يتصدر المشهد التركي الأحداث بامتياز، منذ يوم الجمعة الماضي، في أعقاب المحاولة الانقلابية الفاشلة.
ليس في ذلك ما يدعو للعجب فبالإضافة إلى كون الأحداث تجمع كل توابل الإثارة التي تجتذب اهتمام وسائل الإعلام من مؤامرة وضباط ودبابات في الشوارع وقتل ودم، فإن الأمر يتعلق ببلدٍ كبير ذي ثقل إقليمي فائق، إذ يقع على مفترق الطرق بين الشرق والغرب، وشكل تاريخياً خط الدفاع الأول لحلف شمال الأطلسي، حيث تمركزت صواريخ حاملة للرؤوس النووية في مواجهة الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو، ومن ثم وريثه الروسي، ناهيك عن كون قواته البرية الأكثر عدداً في الحلف بعد الولايات المتحدة.
أعتقد أن من الدقة بمكان أن نقرر أن أهمية البلد ازدادت في العقدين الماضيين، من ناحية لنموه الاقتصادي، ومن ناحيةٍ أخرى، لعلها أكثر إلحاحاً، تتعلق بدوره إبان حروب العراق وفي أعقاب الثورات العربـــــية، نظراً لما نجم عن تلك الأحداث المزلزلة من اختلال في موازين القوى وتفكك في بنى الدول ونشوب دورةٍ جديدة من أزمات اللاجئين. لقد لعبت تركيا دوراً مهماً في كل تلك الأزمات تتفاوت أهميته من مجرد الدعم اللوجستي إلى التخطيط والتدخل المباشر، وأخيراً استقبال اللاجئين السوريين والمناورة بهم في صفقاتٍ مع دول الاتحاد الأوروبي المأزومة اقتصادياً وسياسياً والمتخوفة بالتبعية.
يصعب الاختزال والتكثيف لإيفاء أهمية بلدٍ كتركيا حقه، وعلى ذلك فقد فاضت الصحف ووسائل الإعلام بالتكهنات والتحليلات والتنبؤات المتعلقة بالحدث المتطور يومياً، خاصةً مع إعلان حالة الطوارئ وتواتر الأخبار عن إلقاء القبض على المتآمرين والمنتمين لحركة فتح الله غولن، وتسريحاتٍ من الجيش وفصلٍ من القضاء والمؤسسات التعليمية بالآلاف، ولم تشذ عن ذلك وسائل الإعلام العربية المناوئ أغلبها لتركيا ورئيسها أردوغان.
في خضم كل ذلك كان من الطريف والمسلي متابعة تلك الأخيرة التي غلب على أكثرها الهوى (باستثناءات بسيطة لعل أبرزها في رأيي ما كتبه وعبر عنه في التلفاز دكتور مصطفى اللباد الخبير في الشؤون التركية) والسجال الملتهب بين أنصار أردوغان وأعدائه في بلداننا، وفقاً لموقفهم من الإخوان وتيارات الإسلام السياسي بصفةٍ عامة وأنظمة الحكم، ولئن كانت غالبية الكلام تدور على تاريخ الانقلابات في تركيا فإن ما يثير اهتمامي الشخصي من ناحية، أوجه التشابه بيننا وبين تركيا، ومن ناحيةٍ أخرى المقارنة بين مسار تركيا ومسارنا، وتحديداً مسار النظام المصري.
بدايةً أود أن أقرر أن الصراع الدائر في تركيا، البلد الشديد التعقيد المتعدد الأعراق والثقافات، يمثل ويعكس بهذا القدر أو ذاك الصراعات والأزمات في البلدان العربية، الأمر الذي يجد مبرره المنطقي في فترة السيادة الفعلية أو الإسمية للدولة العثمانية على بلداننا وما صاحبها واستلزمته من تداخلٍ وامتزاج.
هناك العلاقة مع الغرب، ذلك الحاضر الأبدي في وعينا وحساباتنا وتلك العلاقة المتضاربة معه، ولعل تلك العلاقة تمثل مفتاحاً مهماً (إن لم يكن الأهم) في فهم الشأن التركي. منذ القرن الثامن عشر استيقظت تركيا على نفسها تخسر السباق أمام الغرب الآخذ في التطور علمياً واقتصادياً، ومن ثم اصطدمت به منتقصاً لأراضٍ تحت سيطرتها محتلاً لها؛ وجدت نفسها محصورةً بين افتتانٍ بذلك الغرب المتطور وكراهيةٍ وريبةٍ وحربٍ معه، فلجأت لمشروعات التحديث الدولتية من أعلى، ومحاولة اللحاق بالغرب الذي وجد أبلغ وأعمق تعبيرٍ عنه (على المستوى الرسمي) في أفكار وممارسات أتاتورك، التي بدت كما لو كان الهدف منها، التخلص من الميراث العثماني وما تجذر فيه من مؤثراتٍ ومكوناتٍ عربية وإسلامية. نوعٌ من خلق هوية جديدة انتقائية.
وبدا كما لو أن تركيا طيلة ما يقارب الستة عقود كانت تبذل كل ما في وسعها وقدمت خدماتٍ لا تحصى لحلف الأطلسي، حد الحرب في بلدٍ بعيد ككوريا، لإقناع الغرب بأنها قطعةٌ منه، وأنها تستحق الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، غير أن كل ذلك لم يصل بها إلى النتيجة المنشودة، فأوروبا التي ما فتئت تجنح يميناً في المجمل وتزداد تخوفاً من الإسلام بصفةٍ عامة تتفاوت وضوحاً وغموضاً ما بين الطبقات المختلفة، لم تزل ترى في تركيا «الآخر» والعدو التاريخي وترفض دخولها للاتحاد الأوروبي. في هذا السياق يمكن النظر لصعود التيار الإسلامي في تركيا تصالحاً مع الذات التاريخية، وكاحتجاجٍ وتمردٍ على تلك المحاولة المتطرفة من قبل الكماليين والعلمانيين، أياً كانت مرجعياتهم السياسية لطمس الإسلام كمكونٍ رئيسي، وربما الرئيس في الهوية التركية (لدى أنصار التيار بطبيعة الحال)، ولا نبالغ إذ نذهب إلى كون موقف أوروبا الرافض لتركيا يدعم من هذا التيار ويقوي حجته، إذ يمكن أيضاً اعتبار ذلك الصعود نوعاً من الواقعية السياسية وفقدان أوهام «الأوربة» لدى قطاعاتٍ متسعة من الأتراك صارت تأبى سلخ جلدها بأظافرها.
ذلك الصراع بين التراث في شكله المشرقي الإسلامي والحداثة الأوروبية بالأساس، المحلي والوافد، والقوى المدنية ومؤسسات «الدولة العميقة» وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، ذلك البحث عن الهوية ووضع الأقليات والدولة الوطنية، كل تلك أوجه للتشابه بيننا وبين تركيا، التي ألقى وجودها الطويل في بلداننا ظلاله على تطورنا ووضعنا الحالي.
بيد أن تلك العلاقة ازدادت تعقيداً في العقدين الأخيرين مع صعود تيار الإسلام السياسي، حيث أن تلك الواقعية السياسية المدركة لرفض الغرب شرعت تبحث لها عن مجال تداول ومن ثم نفوذ ووجدته في «باحتها الخلفية»، في الدول العربية بما لها بها من روابط تاريخية، الأمر الذي جعل من تركيا أكثر جاذبيةً للغرب حين تصادف ذلك مع بعض مصالحه.
كل فراغٍ يجذب من يملأه، وفي منطقتنا نشأ ذلك الفراغ من انهيار الدولة العراقية في أعقاب الغزو، وتضعضع النظام السوري إثر الثورة والحرب الأهلية، وقبل ذلك انكفاء مصر وخروجها كلاعب رئيسي من معادلات المنطقة، وقد تطلع أردوغان وجماعته لملء ذلك الفراغ وتوسيع دائرة نفوذه، مدفوعاً بطموحه وأوهام استعادة الخلافة أو المجد العثماني، ولا يفوتنا هنا أن نشدد على كون الدول العربية أسهمت بشكلٍ فعال في خلق ذلك الفراغ بإسقاط العراق، وخياراتها وفشل أنظمتها.
عديدةٌ هي أوجه التشابه كما أسلفنا، إلا أن هناك اختلافات مهمة لدى المقارنة، حيث نستطيع أن نقول إن النظام التركي (شأنه شأن النظام الإيراني) يمتلك رؤيةً ومشروعاً كما أنه أنجح اقتصادياً، وقد خلق أوراقاً مهمة يستطيع اللعب بها كتحالفاته مع جماعة الإخوان المسلمين وأخواتها على سبيل المثال. هو نظامٌ يحرص على الوجود إلى طاولة الكبار ولعب دورٍ واعٍ. في المقابل نجد النظام المصري منهاراً اقتصاديا، تائهاً، بلا رؤية، فرط في كل أوراقه تقريباً وهاجسه الوحيد ترميم أجهزة الدولة الأمنية والحفاظ على مكتسباتٍ ومزايا طبقية للأثرياء، وإذا وجد ضمن مشروع ففي دور تابعٍ في مشروعٍ رجعي معادٍ مفتتٍ لمنطقتنا، يقدم الخدمات والجنود بمقابلٍ مادي، وضعٌ شديد البؤس والضعة.
حين وصلت أول أخبار الانقلاب، سارع الحانقون الغاضبون في بلداننا يرحبون ويهللون شامتين بسقوط إردوغان مدفوعين في ذلك بشعورٍ عميقٍ، وربما غير واعٍ بالهزيمة والغضب من ضعفنا والغيرة، إلا أنه فاتهم أن يدركوا أن سقوط أردوغان لا يعني تغييراً حتمياً أو انسحاباً تركياً من منطقتنا، أولاً لاعتبارات الجغرافيا، وثانياً لأن شبكةً معقدةً ومتوغلةً من المصالح الاقتصادية صارت تربطها بالمنطقة. أما ثالثاً، فإن ذلك الحماس يكشف قصوراً في إدراك أن العالم تغير وأن المزاج العام التركي الذي يعيش صراع هوية، تغير هو الآخر، الأمر الذي يجد شاهده لا في فشل الانقلاب وحسب، بل في الدعم الشعبي الواسع لأردوغان حتى وهو يقتص ويضرب.
قد يحاول أردوغان استغلال الموقف لتصفية حساباته مع خصومه، إلا أنني أميل للرأي القائل بأن الانقلاب سيتركه أضعف سياسياً، إذ يتعين عليه الآن بما عرف به من براغماتية بناء توافقاتٍ وتفاهماتٍ مع شتى القوى السياسية، خاصةً تلك التي وقفت في صفه رافضةً الانقلاب، وقد يختار بالطبع التصعيد.
الانقلاب الفاشل يقرب تركيا أكثر لمنطقتنا، إذ يؤكد على تداخلها في مشاكلنا وتشابه الصراعات والأزمات العالقة المزمنة، مؤكداً مرةً أخرى أن الزلزال الذي ضرب المنطقة نتيجة الانحيازات السياسية والاقتصادية والترتيبات إلإقليمية وما أسفرت عنه من تدخلاتٍ خارجية في صورة الغزو على المستوى الاجتماعي والسياسي الإقليمي، ذلك الزلزال غير مرشح للتوقف رغم كل المحاولات والجهود والثروات المبذولة والعنف والدم، وسوف يغير شكل المنطقة تماما، وقد لا يترك حجراً في مكانه.
٭ كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل