«انْتَبِه أنْتَ في حَضْرَةِ مَوْلانا»… هوامش على كتاب «الطَّريق إلى قُونِيَة» للسوري خليل النعيمي

«إبْدُ كَما أنْتَ، أوْ كُنْ كَما تَبْدو»
[جلال الدين الرُّومي]

الهامش الأوَّل.

دُفْعَة واحِدَةً، وبِشَغَفٍ كبيرٍ، قرأْتُ كتاب صديقي الطبيب الجرَّاح، والروائي السُّوري المُقِيم في باريس، خليل النعيمي «الطريق إلى قونية». فأنا في أواخر النصف الثاني من السبعينيات، قرأْتُ مقاطِعَ مُتَفَرِّقَةً من كتاب «مثنوي» لجلال الدين الرُّومي، عَثرْتُ عليها بالصُّدْفَةِ، في صَفحاتِ كتابٍ، كانتْ مَرْمِيَةً في أحد الشَّوارع القريبة من المكان الذي فيه كنتُ أُقيم رُفْقَةَ العائلَةِ. لَمْ أفْهَم عُمْقَ ما كان يَخْتَزِنُه هذا الكلام من أسْرارٍ، وما كان فيه من خَبايا، فما شَدَّنِي إليه، هو هذا الاسْتِثْناء في التَّعبير، الذي لم أكُن أعرِف أنَّه مُتَرْجَم من لُغَةٍ أخرى، فاسْمُ صاحِبِه، أوْهَمَنِي بأنَّه عربيّ، فالتَهَمْتُ كلامَه بِدَهْشَةٍ عجيبَةٍ، وكان أمَلِي، دائماً، أن أعْثرَ على الكِتاب الذي منه خَرجَتْ هذه الصَّفَحات، لِتُوضَعَ في طريقي، دون غيري من العابِرِين، وكأنَّها ضَوْءٌ قادَنِي إليه قَدَرِي.

الهامش الثاني.

في بداية الثمانينيات، وأنا في شارع الرشيد في بغداد، أبْحَثُ عن كُتُبٍ التراث، التي كانتْ هي ما شَغَلَنِي كثيراً خلال مُقامي في العراق، بدا لِي على أحَدِ الرُفُوف العالية لإحدى المكتبات، كتابٌ يحمل اسم جلال الدِّين الرومي، في جُزْئَيْن، طَلَبْتُ من صاحِب المكتبة أن يَسْحَبَه من الرَّف، وأظنُّ أن المكتبة هي مكتبة المتنبي، بطبقاته المختلفة، لأجِدَ نفسي في مُواجَهَةِ «مولانا»، كما أصْبَحْتُ أنادِيه، في ما بعد. إنَّه كتاب «مثنوي»، هكذا، بدون ألف ولام، الذي كان ترجَمَه محمد عبد السلام كفافي، وصدر في بيرون في ستينيات القرن الماضي.
منذ هذه اللَّحْظَة، توطَّدتْ علاقَتِي بالرُّومِي، واكْتَشَفْتُ أن الكِتابَ مُتَرْجَم، وأنَّ التَّرْجَمَةَ كانت بَدِيعةً، رَغْمَ ما أبداه تلميذ كفافي، الأستاذ إبراهيم الدسوقي شتا، من نقد لبعضها، في ترجمتِه اللاحقة لكُلّ أجزاء الكتاب. كان حِرْصِي على اقْتِناء كُل ما له علاقة بجلال الدِّين الرُّومي، نوعاً من البحث في تراث هذا الصُّوفي العظيم، الذي اكْتَشَفْتُ من خلاله سَمِيّه، الذي رَجَّ حياتَه، وقَلَبَها على نفسها، رأساً على عَقِب، شمس الدين التبريزي، الذي خَصَّصَ له «مولانا» ديواناً كاملاً، وهو الديوان الذي ترجمه البشير قهواجي، ونشره بيت الحكمة في تونس، في طبعةً جميلة، وورقٍ سميك، بصور وألوانٍ، وخطوطٍ تليق بهذا العمل الجِدِّيّ والعام، الذي كنتُ اقْتَنَيْتُه من مكتبة الكتاب، في ساحة بورقيبة.

الهامش الثالث.

ديواني الأوَّل «فاكهة الليل»، الذي كتبتُ نصوصه في ثمانينيات القرن الماضي، كان جلال الدين الرومي هو من افْتَتَحَه بكلامه الذي يقول فيه «إنَّ الهَواء الذي أنْفُخُه في هذا النَّايّ هُو نارٌ، وليس هَواءً وريحاً، كُلُّ مَنْ لَيْسَتْ لَه هذه النَّار فَلْيَمُتْ». فأنا اليوم، عُدْتُ، وبِرؤيةٍ، أخرى، مُغايِرَة، للاشتغال على تجربة «مولانا»، ليس بالمعنى الصُّوفِيّ السطحيّ المُبْتَذَل الذي أصبح لُغَةَ من لا لُغَة لهُم، بل بنوعٍ من التَّصادِي الرُّوحِي، الذي عادَ بِي ثانيةً إلى والِدِي، المَجْذُوب الذي كان جَسَدُهُ في شَطْحِه، ودورانِه، وانْخِطافِه، هو لُغَتُه، وهذا ما شَدَّنِي لكتاب خليل النعيمي، الذي كان والِدُه هو من حرَّضَهُ على أن يخوض مُغامَرَةَ الذَّهاب إلى بلاد الأناضول.

