انهيار أسعار النفط يسهم في تبديد أحلام كردستان العراق بالاستقلال الاقتصادي

حجم الخط
0

بالرغم من نجاح حكومة إقليم كردستان العراق في تكريس قدرتها على تصدير النفط بشكل مستقل عن الحكومة المركزية في بغداد، فإن حلم الاستقلال الاقتصادي الذي طالما راودها، والكثير من أكراد العراق، كإنجاز قد يمهد الطريق لتحويل الإقليم إلى دولة مستقلة عن العراق، ما زال بعيد المنال بعد أن أضعفت تطورات الأشهرالقليلة الماضية فرص تحقيقه.
ثلاثة عوامل تكالبت على حكومة إقليم كردستان لتحبط طموحاتها في تحقيق استقلال اقتصادي يمكنها من الاستغناء عن ارتباطها ببغداد، والذي أصبح في السنوات الأخيرة شكلياً.
أول هذه العوامل هو انهيار أسعار النفط بحوالي 70 في المئة عما كانت عليه في منتصف عام 2014. وثانيها هو انهيار الهدنة التي كانت قائمة بين تركيا وحزب العمال الكردستاني في جنوب شرق تركيا، على خلفية التطورات الجارية على الساحة السورية. أما ثالثها فهو اكتشاف حقائق جيولوجية جديدة أدت إلى خفض تقديرات الاحتياطيات الموجودة في حقل طقطق النفطي، أحد أهم الحقول الموجودة في كردستان العراق، إلى حوالي النصف.
منذ فترة غير قصيرة تعاني حكومة إقليم كردستان من أزمة مالية خانقة ومتفاقمة، بسبب تراجع عائدات تصدير النفط، تنعكس في مصاعب إيجاد تمويل لقوات البشمركة ودفاعات الإقليم في مواجهة «الدولة الإسلامية» من جهة، وتغطية بقية المصروفات الحكومية (اجتماية وصحية وتعليمية …الخ) في الإقليم من جهه ثانية، والذي أثقل عليه تواجد عدد كبير من اللاجئين فيه، تقدر السلطات عددهم بحوالي 1.7 مليون لاجئ، ولدفع مستحقات الشركات المنتجة للنفط في الإقليم لضمان استمرارية إنتاجها من جهة ثالثة.
يذكر أن حكومة الإقليم تعتمد على عائدات تصدير النفط لتوفير 95 بالمئة من دخلها.
وكانت حكومة الإقليم قد اتفقت مع الحكومة المركزية في بغداد في نهاية عام 2014 على تسليم 550 الف برميل من النفط المنتج في الحقول التي تسيطر عليها إلى شركة التسويق الحكومية العراقية (سومو) لتقوم بتسويق وبيع تلك الكمية، مقابل أن تدفع الحكومة المركزية لحكومة الإقليم ما يعادل 17 بالمئة من مجموع دخل العراق الكلي المتأتي من تصدير النفط. لكن الاتفاق انهار في منتصف العام الماضي، وقالت حكومة الإقليم ان الحكومة المركزية لم تدفع كامل الحصة المتفق عليها، كما تخلفت عن دفع مبالغ شهرية متفق عليها لتمويل قوات البشمركه.
وردا على ذلك عملت حكومة الإقليم على تصدير النفط المنتج من الحقول الواقعة تحت سيطرتها بشكل مستقل منذ منتصف العام الماضي، ونجحت في إيجاد المشترين، مستفيدة من انشغال الحكومة المركزية العراقية بمحاربة «الدولة الإسلامية»، من جهة، وبمعالجة الأزمة المالية الخانقة التي تعاني منها هي الأخرى جراء هبوط أسعار النفط، وكـــذلك بالنزاعات والخلافات السياسية التي تتهدد حكومة حيدر العبادي من جهة ثالثة.
هذه الانشغالات اسهمت في جعل الحكومة المركزية غير قادرة على تنفيذ تهديداتها باللجوء إلى الوسائل القانونية، أو استعمال نفوذها في السوق النفطية الدولية للحد من قدرة الإقليم على تصدير النفط بشكل مستقل. وفي هذه الأثناء أخذ عدد مشتري نفط الإقليم يزداد تدريجياً، حيث تقوم الشركات المتاجرة بالنفط بشراء ما يصدره الإقليم وبيعه للمصافي في منطقتي البحر المتوسط وأوروبا. وقد ازدادت صادرات النفط من الإقليم إلى ألمانيا والنمسا بنسبة 132 بالمئة في شهر يناير/كانون الثاني الماضي. كما ازدادت بنسبة 90 بالمئة إلى إيطاليا.
وبفضل ذلك تمكن إقليم كردستان من تعظيم دخله من عائدات الصادرات المستقلة إذ بلغ دخله من المبيعات النفطية 3.77 مليار دولار خلال النصف الثاني من عام 2015 ـ أي 628.9 مليون دولار في الشهر ـ مقارنة بأقل قليلاً من 2 مليار دولار في النصف الأول، عندما كان يسلم صادراته النفطية للحكومة المركزية ويستلم الدفعات منها.
لكن ذلك لم ينه الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالإقليم بسبب الهبوط المضطرد لأسعار النفط. فحكومة الإقليم تحتاج دخلاً يغطي مصاريف شهرية تعادل 850 مليون دولار. كما انها تنوء تحت ضغط ديون متراكمة عليها تقارب 25 مليار دولار، بشكل قروض من البنوك المحلية والتركية، ومستحقات مالية متأخرة لموظفي الحكومة ومقاتلي البشمركه، ومستحقات متراكمة للشركات المنتجة للنفط والغاز، وللمتعهدين المنفذين للأشغال العامة، ولتجار نفط يدفعون مسبقاً ثمن كميات نفط سيتم تصديرها لاحقاً ولا يتم ذلك لأسباب خارجة عن سيطرة حكومة الإقليم، مما يرتب عليها ديوناً تجاه تلك الشركات.
وللإيفاء بكل هذه الإلتزامات، تحتاج حكومة الإقليم إلى أسعارتعادل 60 دولارا للبرميل. ومن الواضح أن الأسعار الحالية التي تقل عن 40 دولارا للبرميل لا يتوقع ارتفاعها بحوالي 20 دولارا في المدى القريب بفعل التخمة الموجودة في سوق النفط العالمي.
وقد تعاملت حكومة الإقليم مع أزمتها المالية بمحاولة تخفيض مصروفاتها، إذ قلصت رواتب موظفي القطاع العام بنسبة 20 ـ 70 بالمئة. وقد اندلعت إضرابات عن العمل واحتجاجات على ذلك وعلى تأخر الحكومة في دفع الرواتب. كما عقدت الحكومة اتفاقيات جديدة مع الشركات المنتجة للنفط في الإقليم تدفع لها بموجبها مستحقاتها محسوبة على أساس عقود تقاسم الإنتاج التي تعمل بموجبها هذه الشركات، آخذة في الحسبان أسعار النفط وتذبذبها نزولاً أو صعوداً. وقد مكن ذلك حكومة الإقليم من تخفيض دفعاتها الشهرية للشركات مع ضمان سدادها دون تؤخر كما كان يحدث سابقاً، مما يمكن تلك الشركات من تغطية كلف الإنتاج وزيادته حيث أمكن.
ثم جاء إغلاق الأنبوب الذي تستعمله حكومة الإقليم لتصديرالنفط إلى ميناء جيهان التركي في 17 فبراير/ شباط ليفاقم الأزمة المالية. فبعد ان أغلقت القوات التركية الأنبوب في منطقة تحارب فيها مسلحي حزب العمال الكردستاني، رد هؤلاء بتفجير جزء من الأنبوب. وتقول حكومة الإقليم ان تركيا تقوم بإصلاح الأضرار وتأمين المنطقة وإزالة الألغام المزروعة في بعض المناطق المحيطة بالأنبوب. وأفادت مصادر ملاحية أمس الجمعة أن الأنبوب سيعاد فتحه في غضون أيام قليلة . وتخسر حكومة الإقليم حوالي 15 مليون دولار في اليــوم جــراء توقف الصادرات عبر الأنبوب.
