واشنطن ـ «القدس العربي»: تعرض متظاهر للكمة مؤلمة في وجهه أثناء تجمع حاشد في منطقة فايتفيل في ولاية نورث كارولينا من قبل أحد أنصار المرشح الرئاسي دونالد ترامب، وبدلا من اعتقال المعتدي، سارعت الشرطة في طرح الضحية أرضا واعتقاله وسط تصفيق حار وصاخب من الحضور. ووفقا لرواية الضحية راكيم جونز، الأسمر البشرة، فقد ذهب للتجمع للاحتجاح على ترامب إلى جوار امرأة بيضاء البشرة ورجل مسلم وشخص من مثليي الجنس كنوع من «التجربة الاجتماعية» إلا ان شعاراته لم تعجب أنصار المرشح الرئاسي، مشيرا إلى ان الحادث يتكرر حاليا باستمرار في التجمعات الانتخابية المؤيدة لقطب العقارات.
اللكمة التي تعرض لها جونز لا تقارن مع محاولة التعرض للصحافية ميشيل فيليدز من قبل مدير الحملة الانتخابية لترامب أو تهديد الشابات اللواتي يلجأن للإجهاض بعقاب شديد أو التهديدات التي تتعرض لها كل صباح الخبيرة الاستراتيجية المخضرمة كاتي باكر بسبب قيادتها حملة تهدف لعرقلة دونالد ترامب عن الفوز بترشيح الحزب الجمهوري. ورغم تأكيد باكر على انها لا ترى ان جميع أنصار ترامب لديهم سلوكيات عدوانية، إلا انها قالت انه قد تمكن من إخراج حشد من الناس كانوا يعيشون في صمت لان مواقفهم لا تليق وغير مقبولة في المجتمع المهذب ولكن ظهور ترامب منحهم شعوراً بأنهم يستطيعون الكلام بدون مانع.
ووصفت باكر طوفان التهديد بقتلها وقتل عائلتها الذي تتعرض له كل يوم عبر رسائل البريد الالكتروني وتغريدات «تويتر» بانه «نقد لاذع ومشبع بالكراهية لم تشاهده خلال 25 سنة في العمل السياسي». وعلى حد قولها فان رسائل الكراهية التي وصلتها مؤخرا تتجاوز في لغتها البغيضة ما استقبلته عندما كانت مديرة لحملة المرشح الرئاسي السابق ميت رامني في عام 2012. أما فيما يتعلق بمدى نجاح نشاطها ضد ترامب فهو جيد لانه ما زال في الإمكان وقف صعود ترامب رغم نجاحه في ولايات فاصلة مثل فلوريدا خاصة لانه، في الواقع، ما زال يطلق تصريحات تسيء إلى حملته بما في ذلك قوله انه لن يلتزم بتأييد مرشح الحزب للانتخابات، الأمر الذي سيكلف حملته الانتخابية 50 مندوبا على الاقل. وتدير باكر حملة ميزانيتها 3 ملايين دولار، ممولة من قبل مارلين ريكيتس الذي يعد من كبار المانحين للحزب الجمهوري في محاولة لتقويض ترامب، حيث تم بث عشرات الإعلانات التلفزيونية وإرسال الآلاف من رسائل البريد الالكتروني للناخبين من أجل كشف ترامب كرجل مخادع ومحتال لا يمت بصلة إطلاقا للحزب الجمهوري أو التيار المحافظ، ولكن ترامب رد عليهم بالقول ان هذه الإعلانات الزائفة تعبر عن أشخاص لا يتمتعون بالشرف.
واعترفت باكر انه لا توجد ضمانة بنجاح الجهود المتأخرة لتقويض ترامب، لان تصريحاتها التحريضية تداعب غضب الملايين من الساخطين، فهنالك الكثيرون ممن يريدون فقط البصق في وجه واشنطن، وهنالك اعتقاد ان نجاح ترامب سيحقق المهمة. أما السيناريو الوحيد، الآن، فهو محاولة منع ترامب من الفوز بأصوات 1237 من المندوبين المطلوبين لترشيحه في المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري في شهر تموز/يوليو عبر توحيد الجهود المنافسة في «تكتل وطني». وبغض النظر عن هوية الفائز في ترشيح الحزب فان هنالك توقعات بنشوب «حرب أهلية» في أوساط الحزب بسبب الخلاف الكبير حول هوية من يقود الحزب وماهية السياسة التي تحرك الحزب إلى الأمام.
من هو المسؤول عن النجاح الساحق لترامب؟.. الرئيس الأمريكي باراك أوباما اضطر في خطوة غير اعتيادية للرد على الاتهامات الموجهة إليه في المسؤولية عن صعود ترامب الذي استثمر غضب غالبية الناخبين خلال حملته في القول انه لن يذهب للتحقق من فكرة تصدع الحزب الجمهوري بسبب إجراءات اتخذها الرئيس الأمريكي ولكنه حث أعضاء الحزب على «التأمل والتريث» بشأن فكرة ان سياسته وخلافاته مع أعضاء الحزب الجمهوري في الكونغرس قد سمحت بظهور نوع من السيرك.
ووجه أوباما الاتهامات إلى وسائل الإعلام المحافظة وقادة الحزب الجمهوري بانها حرضت على فكرة معارضة أي شيء يقوم به أوباما او اعتبار التوصل لحل وسط خيانة لعقيدة الحزب، مشيرا إلى ان المواقف المتطرفة المطلقة القائمة على «نحن» و»هم» غير مفيدة من الناحية السياسية، لانها تفتح المجال أمام من يثيرون المشاكل مثل الحراك السابق الذي كان يشكك في مكان ولادة أوباما. وفي الواقع، هناك إتجاه يفسر صعود ترامب كنتيجة لمطالب التيار الليبرالي التي وصلت على حد تعبير بعض الخبراء من التيار المحافظ إلى مستويات غير معقولة من هبوط اللياقة السياسية على مدى العقد الماضي بطريقة لا تعجب عددا متزايدا من الناخبين الذين نظروا لترامب كرمز للشجاعة ضد «الصواب السياسي».
تعددت النظريات التي تحاول تفسير صعود ترامب وما يسمى بظاهرة «الترامبية» إذا صح التعبير، ولكن نجاحه في جميع الأحوال يأتي في قلب حالة من السخط بين أوساط البيض والطبقة العاملة، ومزيج من عدم الرضا الاقتصادي والثقافي والعرقي لدى شريحة واسعة من الأمريكيين الذين لا يمكن تصنيفهم في الخانات الايديولوجية التقليدية مثل اليسار أو اليمين. وعلى حد تعبير جيمس سيزر، وهو استاذ للعلوم السياسية في جامعة فيرجينيا، فان الحراك الثوري الذي يقف وراء ترامب لا يصل إلى حد التضامن الكامل لكنه يعكس حالة مزاجية شديدة من الغضب ستغلي لبعض الوقت ولكنها جاءت كقوة طاغية قبل الانتخابات بسبب وجود زعيم يستطيع التعبير عن ذلك. وقد حاول الحزب الجمهوري في البداية اللعب على هذا الوتر والاستفادة من دعم هذه الطبقة عبر تقديم شيء ملموس في المقابل عبر ترامب ولكن السحر انقلب على الساحر إلى درجة تهدد بانقسام الحزب الجمهوري باكمله، ناهيك عن توقعات بنهاية حركة المحافظين الجدد.
ويرى الكثير من المحللين ان هجوم «المؤسسة الحزبية الجمهورية» على ترامب مدعاة للسخرية، لان تصريحاته وتعليقاته هي نتيجة منطقية لعقود من الجهود التي بذلها الحزب الجمهوري لتشويه سمعة الحكومة إلى حد توجيه معارضة عنصرية ضد أوباما والتهجم خفية على الأقليات والديانة الإسلامية بحجة محاربة التطرف. وهكذا زرع الحزب نواة الريح ليحصد في النهاية زوبعة هائلة ولكن! وفي إتجاه آخر، يرى العديد من الخبراء ان ظاهرة «الترامبية» هي مظهر من مظاهر أوسع للتاثير غير المتكافئ على شريحة كبيرة من الناخبين الذين يرفضون المؤسسات الحزبية باكملها لانها فشلت في الاستماع أو الاستجابة لمحنتهم، وعلى حد سواء، فان «الترامبية» الآن، مشكلة لها آثار طويلة المدى على الحزبين، وهي مشكلة حادة بشكل خاص بالنسبة للجمهوريين في هذه اللحظة لان الحزب في حاجة ماسة إلى الناخبين للفوز في تشرين الثاني/نوفمبر.
وتمثل تعليقات ترامب العنصرية البغيضة ضد الإسلام والمسلمين جبهة خطيرة في تحقيق نجاحات متلاحقة في السباق الرئاسي، فهو أحيانا يريد منع المسلمين من دخول الولايات المتحدة، وفي اجتماعات حاشدة، كان يردد حكايات ملفقة حول قتل «الإرهابيين المسلمين» برصاص مغموس بدم الخنزير، كما تعهد بمنع دخول اللاجئين السوريين إلى البلاد ورد بطريقة هستيرية توحي ان البلاد على وشك الغرق على محتجين رفعوا لافتات تقول ان «الإسلاموفوبيا ليست الحل» وذهب ترامب بعيدا في الهجوم على المهاجرين غير الشرعيين والتشكيك في المسلمين إلى درجة أصابت قادة الحزب الجمهوري نفسهم في حالة من الجزع، ولكن بالنسبة إلى الكثير من أنصار ترامب فان خطاب الحزب الجمهوري القاسي ضد المسلمين هو مفتاح لنداءاته وخاصة بين الانجيليين الذين يشعرون ان المسيحيين تحت الحصار في الوقت الحاضر وان «الصواب السياسي» يعيق صوتهم، وهذه المشاعر بالتأكيد كانت إلى حد كبير سببا رئيسيا في نجاحات ترامب الابتدائية ولا سيما في ولايات الجنوب، وهي تصل على حد تعبير عدة صحف أمريكية إلى الشعور البغيض بالحاجة إلى هتلر لا يكترث بحالة «الصواب السياسي» المطلوبة للحكم السليم. وعلى حد تعبير عدد غير قليل من المؤيدين لترامب فان الرسالة تكمن في الحفاظ على أمن الأمريكيين من خطر تنظيم «الدولة الإسلامية» لان «حياتنا أهم من حياتهم» وترامب بدوره لم يتعهد فقط بقصف معاقل الجماعة المتطرفة بل تعهد، أيضا، بقتل عائلاتهم واحبائهم كما تعهد بالعودة إلى أساليب «الإيهام بالغرق» وإغلاق جميع المساجد في الولايات المتحدة.»
الساحة السياسية الأمريكية تعيش الآن حالة من السخافة، حيث يواصل ترامب إطلاق تصريحات وتعليقات مسيئة وبشكل منتظم، وأنصاره يبررون هرطقته مهما قال حتى لو تضمنت أمورا غريبة أو غير لائقة. وبغض النظر عن نتيجة السباق الرئاسي فان الدمار السياسي والأخلاقي قد حدث، والضحايا بالتأكيد هم من المسلمين الذين وجدوا انفسهم ورقة انتخابية مغموسة بالكراهية والعنصرية في يد متغطرس عثر على ملايين من ذوي التفكير العنصري المتخلف بعد ان كانوا يختبئون في جحور من الصمت.
رائد صالحة