جنيف ـ «القدس العربي»: بعد أقل من ثماني وأربعين ساعة على حديث المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، أن اقصى طموحه على المدى المنظور هو إبقاء وفدي المعارضة والنظام في جنيف، خرج ليعلن تعليق المحادثات غير المباشرة التي كان بدأها للتو إلى 25 من الشهر الجاري، وذلك بعد ان عكست التصريحات والبيانات التي أدلى بها الطرفان غياب أي أرضية يمكن أن يؤسس عليها للتوصل إلى حل سياسي للأزمة، بالتزامن مع هجوم هو الأعنف شنته قوات النظام مدعمة بميليشيات شيعية وقصف للطيران الروسي غير مسبوق في الريف الشمالي لحلب. وهو ما كشف عمق المأزق الذي تعانيه وفد الهيئة العليا للمفاوضات المنبثق عن قمة الرياض، بالنظر إلى الضغوط التي مورست عليه من قبل داعميه للشروع في المحادثات، رغم ضرب النظام السوري وحلفائه بعرض الحائط بكل الالتزامات التي كانت اقرت بموجب قرار مجلس الأمن 2254 خاصة في ما يتعلق بجوانبه الإنسانية.
وجاء إعلان الفشل في التحضير للمحادثات غير المباشرة بعد 4 جلسات عقدها دي ميستورا، اثنتان منها مع النظام، واثنتان مع المعارضة، اتضح خلالها عجز المبعوث الأممي عن إقناع وفد النظام بتلبية مطالب المعارضة في ما يتعلق برفع الحصار عن المناطق المحاصرة وإدخال المساعدات إليها وإطلاق سراح المعتقلين من النساء والأطفال.
ولم تكن الأجواءالتي سبقت انعقاد هذه الجولة من المحادثات والتي باتت تعرف بـ «جنيف 3» تشيرإلى إمكانية تحقيق أي تقدم، رغم التوافق الدولي على إطار عام للحل رسم ملامحه بيان فيينا 2 والقرار الدولي 2254 مع ما تضمنه من الإشارة إلى بيان جنيف 1، وهو الأمر الذي أدركته الهيئة العليا للمفاوضات مبكراً، ما دفعها لرفض المجيء إلى جنيف بدون انصياع النظام للشروط التي كانت أعلنتها.
وكان قرار الهيئة العليا، بعد اجتماعات ماراثونية في الرياض، هو إرسال وفد مصغر من ثلاثة أشخاص للالتقاء بالمبعوث الدولي، للاتفاق على الأسس التي ستنطلق بناء عليها المحادثات وضرورة تلبية النظام لشروطها. إلا ان تدخل وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ووزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند عبر وزير الخارجية السعودي عادل الجبير دفع الهيئة لتغيير قرارها خلال الساعات الأخيرة من يوم 29 كانون الثاني/يناير وإصدار بيان يؤكد توجه الوفد التفاوضي بالإضافة إلى 25 شخصية أخرى من الهيئة العليا للمفاوضات كمرجعية سياسية للوفد.
وخلافاً لما كان أشيع عن تغيير في قيادة وفد المعارضة للمفاوضات على خلفية ضغوط غربية، فقد ظل العميد اسعد الزعبي رئيساً للوفد، وجورج صبراً نائباً له، ومحمد علوش الذي وصل متأخرا يومين كبيراً للمفاوضين.
ورغم وصوله لجنيف، تردد الوفد كثيراً في لقاء دي ميستورا قبل تحقيق مطالبه، إلا انهم عادوا عن هذا القرار بعد اجتماعٍ مع سفراء مجموعة الدعم الدولية عقد في السفارة الفرنسية، ليلتقوا دي ميستورا يوم الاثنين، وأعلن عقبها المبعوث الدولي انطلاق المحادثات رسمياً، وهو ما نفاه أكثر من متحدث باسم الهيئة، فأكدوا ان اللقاء لا يندرج في إطار المباحثات غير المباشرة، وان المعارضة لا تزال تنتظر تحقيق النظام لشروطها.
وكان وفد النظام برئاسة السفير بشار الجعفري قد وصل جنيف قبل ذلك بأيام، تلبية لرسالة الدعوة التي نصت على بدء المفاوضات في 25 كانون الثاني/يناير، وعقد اجتماعاً مع المبعوث الدولي ولم يدل بعده بأي تصريحات. وكشف الطرفان في مؤتمرين صحافيين، عقدا يوم 2 شباط/فبراير حجم الهوة التي تفصل مواقف الطرفين. وتسرع المبعوث الدولي في الدعوة للمحادثات، وكان لافتاً قول المتحدث باسم الهيئة العليا للمفاوضات سالم المسلط للصحافيين «سترون خلال الأيام القليلة المقبلة كيف سيعمل وفد النظام على إفشال هذه العملية»، بينما كرر بشار الجعفري رفضه ما قال إنها شروط مسبقة تضعها الهيئة قبل الشروع في المحادثات، وانتقد المعارضة لعدم اتفاقها على قائمة موحدة للتفاوض، ولما قال إنه «ارتهان» للداعمين الإقليميين، في إشارة للسعودية وتركيا.
وعلى خلفية هذه التصريحات وما عكسته من احتمال انهيار التحضيرات للشروع في المحادثات غير المباشرة، حذر دي ميستورا من أنه «إذا فشلت المفاوضات بعدما حاولنا مرتين في مؤتمرات جنيف، فلن يكون هناك أمل آخر بالنسبة لسوريا». لكن ذلك لم يحل دون إعلانه تعليق العملية إلى 25 من الشهر الجاري، وسط تشكيك بإمكانية استئنافها في التاريخ المحدد.
وقال رئيس الهيئة العليا للمفاوضات رياض حجاب، الذي وصل جنيف يوم إعلان التعليق «على الرغم من الإيجابية التي أبدتها الهيئة، إلا أن النظام وحلفاءه كثفوا عملياتهم العسكرية، وضاعفوا عدد الغارات الجوية التي استهدفت الغوطة والمعضمية وحلب وإدلب وريف حمص وريف اللاذقية ودير الزور، وتوسعوا في عمليات القصف ضد المدنيين لتشمل مخيمات اللاجئين، وأدت إلى إزهاق أرواح المزيد من السوريين الذين قضوا بالبراميل المتفجرة والقنابل العنقودية والقذائف الفراغية والغازات السامة، فضلاً عن الحصار الجائر الذي يفرضه النظام وحلفاؤه على العديد من البلدات والمدن».
وأوضح حجاب: «بناء على سياسة تصعيد القصف واستهداف المدنيين، وما نتج عنها من مجازر مروعة في مدينتي عندان وحريتان، وغيرهما من قرى وبلدات ريف حلب الشمالي، وريف حمص الجنوبي، قرر الفريق المفاوض مغادرة جنيف، ريثما يتوفر المناخ المناسب للبدء في مفاوضات جادة تفضي إلى إنشاء هيئة حكم انتقالي بصلاحيات تنفيذية كاملة».
وقال إن «قرار الحرب والسلم في سوريا بيد إيران وروسيا» واتهم النظام السوري بأنه «لا يريد الحل السياسي، ولا سيما في ظل تمسكه بسياسة القتل والتصعيد»، مشيراً إلى أن «المعارضة لن تعود إلى جنيف إلا بعد تلبية المطالب الإنسانية على الأرض»، لافتاً إلى» دعم المعارضة لأي جهد يفضي إلى هيئة حكم انتقالي لا تشمل من تلطخت أيديهم بالدماء».
وعكست تصريحات حجاب وغيره، من المتحدثين باسم وفد الهيئة العليا للمفاوضات حجم المخاوف من التقدم الذي حققته القوات الموالية للنظام السوري، بدعم من الطيران الحربي الروسي في الريف الشمالي لحلب، خاصة بعد فكها الحصار عن بلدتي نبل والزهراء الشيعيتين، وقطع المدينة عن ريفها الشمالي وبالتالي عن خطوط الإمداد إلى تركيا، ما شكل خطراً داهماً على إمكانية صمود المعارضة في حلب، وانتزاع ثاني أكبر المدن السورية من يد قوات المعارضة لصالح قوات النظام.
وعلى خلفية هذا التقدم لقوات النظام، بدا واضحاً أن وفد النظام السوري برئاسة الجعفري لم يكن معنياً بتقديم أي تنازلات حتى في ما يتعلق بالمطالب الإنسانية التي طالبت المعارضة بتحقيقها، ورفض الجعفري ربط التطورات الميدانية بما يجري في جنيف، بل كعادته حاول الوفد التركيز على ما قال إنها «حرب على الإرهاب». وقال الجعفري في مؤتمر صحافي، إن «أطرافاً إرهابية تشارك ضمن وفد المعارضة السورية المنبثق عن مؤتمر الرياض»، في إشارة لوجود ممثل عن جيش الإسلام، موضحاً أن «من يتحدث عن شروط مسبقة يريد عرقلة الحوار السوري وإفشاله». ولفت إلى أن «تأخر وفد المعارضة عن الحضور إلى جنيف دليل على عدم الجدية والمسؤولية، وتصريحات بعض المسؤولين الغربيين توحي بأننا نفاوض تلك الدول وليس معارضين سوريين».
وقال الجعفري إن «لا أحد يعرف حتى هذه اللحظة من هو الطرف الآخر، وليست هناك قائمة نهائية بأسماء المشاركين، والأمم المتحدة لا تملك أي قائمة نهائية بأسماء المشاركين من الطرف الآخر، وهناك جهات إقليمية وعربية ودولية تعيد الأمور إلى نقطة الصفر بإصرارها على فرض طرف واحد».
وأضاف أن «الطرف الآخر تحدّث عن فشل الحوار قبل أن ينخرط فيه وحتى قبل أن يقرر المشاركة، وهذا دليل على عدم الفهم السياسي وعدم معرفة مضمون القرار 2254 وبياني فيينا»، مشيراً إلى أن «هناك عملية تراكمية سياسية يجب البدء منها. ومن يتحدث عن شروط مسبقة يعني أنه آت إلى الاجتماع لتقويضه، وبالتالي هو غير حريص على نجاح الحوار».
وردا على ما جاء على لسان الجعفري، ـوضح المتحدث باسم الهيئة العليا للمفاوضات رياض نعسان آغا لـ «القدس العربي» أن «لا صحة لعدم تقدم الهيئة بقائمة بأسماء وفدها للمفاوضات للمبعوث الدولي»، وأن «كافة ترتيبات السفر إلى جنيف، التي اعدت امس كانت على أساس القائمة التي تم ارسالها من الهيئة إلى الأمم المتحدة». لكنه لم ينف ان الهيئة «لم تستطع تحقيق أي انجاز على الأرض في ما يتعلق بمطالبها للشروع في المحادثات».
وأدى الفشل الذي منيت به محادثات جنيف 3 إلى تبادل الاتهامات بالمسؤولية. وأجمعت تصريحات المسؤولين الدوليين المشاركين في مؤتمر لندن للمانحين على ضرورة استئناف المحادثات، بينما حمل الجانب الأمريكي مسؤولية فشل المفاوضات للقصف الروسي الكثيف على مناطق المعارضة.
وأعلن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، انه اتصل بنظيره الروسي سيرغي لافروف وطلب منه وقف الضربات الجوية الروسية ضد المعارضة في سوريا، بينما أشار رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، إلى أن «الأزمة السورية لن تنتهي إلا بمرحلة انتقال سياسي»، داعياً «أطراف النزاع إلى العودة لطاولة الحوار».
كما دعا وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس روسيا والنظام السوري لوقف الغارات وحصار المدن في سوريا، موضحاً أن «الهجوم الوحشي الذي يشنه نظام الأسد بدعم من روسيا ينسف المحادثات».
من جانبه، أكد الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، أن «التكثيف المفاجئ للقصف الجوي والنشاط العسكري في سوريا يقوض محادثات السلام»، داعياً «الأطراف إلى العودة إلى طاولة التفاوض».
وأوضح أن «من المؤلم للغاية أن تتقوض الخطوات الأولى للمحادثات بسبب عدم وصول القدر الكافي من المساعدات الإنسانية، وبسبب تكثيف مفاجئ للقصف الجوي والأنشطة العسكرية داخل سوريا».
وكان جون كيري قال في بيان سابق إن «مواصلة الهجوم الذي تشنّه قوات النظام السوري، مدعومة بالغارات الروسية، على مناطق تسيطر عليها المعارضة، أظهرت بوضوح الرغبة لدى النظام وموسكو بالسعي إلى حلّ عسكري بدلاً من إتاحة المجال أمام التوصل إلى حلّ سياسي».
ودعا كيري «النظام السوري وداعميه لوقف قصفهم للمناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة ولا سيما حلب»، مطالباً «النظام السوري وروسيا بـالوفاء بالتزاماتهما، وإعادة الثقة إلى المجتمع الدولي، بأنهما يرغبان في التوصل لحل سلمي للأزمة السورية».
لكن، رغم كل هذه الاتهامات للنظام وروسيا بالمسؤولية عن توقف المحادثات حتى قبل ان تبدأ، لا يبدو ان الأطراف الداعمة للمعارضة بصدد الضغط بأي شكل من الأشكال على النظام السوري لدفعه لتقديم تنازلات جدية. وبدا أحد أعضاء الهيئة العليا للمفاوضات متشائماً من إمكانية العودة إلى جنيف في 25 من الشهر الجاري، ومتخوفاً من التطورات الميدانية على الأرض إن لم يتم وقف ما وصفه بالعدوان الروسي على مناطق سيطرة المعارضة في سوريا ودعم فصائل الجيش السوري الحر بأسلحة نوعية لوقف تقدم النظام في محافظتي حلب ودرعا.
أحمد كيلاني