وكان إقليم كردستان قد صدر حوالي 600 الف برميل في اليوم عبر الأنبوب إلى ميناء جيهان في شهر يناير/كانون الثاني، ولكنه صدر 350 ألف برميل في اليوم في الشهر التالي، وذلك قبل إغلاق الأنبوب. ومع استمرار التوترات بين تركيا وحزب العمال الكردستاني، يظل أنبوب التصدير عرضة للإغلاق من جديد مما سيتسبب بخسائر لاحقة لحكومة الإقليم، كما سيقلل من جاذبية الصادرات النفطية للإقليم لدى المشترين، إذ سينظرون إليها كمصدر غير معتمد، وقد يلجأون للإستعاضة عنها أو عن بعض كمياتها بصادرات منافسة لها في منطقة المتوسط، وبخاصة النفط الروسي والإيراني.
أما ثالث المشاكل التي أضرت بالإقتصاد النفطي للإقليم، فتتمثل بإعلان شركة «غينيل إنرجي» التركية، المدرجة في بورصة لندن، مؤخراًعن تخفيض تقديراتها لإحتياطيات حقل طقطق، من 638 مليون برميل إلى 356 مليون برميل بعد اكتشاف حقائق جيولوجية جديدة. وكان الحقل قد أنتج ما معدله 123 ألف برميل في اليوم في الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي، أي ما يعادل حوالي 21 بالمئة من إنتاج الإقليم. وتتوقع الشركة، التي تدير الحقل وتملك حصة مقدارها 44 بالمئه فيه، أن ينخفض الإنتاج في طقطق إلى 80 ألف برميل في اليوم هذا العام، وإلى حوالي 70 ألف برميل في اليوم العام المقبل، ثم إلى مستوى يتراوح بين 50 ألف و70 ألف برميل في اليوم عام 2018.
مشكلة تقدير الاحتياطيات ليست محصورة بحقل طقطق. فقد تخلت شركة «مول» الهنغارية وشركة «غلف كيستون بتروليوم» المستقلة عن عقدهما في حقل أكري بيجيل النفطي في شهر كانون ثاني /يناير، بعد إعادة تقييم احتياطياته. كما خفضت «غلف كيستون بتروليوم» تقديراتها لاحتياطيات حقل شيخان بمقدار 4 مليارات برميل. وكل هذا يعني أن هدف حكومة الإقليم لزيادة الإنتاج هذا العام بمقدار 50 ألف برميل في اليوم قد أصبح صعب المنال إن لم يكن مستحيلاً.
كما أن تكرار خفض تقديرات الاحتياطيات يقلل من جاذبية الاستتثمار في القطاع النفطي للإقليم، وخاصة في ظل انخفاض أسعار النفط الذي حدا بشركات النفط العالمية إلى خفض مصروفاتها واستثماراتها، حتى في المناطق التي تتمتع باحتياطيات مؤكدة أكبر بكثير من تلك الموجودة في الإقليم.
هذه المشاكل بمجملها تثير تساؤلات أساسية، ليس فقط حول إمكانية أو عدم إمكانية تحقيق استقلال اقتصادي للإقليم، بل كذلك حول قدرة حكومته على تفادي الانهيار الاقتصادي، وكذلك الاجتماعي والسياسي، الذي قد يستتبع ذلك إذا ما طال أمد انخفاض أسعار النفط.

إعلامية فلسطينية، خبيرة في شؤون النفط

سميره قعوار

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية