يقول مثل مغربي: «ما حدّها تقاقي، وهي تزيد في البيض». ومعناه أن الدجاجة ما دامت تقوق فهي ستعطي بيضا. لا تتوقف الدجاجة العربية عن القوقأة، وها هي تعطي بيضا. وبالتحري لا نجدها تقدم سوى بيض فاسد، فلا هو قابل لأن يقدم طعاما في الحين، ولا ينتظر منه أن يتحول لحما مع الزمن. لكن القوقأة لا تنفك تستنفر الأنظار، وتزعج الأسماع، وتعطر الأمزجة.
ما تزال الدماء تنزف في سوريا والعراق واليمن في المشرق. وها طبول الحرب تتهيأ للدق في المغرب العربي. انشق الجدار بين دول الخليج، ولا من يفكر في أن العمارة ستنهار على من فيها، وهناك من له مصلحة في بقاء الشق فهو يعمل على إطالة أمده بدل التفكير في إصلاحه. وما دامت الدجاجة تقوق فهي تتحرك من المشرق إلى المغرب، لتوسيع الشق بين المغرب والجزائر، وإبراز أن الوضع القائم، وقف إطلاق النار، عليه أن يتحول إلى إعلان الحرب بينهما، تحت دعوى تقرير مصير الشعب الصحراوي، وإلا فماذا نفعل بالأسلحة التي كنا نتسابق على الحصول عليها؟
أعادت قضية تحرك صنيعة الجزائر إلى الجدار الأمني مسألة الصحراء مجددا. فالاستفزازات منذ مدة للمناطق العازلة من الأراضي المغربية، خرق لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تم في 1991 بإشراف الأمم المتحدة. وحين عملت البوليساريو على نقل القيادة العسكرية والإدارية إلى هذه المناطق العازلة، فهي بذلك تعلن الحرب، وتحث المغرب على اتخاذ خطوات نحوها. وبذلك تكون الوضعية متأزمة في المنطقة ومرشحة للمزيد من التصعيد، وجعل منطقة المغرب العربي امتدادا لما يعرفه الوطن العربي من شقاق ونزاعات وحروب.
لماذا تتحرك الجزائر اليوم، وتدفع صنيعتها إلى اختراق منطقة عازلة، وخلق المزيد من التصعيد؟ لا أحد يماري في أن الجزائر، منذ أن طرحت قضية الصحراء المغربية، وهي تعمل على التصدي لهذه القضية الوطنية للحيلولة دون استكمال المغرب وحدته الترابية. فإذا كانت الجزائر قد صنع الاستعمار الفرنسي حدودها كما شاء، معتبرا إياها مقاطعة فرنسية خالصة، فإن وضع المغرب مختلف تماما. إنه منذ أن نجح في مقاومة الأتراك، وجعلهم بعداء عن السيطرة عليه، حوصر من الشرق من لدنهم، كما حوصر من الغرب حيث ظلت إسبانيا والبرتغال تستهدفان شواطئه على المحيط الأطلسي والبحر والمتوسط. وبذلك ظل تاريخه منذ طرد المسلمين من الأندلس يقوم على ثنائية: «الجهاد من أجل الاستقلال»، و«الوحدة الترابية». وجاء الاستعمار فتوزع المغرب بين فرنسا وإسبانيا. فاقتطعت إسبانيا شمال المغرب والصحراء، وفرنسا وسطه، وموريتانيا. وظل المغاربة من بداية القرن العشرين إلى أواسطه يحاربون الاستعمارين من أجل استكمال الوحدة الترابية.
منذ حصول المغرب على استقلاله من فرنسا ظل يطالب باستقلال المناطق التي ظلت خاضعة للاستعمار الفرنسي (حاسي بيضاء وتندوف وكولومب بشار). ولم يفلح إلا في استرجاع طرفاية سنة 1958، وإفني سنة 1969، من الاستعمار الإسباني، وبقيت الساقية الحمراء ووادي الذهب، وسبتة ومليلة تحت الاستعمار نفسه. وجاءت المسيرة الخضراء سنة 1975 لتضع حدا للاستعمار الإسباني في الصحراء، والمشاكل التي اختلقتها الجزائر بدعوى «تقرير المصير»، منذ بروزها، جعلت قضية «سبتة» و«مليلة» معلقة، وغير مطروحة إلى اليوم. وهذه هي ضريبة الجــغــرافيا التي يدفعـها المغــرب جعلته إلى الآن يطرح قضية استكمال وحدته الترابية. لذلك ستظل الملفات القديمة مطروحة وهي لا تؤدي إلا إلى تفاقم تأخرنا، ومراوحتنا المكان.
كان إجماع كل المغاربة على استكمال الوحدة الترابية إجماعا حقيقيا، وسيظل. لقد دفع المغاربة تضحيات كثيرة من أجلها، وهم مستعدون لذلك أبدا. إن قضية الصحراء التي افتعلتها الجزائر، وأدت إلى خلق جبهة البوليساريو، كانت وليدة أسطورتين: أسطورة إسقاط الملكية وكان هذا هدف الجزائر وليبيا ومصر باعتبارهم «ثورييين»، و«اشتراكيين». وأسطورة «البؤرة الثورية» في الصحراء من لدن جزء من اليسار المغربي، وضمنهم عناصر من البوليساريو.
منذ 1975 جرت مياه كثيرة تحت النهر. فلا الملكية تم إسقاطها، ولا الثورة الاشتراكية تحققت. ومع انهيار الاتحاد السوفييتي، والمنظومة الاشتراكية انهارت «الثورة»، و«البؤرة»، وحتى الأنظمة الجمهورية التي قدمت نفسها بديلا لبناء المجتمع العربي، أبانت أن حكم العسكر أكثر رجعية وقهرا للشعوب التي يحكمها. فماذا بقي من أسطورة تقرير المصير، والبؤرة الثورية؟ لكن الجزائر، وقد دعمت البوليساريو للغايات المذكورة لم تستجب لكل المفاوضات التي طرحت، وظلت تعرقل أي حل ينهي المسألة مستغلة كل إمكاناتها لعزل المغرب إفريقيا ودوليا. أغلقت الحدود بين البلدين، وطردت 45 ألفا من المغاربة شر طردة… وتدعي أن المشكلة هي بين المغرب وجبهة البوليساريو، وهي فقط مع المقولة «الثورية»: تقرير المصير. دعمت الجزائر البوليساريو عسكريا ولوجستيا، وظلت الحرب قائمة ضد المغرب إلى أن تم الاتفاق على وقف إطلاق النار سنة 1991. فلماذا تم التوصل إلى هذا الاتفاق في هذه السنة بالضبط؟
إن هذا التاريخ يبين بجلاء لكل ذي عينين، أن الحرب ليست بين المغرب والبوليساريو، ولكنها حرب جزائرية ضد المغرب. في هذه السنة بالضبط ستبدأ العشرية السوداء في الجزائر والتي نجمت عن إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية، وكانت لها تداعياتها المأساوية على الشعب الجزائري، وجعلت النظام الجزائري منشغلا بها. فلم تتحرك صنيعة الجزائر، وكان وقف إطلاق النار الذي استمر إلى نيسان (أبريل) 2018 الذي بدأت تظهر فيه تلويحات إنهاء وقف إطلاق النار، وإعلان الحرب مجددا على المغرب بتحرك البوليساريو نحو منطقة الجدار العازل. فما السبب الذي جعل الجزائر تحرك صنيعتها في هذا الوقت بالضبط؟
نجح المغرب في تجاوز أحداث 20 شباط (فبراير)، ولم يقع في ما وقعت فيه الجمهوريات «الثورية»، وما وقع فيها من زلازل ما تزال تداعياتها إلى الآن (مصر، ليبيا، سوريا). كما أنه نجح في الرجوع إلى إفريقيا بقوة، اقتصاديا، وحقق بذلك نجاحات سياسية لفائدة قضية الصحراء، التي غادرها أمدا طويلا من الدهر، مخليا المجال للجزائر لتحقيق انتصارات لفائدة الانفصال. هذه النجاحات لا يمكنها أن تربك الطموحات الجزائرية في تحقيق أهدافها، ومن بينها تصدير أزماتها الداخلية التي لا حصر لها إلى الخارج، إسوة بكل الدول العربية التي بدل أن تبيض بيضا صالحا لفائدة شعوبها، لا تفكر إلا في إنتاج البيض الفاسد عليها وعلى جيرانها.
إن من يخلق أجواء التوتر اليوم، هو من خلقه بالأمس. إن الفساد لا يخلق سوى البيض الفاسد، وللأسف الشديد نرغم شعوبنا على تناوله إمعانا في احتقارها والسخرية منها.
كاتب مغربي
سعيد يقطين