الهامش الرابع.

في هذا الكتاب، حاوَل خليل أن يُدَوِّنَ ما تَختثر في نفسِه، وفي رُوحِه، وفي وِجْدانِه، وفي ذاكرته، مِمَّا شاهَدَهُ، وعاشَهُ في «قُونِيَة»، في «تكية مولانا»، وفي الفضاء الذي اخْتارَه، مولانا، وَطَناً لَهُ، بعد أن تركَ وَطَنَه الأصلِيّ في «بَلَخ» في أفغانستان، هَرباً من غَزْوِ المغول الذين سيلْحَقُون به. في «الطريق إلى قونية»، كان خليل النعيمي، يسْتَشِفُّ ما أحاط بـ»قونية» من طبيعَة، الهضاب والأراضي التي كانت طبيعةً لم تخرج من الطبيعةِ بعدُ، رغم بشاعة المعمار الذي ما فَتِئ يُحاصِرُها، وكان يُنْصِتُ، بِحِسِّ الرَّحَّالَةِ المُعاصِر، وبِحِسِّ «الجرَّاح»، الذي تَنْغُل أنامِلُه بِحِبْرِها، لِما كان يَفِدُ عليه من هَواء وشَمسٍ وظِلالٍ، من هذا المكان النَّائي، من هَضبَة الأناضول، الذي فيه ألْقَى الرُّومي عِبْئَهُ، وفيه اجْتَرَحَ طريقَتَهُ في «الرَّقصِ الحَلَقِيّ»، الذي هو دَوَرانٌ حول نقطة الكون، وحَوْل هذا الوُجود، الذي لا يمكن للجَسَد أن يكون حيّاً مُفْعماً بحيويته وبروحانيته وإشراقه، إذا لَمْ يكن مُفْعَماً بالغِناء، وبصوتِ النَّايّ، أو بنارِه التي هي الحياة، رغم ما فيه من جَمْرٍ.

الهامش الخامس.

في أرض الأناضول، تلاقَتِ الدِّيانات الثلاثة، وكان قبلها «الجُودِيّ» رَسا، على جبل «أرارات»، هُناك، حيثُ غَاض الماءُ، وبدأَتِ الحياة تعودُ لـ»طهارتِها» و»عِفَّتِها» و»نقائِها» الذي كان أصابَهُ «دَنَسُ» الإنسان، الذي «طَغَى»، فهل تعني رحلة الرُّومي، وهو يَمُرُّ بـ»حلب» و»دمشق»، رفْقَةَ والِدِه، قبل أن يترُكَه في مواجَهَة قَدَرِه، هي رِحْلَة إلى هذا النَّقاء، الذي كان جَوْهراً في نَفْسِه، وفي رُؤْيَتِه التي كانتْ انْخِطافاً، ونوعاً من الدُّوارِ، أو الإغْماء الذي لم يَسْتَطِع مُقاوَمَتَه، حين فاجَأَه شمس الدِّين التبريزي بسؤاله الصَّاعقِ والمَاحِقِ، في الآنِ: «المّعلّم؟»، لِيُطَوِّحَ به في غَيْبُوبَةٍ، وخَدرٍ عاتِيَيْنِ، لَم يخرُجْ منهُما، إلى حين خَرَجَ من هذا الوجود، تارِكاً وراءَهُ أنْفاسَه، أو نارَهُ التي كان خليل النعيمي يَسْتَشْعِرُها، ليس فقط، في وجُوه، وملامِح، وحركات، زُوَّار «ضريح مولانا» في قونية، وفي ما كانوا يُقيمونه من لَيْلاتٍ باذِخَةٍ، بل في نَفْسِه، هو أيضاً، هذه النَّفْس التي فَقَدَتْ «سُوءَها» في لحظَة من «الهياج» الجماعي، كما فَقَدَتْ طاعَتَها لوَعْيِها، لِتَجِد نَفْسَها داخِلَ هذا الدُّوار الذي كانت تنخرط فيه ثقافات، وحضاراتٌ، وألْسُنٌ، وملامِح، لا شَيْءَ جَمَعَها، سوى نارِ «مولانا».

الهامش السادس.

ثَمَّة من رأى في شمس الدِّين التبريزي، أنَّه رَاوي ما في «مثنوي» من كلامٍ، وأنَّ جلال الدين الرُّومي كان ناقِلَ هذا «الوحي» البشري وأنَّه لولا هذا اللِّقاء بين الرَّجُلَيْن، لَما كانت لِمَولانا هذه المكانة التي هو فيها اليوم، في الشرق بصورة خاصَّةٍ، لكن، من يقرأ حياة هذا «العالِم»، وما حَظِيَ به من رعاية والِدِه «العالِم» أيضاً، سيُدْرِك أن جلال الدين، حين تركَ العلم والمعرفة، وتركَ كُلّ ما تعلَّمَه وراءَهُ، فهو كان وَصَل إلى المعرفة بالمُواجَهَةِ، وبالتَّجْرِبَة، والتَّأمُّل، وبالإنصاتِ لتفاصيل الأشياء، ودقائقها، بهذا الصَّمْت الذي اخْتارَه لينوب عن الكلام. فانْقِلاب حياة الرُّومي، وارْتِجاجُ معارفه التي حَصَّلَها من الكُتُب، ومن مُعلِّميه وشيوخه، وانْطِمارِها، أو تَخثرِها في أعماق روحِه، كان بإيعازٍ من شمس الدِّين التبريزي، الذي كان السَّفَر والتِّرْحال والسَّيْر في أرْض الله الواسعة، وفي خلاءاتِه الفسيحة، هو ما أفْضَى لَه بمعارفه. فهو عَرَفَ من دُونَ كتابٍ، لم يقرأ، بل شَهِدَ، أو «هو الذي رأى» وفق ما جاء في أسطورة «جلجامش»، رأى كُلَّ شيء، لِيَنْعَقِدَ لِسانُه عن قَوْلِ كُلِّ شيء. ولعلَّ في الرُّومي، الذي صار شِبْهَ ناطِقٍ باسْم التبريزي، ما جعل كُلَّ واحِدٍ منهما يكون لِسان الآخَر، وصَوتَه الذي هو هذه النَّار التي ما زَالَتْ تَنْبَعِثُ من نايِ «مولانا»، حارِقَةً، تَفْضَح دواخِلَ الإنْسان، وتَفْضَح الرُّوح في الجَسَدِ العابِرِ، المُتَحلِّلِ، مهما اسْتطابَ مُتَع الوُجود ولذَاذَاتِه.

الهامش السابع.

كتاب خليل النعيمي، أيْقَظَ في يَدِي رَعَشَاتٍ، هي نَفْسُها الَّتي لَمْ أخْرُج منها، منذ عَرَفْتُ جلال الدِّين الرُّومي، وحافظ الشيرازي، وشمس الدين التبريزي، وغير هؤلاء من الصوفيِّين غير العرب، الذين هُم أفق آخَر للمعرفة، تفاديه، هو جَهْل بالتَّصوُّف العربي، وبلُغَةٍ، لا يمكن اكْتِشاف أسْرارِها، إلاَّ بمواجهة هذه الكتابات، وبالسَّفَر، أو اللِّقاء بمواطِن هؤلاء، ممن تركوا في ذِمَّتِنا دَمَهُم. أو كما يقول خليل النعيمي في الصفحات الأخيرة من الكتاب «فمن لا يعرف كيف يعبُر، لا يعرف كيف يُقيم»، مُسْتَعيداً بطريقته الخاصَّة، صُوفياً آخر، هو النِّفَّرِيّ، الَّذي ظَلَّ مجهولاً لزمنٍ طويل، رغم اسْتثْنائيته، واستثنائية طريقته في النَّظر، وفي السَّفَر.

الهامش الثامن.

يتميَّز كتاب «الطريق إلى قونية»، باقتصاده في التَّعبير، وبكثافة لغته، وصُوَرِه، وبما يكتنفه من بُعْدٍ فلسفي، أو ما كان يُبْدِيه الطبيب من حِكَمٍ، وفق ما كان يفعلُه الأطباء الإغريق، في ما تركوه من كتاباتٍ، كانت تعبيراً عن الجوهَر المعرفيّ، أو الفلسفي، الذي كان من خِصال الأطباء، وخليل، هو أيضاً، جرَّاح بالمِشْرَطِ، وجرَّاح بالقَلَمِ، لا فَرْقَ، فالأثَرُ هو نَفْسُه في الحالَتَيْن.
وإذا كان خليل يعتبر كتابَه هذا، كتابَ رِحْلَة، وهو على حقّ، فأنا قرأْتُه باعتباره سفراً في جوارِح النَّفْس، التي ما فَتِئَتْ تُناهِزُ طفولَتها، أو ما يمكن النَّظَر إليه باعتباره وَعْداً، غير مُعْلَنٍ، أو غير مُتَّفَقٍ عليه، بين الابن «خليل»، والوالِد الراحِل «حَمَد»، لِيَحُجَّ الابنُ بالنِّيابَة إلى قُونِيَةَ، في حال تَعذُّر ذلك على الأب، وهذا رُبَّما، صديقي خليل، هو سِرُّ إهداء الكتاب إلى الوالِد. فهو بقدْر ما فيه من السِّيرة، بقدر ما فيه من السَّفَرِ، بما يعنيه السَّفَر، هذه المرَّة، من سَفَرٍ في مخابِئ النَّفْسِ البِلِيلَةِ.

كاتب مغربي

صلاح بوسريف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية