اوباما والشرق الأوسط: سياسة حذرة تقود للكوارث

حجم الخط
1

لندن – «القدس العربي»:أصبح الحديث عن تغير بوصلة السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط موضوعا حاضرا ومثيرا للجدل سواء في مراكز البحث والإعلام الأمريكي والبريطاني أو في أروقة السياسة العربية. وقد أنفجر الحديث عن مسار السياسة الخارجية في المنطقة بشكل أوضح عقب تراجع الرئيس باراك أوباما عن قراره ضرب النظام السوري بسبب إستخدام السلاح الكيميائي العام الماضي، وإنكشف «عقم» إدارة الرئيس أوباما في الأزمة العراقية الأخيرة، حيث حمله الجمهوريون، بمن فيهم ديك تشيني، نائب الرئيس الأمريكي السابق مسؤولية تبديد التضحيات الأمريكية في العراق عندما إنسحب دون أن يترك قوة للمساهمة في بناء الجيش العراقي وتدريبه لدرء التهديدات الأمنية. وألقي على الرئيس اللوم بأنه وإدارته تجاهلا كل التحذيرات حول صعود مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” في سوريا. بل وأخذ المعلقون والنواب من الجانب الجمهوري المعارض يتساءلون عن سيناريو مشابه سيحدث في أفغانستان حال مضى الرئيس في قراره سحب القوات من البلد نهاية عام 2016. ينسى ناقدو أوباما أنه كان في العراق يقوم بتحقيق الوعد الذي قطعه على نفسه للناخب الأمريكي بسحب القوات منه. وأن عدم بقاء قوات أمريكية هناك مرتبط برفض نوري المالكي مناقشة الموضوع. وواجه أوباما السيناريو نفسه مع حامد كرزاي الرئيس الأفغاني الذي رفض توقيع معاهدة أمنية مع واشنطن. وهذا لا يعفي أوباما من المسؤولية لأنه لم يبد قيـــادة حازمة في العراق حيث تركه ساحة لإيران ولم يحاول ممارسة أي نفوذ، خاصة أن الولايات المتحدة هي المزود الرئيسي له للسلاح وقام بتدريب الجيش العراقي الذي إنهار في حزيران/يونيو أمام مقاتلي التحالف السني.
واتهم أوباما خاصة في الأزمة السورية بتجاهل توصيات قادته العسكريين والأمنيين ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون بتسليح جماعات مختارة من المعارضة السورية قدموها عام 2012. وجاءت موافقته على المقترح الروسي بتسليم أسلحة النظام السوري الكيميائية ضربة لحلفائه السعوديين ودول الخليج التي أستثمرت الكثير من أجل التخلص من نظام بشار الأسد. ولأول مرة في تاريخ الدبلوماسية السعودية يخرجون للعلن في نقدهم للإدارة الأمريكية، خاصة الأمير بندر بن سلطان، مدير المخابرات السابق. وشعر السعوديون بخيانة واشنطن التي تخلت عنهم. ولم تنجح زيارة أوباما للسعودية نهاية آذار/ مارس بكسر الجليد بعد.
وتنبع مخاوف دول الخليج أكثر من التقارب الأمريكي- الإيراني والمفاوضات حول الملف النووي الذي تم من خلف ظهرها، والحديث عن تحول واشنطن شرقا، أي جنوب شرق آسيا وتعزيز أمن المحيط الباسيفكي وتعزيز فرص التجارة مع الدول الأسيوية ومواجهة التهديد الصيني. ويترافق هذا التوجه مع تحول في أمن الطاقة الأمريكية حيث وصلت أو قاربت على تحقيق الإكتفاء الذاتي من الطاقة مما يعني ضمنا الإستغناء عن نفط الخليج.
ولم تكن سوريا مصدر الغضب الوحيد من أوباما بل وطريقة تعامل الإدارة الأمريكية مع الربيع العربي وتداعياته التي أدت لصعود الإسلام السياسي، وهو التيار الذي باتت دول مثل الإمارات تنظر إليه كتهديد لوجودها وأصبحت رأس الحربة في الحرب عليه. ونعرف كيف غضب الملك عبدالله من أوباما وعجزه عن حماية الرئيس حسني مبارك، الديكتاتور المصري الذي أطاحت به ثورة شعبية في كانون الثاني/يناير 2011.
هذه الأحداث إن أخذت في مجموعها تعطي فكرة عن تحول أو تغيير في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط ولكنها مظهر لمشكلة فهم أكثر من كونها تحولا في السياسة، لأن معالم العلاقة الأمريكية مع المنطقة يحكمها عاملان: أمن إسرائيل وأمن الخليج وما يتعلق بهما من دعم الإستقرار في مصر والأردن لحماية معاهدتي السلام مع إسرائيل وتأمين دول الخليج التي تعتمد في أمنها على الوجود العسكري في منطقة الخليج وحماية منابع النفط فيها، ولم يحدث أي تغيير على هذا الصعيد. فأمريكا ملتزمة بإسرائيل والخليج، وقواعدها العسكرية المنتشرة في دول الخليج وأساطيلها المرابطة فيه وقواتها الخاصة التي تعمل على مكافحة خطر القاعدة دليل على عدم حدوث تحول في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، فالمشكلة تنبع من فهم إدارة أوباما لدور أمريكا في العالم وكيفية حل النزاعات الدولية، فقد جاء للحكم بعد 8 أعوام كارثية على أمريكا بسبب غزو العراق وأراد فتح صفحة جديدة في العلاقات مع العالم العربي والإسلامي، ألقى خطابه الشهير في جامعة القاهرة عام 2009 وبدأ مبكرا في الملف الإسرائيلي- الفلسطيني وأطلق وعودا في كل مكان. وكان أوباما يحاول الخروج بالسياسة الأمريكية من مفهوم الوضع القائم ودعمه، إلى سياسة أكثر واقعية دوليا وتجنب كما فعل سلفه بوش التلويح بإستخدام القوة العسكرية والإقتصادية لنشر أجندة الحرية والديمقراطية. وأكد على التشاركية في حل النزاعات الدولية والرجوع للمؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة التي طالب اليمين المحافظ بإصلاحها كي تسير حسب أجندتهم. ومن هنا فالتعارض بين نهج الواقعية الذي قرن بتجنب خوض نزاعات مكلفة وبين تأكيد سيادة وقوة أمريكا خلق توترا في علاقة أمريكا مع دول العالم العربي والأنظمة الإستبدادية فيها. ويمكن القول إن سياسة أوباما إتسمت بإستمرارية السياسة الأمريكية التقليدية تجاه الشرق الأوسط، وسعت في الوقت نفسه إلى إعادة التوازن بين المصالح الداخلية والخارجية، واعترفت بصعود قوى أخرى وهي الصين والبرازيل والهند. وإضافة إلى ذلك تجنب أوباما استخدام القوة العسكرية مقابل القوة الناعمة، واعتمد في حربه على الإرهاب على القوات الخاصة والطائرات بدون طيار كثيرا. كل هذا يجب أن لا يدفعنا إلى الشك في أن أوباما أظهر عدم إكتراث واضح بقضايا المنطقة، نظرا لأنه رئيس لا ينزع في سياسته إلى عقيدة سياسية واضحة، ومن سوء حظه أنه يواجه تركة ثقيلة من الأخطاء الأمريكية الفادحة في المنطقة والتي تناست طموحات الملايين من أبنائها ودعمت حكومات إستبدادية وقمعية. ومن هنا بدا أوباما في بعض الحالات ميالا للعزلة عن قضايا المنطقة رغم الخطب والشعارات التي أطلقها. كان بإمكان أوباما في ولايته الثانية تحقيق تحول في السياسة الخارجية لأمريكا منسجمة مع طموحات شعوب المنطقة، خاصة أنه متحرر من قيود جماعات الضغط والمصالح، لكنه حتى الآن وكما أظهر موقفه من الإنقلاب في مصر العام الماضي لم يظهر قيادة حاسمة وإبتعد عن توصيف ما حدث هناك تاركا الأمر لوزير خارجيته جون كيري. وقد تكون رؤيته مرتبطة بفرضية أن السياسة الخارجية تصنعها مؤسسات وليس افراد. ولعل تردد أوباما تجاه قضايا المنطقة وخوفه من تكرار كارثة العراق ناتج من صعوبة توصيف عقيدته السياسية. فحتى الآن يجد المراقبون صعوبة في توصيف عقيدته، حيث يبحثون في خطاباته عن معالمها، وكأن أبرزها ما قاله في خطابه أمام طلاب الأكاديمية العسكرية «ويست بوينت» في أيار/مايو حيث اقترح شراكة في محاربة الإرهاب، وتفويضا للدول التي تعاني منه بقتاله ولكن بدعم أمريكي. وستكون مواقفه في الشرق الأوسط جزءا من إرثه السياسي. وتساءلت صحيفة «الغارديان» عن ماهية هذا الإرث قائلة: إنه سيخلف وراءه عالما منقسما ويعيش عنفا أكثر من ذلك الذي ورثه. فهل أوباما مسؤول عن هذا كله؟ الجواب نعم ولا، فالرئيس الأمريكي يظهر بسبب العراق في وضع سيىء، وبحسب إستطلاع أخير فهو أسوأ رئيس أمريكي منذ الحرب العالمية الثانية. وفي إشارة إلى تراجع الدعم للرئيس اختار واحد من كل ثلاثة أمريكيين أوباما كأسوأ رئيس. ويظهر الإستطلاع الذي أجرته جامعة كوينينغباك مستوى من الخيبة لدى الناخبين في الإدارة الأمريكية. وأهم القضايا التي أنتقد فيها الأمريكيون أوباما كانت إدارته للإقتصاد (55٪) فيما لم توافق نسبة 57٪ على الطريقة التي تعامل بها مع أزمة العراق وسوريا وأوكرانيا، وحصل على نتائج سيئة من الناخبين حول الطريقة تعامله مع قضايا المناخ والإرهاب وبرنامجه الصحي. ولا تتناقض نتائج الإستطلاع الأخير إلا بالأرقام مع إستطلاعات أخرى حيث تظهره رئيسا مترددا وغير حاسم في القضايا الخارجية، وأوباما وإن حاول في سياساته المضي مع نبض الرأي العام المتعب من الحرب والرافض للمغامرات العسكرية التي دمرت اقتصاد البلد وخسر الآلاف من جنوده في العراق وأفغانستان إلا أن الرأي العام يريد رئيسا يظهر قيادة في الشؤون الدولية، خاصة أوكرانيا وسوريا. وتقول «الغارديان» إن أوباما لم يكن قائدا قويا كما توقع الكثيرون منه. ولكن تحميله مسؤولية كل ما حدث تحت ناظريه والأخطاء التي ارتكبها الرؤساء الثلاثة من قبله أمر مضلل. فالأزمة في العراق وسوريا ما هي إلا مظهر من مظاهر تكشف القوة الأمريكية في العالم والتي بدأت في السبعينيات من القرن الماضي، السنوات التي شهدت هزيمة الجيش الأمريكي في فيتنام (1975) والثورة الإسلامية في إيران (1979). وترى أن السياسة التي ينتهجها أوباما تستعيد “الفتنمة” التي تبناها نيكسون وهنري كيسنجر، والتي تعني مساعدة الآخرين ما داموا يقومون بالقتال بأنفسهم.
ويعكس أوباما في سياساته المزاج العام المتعب من الحرب والتدخلات الأجنبية، لكن «الفتنمة» لم تنجح. فقد إنهار جيش جنوب فيتنام عام 1975 والجيش العراقي عام 2014. والفارق الوحيد أن الجيش الفيتنامي واجه قوة ضخمة وقاتل أحسن من الجيش العراقي. وهنا ليس مهما أي أسلوب أتخذ لمواجهة العدو طالما ظلت السياسة خاطئة. وفي النهاية يطلب التاريخ من القادة إتخاذ القرارات ويعاقبهم عليها مهما كانت طبيعتها. وأوباما وعلاقته بالشرق الأوسط ليست بدعا.

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية