مع إذاعة الجيش التركي (أو مجموعة متمردة فيه) نبأ السيطرة على الحياة العامة في تركيا، وفرض حالة الطوارئ وحظر التجول في المدن التركية، بلغت قلوب العرب والمسلمين الحناجر خوفاً على مستقبل آخر التجارب الداعمة لموجة الربيع العربي، وذعراً من حقيقة استكمال نجاحات موجة الثورات المضادة في العديد من البلدان العربية، فضلاً عن استعصاء نموذجها الحقيقي (ربما) في سورية.
تجربة السنوات القليلة الماضية، في تركيا تشير إلى أنه كلما لاح في الأفق شبح الانقلاب العسكري في تركيا، لا يأتي ذلك إلا في صالح «حزب العدالة والتنمية» التركي؛ ففي أبريل 2007، عندما نشرت المؤسسة العسكرية رسالة موجهة لحزب العدالة والتنمية، على صفحتها الإلكترونية؛ تحذره فيها من الاستمرار في دعم عبد الله غول لكرسي الرئاسة التركية؛ كونه سيصبح رمزًا للدولة، وهو له ميول إسلامية قوية، وزوجته ترتدي الحجاب الإسلامي، ما أقلق المؤسسة العسكرية في ذلك؛ حيث كانت لا تزال تعتبر نفسها حامية النظام العلماني، أُطلق على ذلك اسم «الانقلاب الإلكتروني»، وفي الواقع لم يستفد من تصريح الجيش طرف أكثر من حزب العدالة والتنمية، إذ ازدادت نسبة التصويت له في أول انتخابات بعد هذا الحادث بـ13٪.
وفي عام 2011، حين اتهمت الحكومة التركية عناصر عسكرية، بالتخطيط لانقلاب ضد الحكومة، وحبست عشرات الجنرالات، كانت الحصيلة النهائية هي دفع المجلس العسكري الأعلى في تركيا للاستقالة، في يوليو 2011، وهو ما رآه المراقبون، الانتصار الأهم للمدنيين على العسكريين في تركيا الحديثة.
في أبريل من العام الجاري، نفى الجيش التركي على موقعه الإلكتروني الرسمي، أن تكون لديه أي نوايا متعلقة بانقلاب عسكري على المؤسسات المنتخبة في البلاد. حينها كانت وسائل الإعلام، تتناقل توقعات بانقلاب عسكري قريبٍ في البلاد، تحت دعوى حماية المبادئ العلمانية، التي أسست عليها الدولة التركية الحديثة. في ذلك الوقت أكد أكبر أحزاب المعارضة في تركيا، وهو «حزب الشعب الجمهوري»، رفضه التام لأي محاولة تدخل من قبل الجيش في مسار العملية السياسية الديمقراطية. وعلق زعيم الحزب، كليجدار أوغلو الذي كال الهجوم آنذاك على الدستور الذي مرره حزب العدالة والتنمية، والذي وصفه بأنه دستور انقلابي- بأنه لا يمتلك القدرة على استيعاب الطريقة التي يفكر بها الصحافيون الذين يدعون الجيش للانقلاب.
وحين حدثت محاولة الانقلاب، لم يختلف موقف كمال كليجدار أوغلو، إذ أعلن مُباشرةً رفض محاولة الفصيل العسكري الانقلاب على السلطات المنتخبة. كما دعا أنصاره لمؤازرة دعوة الرئيس أردوغان، ورئيس الوزراء بن علي يلدريم، بالنزول إلى الشوارع التركية والتصدي لمحاولة الانقلاب على الديمقراطية.
لم يكن ذلك موقف رئيس حزب الشعب الجمهوري وحده؛ إذ أجرى زعيم الحركة القومية المعارضة، دولت بهتشيلي، اتصالًا هاتفيًا برئيس الوزراء بن علي يلدريم، ليعرب فيه عن دعمه للسلطات التركية ضد محاولة الانقلاب العسكري. كما أن العديد من المواطنين الذين خرجوا في شوارع أنقرة وإسطنبول وإزمير، والعديد من وسائل الإعلام المحلية والعالمية، أعلنت بعد ساعات قليلة من بدء محاولة الانقلاب، أن المعارضة السياسية، بما في ذلك قطاعات واسعة من الأكراد، أعلنوا رفضهم التام لأي محاولات انقلابية على السلطات المنتخبة في تركيا.
حزب العدالة والتنمية سيجد نفسه، على إثر تلك المحاولة الانقلابية، أكثر قوة من ذي قبل، وربما تكون الفرصة سانحة أمامه لاتخاذ إجراءات معينة، أي أن الأزمة، غالبًا ما ستوفر له الغطاء الشرعي لمزيد من النفوذ على مُؤسسات الدولة ومفاصلها، وكذا في الشارع. وربما سيصبح إفشال انقلاب يوليو، هو أكبر انتصار للمدنيين في مواجهة المؤسسة العسكرية، منذ إقامة الدولة التركية الحديثة على أنقاض الخلافة العثمانية. فهذه المحاولة الانقلابية، ستوفر الفرصة الأمثل لحزب العدالة والتنمية، كي يتخلص من أي مخاطر عسكرية كانت تُؤرقه.
يبدو أن رئيس الجمهورية أردوغان في أفضل حالاته إقليميًا، بعد أن آلت الأمور إلى سيطرته من جديد؛ إذ أظهرت الدول الكبرى تمسكها باستمرار العملية الديمقراطية في تركيا، بعد تردد، وربما خوف من نتائجه، لاسيما في ظل الاتهامات المتسربة عن ضلوع دول إقليمية وكبرى في تأييد الانقلاب والتخطيط له.
في العام الجاري، حرص أردوغان على الاهتمام بملف العلاقات التركية الأفريقية، وكانت تركيا قد افتتحت 25 سفارة جديدة لها في القارة السمراء، منذ عام 2009. وقبيل رحلة أردوغان لأفريقيا هذا العام، كانت حكومته قد أعلنت منظمة «Hizmet»، التي يديرها غولن، ضمن المنظمات «الإرهابية». ويدير غولن، شبكة عالمية من المدارس الإسلامية، بالإضافة إلى عدة مؤسسات إعلامية وثقافية وبحثية. وكانت مهمة أردوغان ببساطة هي تقويض سمعة مدارس عبد الله غولن، وغولن نفسه في أفريقيا، باعتباره يشكل كيانًا موازيًا، وتتظاهر مؤسساته بتمثيل تركيا في القارة. المحاولة الانقلابية، قد تُمثل فرصة جيدة بالنسبة لأردوغان، لتقويض سمعة فتح الله غولن، والحد من توغل أنصاره في مُؤسسات الدولة، فضلًا عن أن الرجل سيظل اسمه مُرتبطًا في أذهان المواطنين الأتراك بمحاولة انقلاب فاشلة على السلطات المنتخبة ديمقراطيًا، في يوليو 2016. لكن المؤكد في هذا السياق أن قبضة حزب العدالة والتنمية على الدولة سوف تقوى وسوف يتعاظم نفوذه على الرغم من المكاسب الجزئية التي حققتها المعارضة السياسية بأطيافها المتدرجة عندما أعلنت رفضها للانقلاب العسكري، ويبدو أن ما عمل عليه أردوغان من تقوية فروع الأمن والشرطة وتدعيمها خلال سنوات حكمه الماضية، آتى أكله عندما تصدت لمحاولات فئة من الجيش لاستعادة دوره في تاريخ انقلابات العسكر على المدنية والديمقراطية في تركيا، ليكون درساً للعالم في كيفية حماية العملية الديمقراطية في البلاد، ودرساً خاصاً للعرب تحديدا، ممن نجح الجيش في بعض بلاده في القيام بثورات مضادة، وفي مقدمتها مصر.
٭ كاتب وباحث فلسطيني
هشام منور