجهة مفتوحة مع جيرانها من الدول الغربية، وعلى غرار إنشاء ورعاية الولايات المتحدة وحلفائها للظاهرة الجهادية الأفغانية في مواجهتها مع الاتحاد السوفييتي السابق مطلع ثمانينيات القرن الماضي، التي مهدت الطريق لظهور تنظيم «القاعدة» والفكر المتطرف حول العالم، وعلى غرار انشاء وتبني ظاهرة «الكونترا» في نيكاراغوا وفي السلفادور وهندوراس في الحقبة ذاتها، وصولا إلى محاولة واشنطن الفاشلة للإطاحة بنظام فيديل كاسترو عام 1961 عندما شكلت ميليشيا كوبية مسلحة وأرسلتها إلى خليج الخنازير.
كل تلك المحاولات لإحـــداث تغيير قسري في الماضي والحاضر لن تفضي إلا إلى نتيجة واحدة فقط تكمن في الاجابة على سؤال واحد فقط هو: ألم يدرك هواة العمليات السياسية القيصرية أن مآلاتها كوارث؟
٭ كاتب فلسطيني
باسل أبو حمدة