انهيار الحلم الشيوعي في «زمن المزمار الأحمر» للكويتية ثريا البقصمي

■ تعد الأديبة والفنانة التشكيلية ثريا البقصمي أحد الأسماء المهمة المشكلة للخريطة الإبداعية في الخليج العربي، وواحدة من التجارب الإنسانية التي تشتغل على النص الكتابي والفني برؤية إبداعية لافتة بعمقها ورصانتها. خاضت مجالات إبداعية متعددة، مثل الشعر والقصة القصيرة والرواية، وبالطبع الفن التشكيلي الذي تميزت به، وسجلت اسمها كواحدة من التشكيليات القلائل في الخليج العربي.
نجد من بين منجزها الإبداعي رواية مهمة لم يتم الالتفات إليها كثيرا في القراءات النقدية، وذلك بسبب قلة النقاد المتابعين للساحة الثقافية في الخليج العربي، وهي رواية «زمن المزمار الأحمر» الصادرة عام 2012، التي تعد أول رواية للكاتبة. تدور الرواية حول قضايا المهاجرين من العالم العربي والغربي إلى روسيا جنة الحلم الشيوعي وقت بزوغ فجرها وظهور شمس القيم والمبادئ الاشتراكية في عالم عربي بائس ومحطم بالديكتاتوريات والحروب والفقر والظلم السياسي والاجتماعي.
تعرض الرواية حياة المهاجرين إلى روسيا وانخراطهم في الدراسات الجامعية، فكل منهم أراد الذهاب هناك والاندماج في البلد المضيف والدراسة العلمية المتخصصة لكي يعودوا إلى بلدانهم ويخدمونها بهذا العلم المتطور، إضافة إلى فرصة عيشهم في هذا البلد الواعد بالإنسانية، والممارسات الأخلاقية المأمولة. ولكن ما تحاول كشفه الرواية هو كشف المغالطات الكبيرة التي عاش فيها أبطال الشخصيات وهم قادمون بحلم كبير حولته الأمور إلى صدمة فكرية كبيرة. ليست الرواية رواية الموضوع السياسي الرئيسي والمناقشات الأيديولوجية المحتدمة، ولكنها رواية تحاول عرض آثار الحياة في روسيا في زمن سيطرة الشيوعية وتحولات الرؤية عند شخصيات الرواية، من خلال تجربة الكاتبة نفسها، إذ كانت تعيش في روسيا في تلك الفترة بمعية زوجها محمد القديري وقت إكمال دراساته العليا مع دراستها هي للماجستير. أبدعت الكاتبة في رصد تفاصيل حياة السنة الأولى التحضيرية لكل طالب مبتعث، إذ يكون على عتبة مزدوجة في الدراسة، إما الدخول أو الخروج من هذه التجربة المهنية والأكاديمية، وإما تجاوز الحاجز النفسي واللغوي والدخول إلى عوالم المعرفة الرحبة، أو الخروج منها بخيبة أمل كبيرة. وهي التجربة ذاتها التي تعيشها البطلة، إذ كانت في البداية لا تجيد اللغة ولا تتقبلها من ناحية نفسية، وهذا الحاجز النفسي ربما كان السبب الأكبر في عدم تقبلها للحياة هناك. في هذه القراءة، ستتم معالجة عدة موضوعات في الرواية مثل: اللغة والحاجز النفسي، وتفاصيل حياة الغربة في روسيا، وتعدد وجهات النظر من خلال انهيار الحلم الشيوعي.

اللغة:

تشكل لغة البلد المضيف جسر وصل مهم للعبور إلى ثقافته وعلومه ومعارفه، وهكذا كانت اللغة الحاجز الذي لابد من اجتيازه للاستفادة من فرصة الابتعاث عند ليلى ومجموعة من الشخصيات التي أتت لتغرف من معين الجنة الشيوعية. وبالطبع اللغة ليست بحد ذاتها هي الحاجز بقدر ما تكون الإشكاليات السيكوسوسيولوجية عوامل مضاعفة لصعوبة تقبل لغة وفكر وثقافة الآخر. نظرت ليلى ومجموعة من الطلبة المبتعثين إلى اللغة الروسية على أنها قرقعة حصاة في علبة معدنية فارغة، كما تقول: «إن لغتهم صعبة، هي أقرب إلى قرقعة حصاة في علبة معدنية فارغة. إنها ورطة حقيقية، فليس لديّ استعداد لتعلم أصول النحو والإملاء وتصريف الأفعال، إن ذلك خرج من حياتي». ولكن هذا الانطباع الأولي مصاغ بوجهة نظر ابتدائية عن البلد المضيف، حيث لا يزال الضيف غريبا عن هذه الثقافة، يشعر باغتراب نفسي عنه مع وجود الحنين العارم للوطن والأهل والأصدقاء، والثقافة واللغة واللهجة وأصناف الطعام وكل تفاصيل الوطن الحميمة. فتكون حالة النوستالجيا هذه حاجزا لعدم تقبل ثقافة البلد المضيف. لذلك نجد البطلة ليلى ورفاقها تتغير نظرتهم للغة بعد تقبل فكرة الاندماج مع المجتمع الجديد، وضرورة تخطي حاجز اللغة، مثلما حدث لهم في نهاية المطاف إذ نجحت بتقديرات جيدة في نهاية السنة الأولى.
بالطبع هذه النظرة إلى اللغة تختلف، حسب وجهة نظر كل فرد، فابن الثقافة واللغة الروسية بالتأكيد سينظر لها نظرة المحبة والاعتزاز الكبير بها، مثلما قدمت معلمة اللغة الروسية آنا اللغة لجموع طلبتها بقولها: «وها أنا أمامكم طلبتي الأعزاء، سنقضي عاما كاملا ننهل فيه من تلك اللغة الجميلة الثرية، وليس لديّ شك في أنكم ستحبونها، بل ستعشقونها عندما تملكون مفاتيحها السحرية، إنها لغة موسيقية، ثرية بالمفردات الجميلة، تدعو إلى التحليق والإبداع». وهذه النظرة الوطنية الاحتفائية باللغة لن تختلف حقيقة عن نظرة أي مواطن إلى لغته الأم من حيث الفخر بها وبإمكانياتها الجميلة. أيضا من اللافت أن التعاطي مع اللغة لا يقف عند حد تعلمها، بل تعلم أدبها وقراءته واتقان أدائها بشكل جيد، فأهل اللغة المضيفة دائما يريدون من الضيف أن يتحدث لغتهم وكأنه منهم، ولا يقبلون أي نوع من الاختلافات في النطق، وهذا ما يقوم به الإنكليز والأتراك، والروس كما اتضح في الرواية، دائما يواجه الطالب المبتعث سؤال اللغة وإجادتها كأنه ابن هذه الثقافة الأجنبية. هذا ما لفت الضوء إليه هومي بابا في كتابه: «موقع الثقافة»، إذ يضرب مثالا على الهندي الذي يعجب بالمستعمر ويقلده في زيه ولغته وأسلوب حياته، ولكن يكتشف لاحقا أنه لا يشبهه، فتبدأ لحظة الإدراك المتأخر، إنه منفصل عنه ولا يشبهه. هنا تتضح هذه الإشكالية في الرواية، من خلال استبعاد ليلى الطالبة الكويتية من مسابقة للغناء بأغنية تتحدث عن بطولات الروس في الحرب العالمية الثانية بعنوان: «لتلمعي أيتها النجمة» مصورة النجمة التي تلمع فوق قبر جندي سوفييتي، قتل في الحرب العالمية الثانية. وبعد هذا التمرين المتواصل والرغبة في النجاح تصدم ليلى برفض أحد أعضاء لجنة التحكيم برأيها، لأنها لا تعتبر أن ليلى نجحت في تقديم الأغنية كأنها واحدة من الروس، بل طرحت سؤالا مهما وهو: «وكيف لطالبة أجنبية لا تجيد لغتنا، أن يتناول غناؤها أمرا مقدسا، وأي خطأ لغوي قد يحول هذه البطولة إلى أضحوكة».
يعكس هذا الرأي صلابة رؤية المحكمة لموضوع اللغة وموقفها تجاه من له الحق في أن يغني أدب لغتها وشعرها، أكثر من كونه قادرا بالفعل على أداء هذا النص بجودة رائعة. هذه الرؤية المتطرفة ليست رؤية الروس فقط، ولكن هي ذاتها النظرة المتصلبة التي ينظر بها بعض المتعصبين من الإنكليز إلى أدبهم، فمن من الطلبة الأجانب بإمكانه الكتابة عن شكسبير وجين أوستن وتشارلز ديكنز، بل هم يفضلون أن يكتب الطلبة عن قضايا أوطانهم الخاصة، بدلا من التطرق لثقافة ولغة وأدب البلد المضيف. هذه الموضوعات غير المعلنة بإمكان الأدب كشفها وفضحها وتعريتها، من خلال رصد هذه الرؤى المتعددة، ولكن علينا ألا نغفل الجانب الآخر من القضية، وهو أنه حتى تكتب عن أدب أمة أخرى عليك إجادة اللغة، والاطلاع الواسع على ثقافتها وتاريخها وتفاصيلها الدقيقة، حتى تجيد التحليل العميق والوصول إلى المنابع الحقيقية للمعنى.

انهيار الحلم الشيوعي:

من النقاط اللافتة في الرواية، وضوح قضية تغير وجهة النظر وتحولاتها عند شخصيات الرواية، مثل ما يحدد باختين الرواية البولفونية بأنها تلك الرواية التي تتعدد فيها وجهات النظر بعيدا عن وجهة النظر الأيديولوجية الواحدة. وهنا نجد الرواية تطبق البولفونية من خلال طرح وجهات نظر عديدة، ما أعطى نصها مسحة موضوعية. إذ قدمت الكاتبة وجهات نظر متعددة مؤمنة بالعقيدة الشيوعية، أو بمعنى أدق الاشتراكية، على سبيل أنها الخلاص: «مثل ذلك الطالب العربي، الذي كان يقف خلفها في الطابور، متأملا صورة الزعيم الروسي فلاديمير إليتش لينين وبصوت مرتعش يناجي الصورة». هذا النظام الذي كان ينظر له الشباب كما توضح الرواية على أنه ديمقراطي وعادل ويبعث جمهورية أفلاطون من جديد بفضل جهود لينين العظيم. وهناك فئة أخرى تغيرت رؤيتها بعد معايشة الواقع الجديد، وعدم التأقلم مع الحياة الجديدة، فتنعكس مشاعر الخيبة والإحساس بالخديعة على تصرفاتهم وتعبيراتهم المستقبلية. وشخصيات أخرى لم تقتنع منذ البداية بهذه الطروحات واستشعرت ذلك بحدسها، وتأكدت في ما بعد رؤيتها مثل البطلة ليلى، إذ كانت منذ البداية وهي «تدحرج غربتها على عتبات عالم جديد» غير مقتنعة بهذه الجنة الشيوعية المدعاة، وكثيرا ما تردد في المواقف المتعددة في الرواية: إنها خدعة. ففي قرارة نفسها تراجعت عن عملية التصفيق ولم تشارك الآخرين رؤيتهم المطابقة للنظام والمؤسسة الحزبية التي قامت بأدلجة الجميع: «وتمنت في قرارة نفسها أن يكتشف ذات يوم مدى علاقة تلك الأحلام بواقع غارق في مستنقع البيروقراطية والمركزية».
وهي هنا تشير إلى مجموعة من التناقضات التي تبدأ بطابور الموز إلى أعمق الإشكاليات التي تؤرقها كثيرا، مثل التعبئة الفكرية للشخصيات. كما تشير إلى النظام السائد والمؤسسات التي تملي قراراتها على الجميع وغير مسموح للآخرين بمساحة من الحرية والنقاش، أو التحرك بدون علم هذا النظام، نظام يحكم الجميع وفق رؤية أيديولوجية واحدة، ويقيدهم بدراسة الدراسات الحزبية، ويختار لهم التخصصات المناسبة، حتى لو لم تتوافق مع رغباتهم واختياراتهم. مثلما يؤكد أحد أبطال الرواية، نينويك: «إنهم يختارون ويخططون، ونحن لا نملك الحق في الاعتراض «.
يشير مثل هذا الاقتباس إلى إشكالية مهمة، وهي أن النظام لم يقدم شيئا مختلفا على مستوى الحرية وإعطاء الآخرين فرصة التفكير بحرية، فقام بممارسة مشابهة للنظام الذي انقلب عليه، باستثناء بعض المكتسبات المادية والإنسانية البسيطة، التي اشترك فيها الروس، أحادية الرؤية والتصور أيضا، فأصبحوا يعيشون كما يقول عنه بعض المخمورين أنه أصبح «بلد حرية الصور المؤطرة». وطبعا من المهم الالتفات إلى قضية أن الخمر هنا عامل مساعد على البوح وكشف القناعات، لأن مجتمعات الأنظمة الديكتاتورية، بحاجة دائمة إلى الوعي اليقظ كي لا تنزلق في مسارات التعبير التي تؤدي إلى مساءلات أمنية.

دلالة العنوان: «زمن المزمار الأحمر»:

ما سبق يقودنا إلى قراءة دلالة العنوان، وهو عنوان تم اختياره بشعرية مكثفة ودالة في الوقت نفسه، «زمن المزمار الأحمر» كإشارة دالة من المؤلفة على وقت هيمنة وسيطرة الاشتراكية في العالم قبل انهيارها في أواخر الثمانينيات. أما المزمار فيشير إلى العقيدة الشيوعية التي يتبناها الاشتراكيون تصلح لتكون أغنية إنسانية رائعة، عذبة كعذوبة المزمار إلا أنها في الوقت نفسه عقيدة غنائية حالمة أخفقت في التطبيق الإنساني الحقيقي، كما تحيل لطبيعة الشعوب الغنائية الاحتفائية، بعيدا عن الرؤية المنطقية العقلانية، وهي أشبه بالحالة الغنائية الحالمة التي عاشتها الشعوب العربية إلى وقت قريب. وارتباط المزمار بصفة الأحمر هنا إشارة إلى الجانب الدموي للثورة الشيوعية، قامت على الدماء، مثلها مثل أي ثورة، تحولت ممارساتها إلى ممارسات دموية في النهاية.

ثريا البقصمي ـ رواية «زمن المزمار الأحمر»، دار الفراشة والفارابي، الطبعة الأولى، 2012.

٭ أكاديمية كويتية

انهيار الحلم الشيوعي في «زمن المزمار الأحمر» للكويتية ثريا البقصمي

سعاد العنزي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية