ثمة حقائقُ، لا تخلو من حدها المأساوي، خاصة منها تلك المقترنة بالمجال الحضاري والثقافي، بفعل تورطها في قضايا شائكة، لم تكتمل بعد الشروط الملائمة للخوض فيها، كما هو الشأن بالنسبة لما يتم إنتاجه، ومن دون أي رؤية نقدية ذاتية، من خطابات فضفاضة حول إشكالية الحداثة.
وهو إنتاج لا يكاد يختلف في شيء، من حيث الجوهر، عما يتم تصنيعه يوميا، وعبر مختلف الوسائط الإعلامية من خطابات، عبثا تحاول إقناعنا بحمولتها الفكرية، أو السياسية، أو الاجتماعية، بفعل افتقارها إلى الحد الأدنى من العقلانية، والمعرفة الواعية باشتغال إوالياتها في كل من المراكز أو الهوامش، على حد سواء. فالمتلقي للخطابات المتمحورة حول أنواء الحداثة، ومتاهاتها، يستشعر حال دنوه منها، عنفَ ذلك الارتباك الكبير المستبد بمنطوقها، والناتج حتما، عن حالة مزمنة من الفصام الثقافي، الحاضر بقوة في تفاصيل ما تلهج به من آراء وتصورات.
فِصام يؤدي إلى ظهور تشققات واسعة في بنيات هذه الخطابات، نتيجة وعيها العميق، بوهم اندماجها في لعبة لا قِبَل لها بضراوتها، أو بسخافتها، وبخطورة الاستغراق في إيقاع شطح، لا علاقة لإيقاع أجسادها به. إنها مأساوية الاندماج في خطابات «آخر» محروس بمسافاته ومساحاته، وحواجزه، ومهاويه، في صورة عَراءٍ تام، يستميتُ من أجل التماهي مع زمن صقيعي، ممعن في قسوته القارصة، حيث لغةُ الذاتِ ليست بعدُ مؤهلةً للإنصات إلى ذاتها، فبالأحرى إلى أصوات لغات الآخر وإيقاعاته.
ذلك هو مصدر الارتباك، المتجذر في ما يدبجه المثقف العربي من خطابات حول الحداثة، والذي يلح على مُداراتِه، في أفق استسلامه لهوس قفزة ذهنية طائشة، لا علم له تماما بمستقَرّها المنتظر، والذي لا يعدو أن يكون جرفا عميقا، ينتهي إلى قراره مطاف ما يدبجه من خطابات. تلك هي حالتنا، حيث لن يكون بوسعنا التأكد من وهم حضورنا، إلا عبر حتمية الانتماء لفيء تلك الشجرة المسماة بالحداثة، أو بالأحرى، تلك العصا القابلة للإعلان عن هويتها الماحقة، وهي تلتهم كل الخطابات الإبداعية والجمالية، والفكرية، التي يمكن أن تغامر بانتقالها المتهور من «عقم» هوامشها، كي توجد حيث هي. إنه خطاب الحداثة، يعلو ولا يعلى عليه، الذي يغريك بحلم التموضع فيه، كي تحس، كما لو أنك تحولت خلسة إلى نواة سحرية، ومقدسة، داخل فاكهة أسطورية، مهيأة لأن تبتلعك تماما، قبل أن تفكر أنت في تذوقها.
والحال إن الأمر يتعلق بتهافت غريب، على الانتماء إلى المشهد الكوني، المعبر عنه في مرجعيات لها أسسها وقوانينها، وإوالياتها الخاصة بها، حيث يكون الخطاب حريصا على تمويه ارتباكه، وتمويه ما يتغلغل فيه من خواء، باستحضارات متتالية وعشوائية، لأعلام الحداثة الكونية، التي يكون لها دور مباشر، في تنويم القراءة، كي تصرف انتباهها عن ملاحظة الارتباك الفاجع الحاضر في تضاعيفها. إن إلحاح الخطاب على استحضار أرواح سادة الحداثة وأوليائها، يهدف إلى إيهام القراءة، بمصداقيته ومشروعيته. فالرمز الحداثي المستحضر، يكون أكثر أهمية من استحضار مشروعه النظري والفكري، حيث لا داعي للتورط في إثارة الإشكاليات المركزية، الحاضرة في مسارات هذا الرمز أو غيره، وبدل ذلك، يكفي القيام بعملية تشذير عشوائي لبعض مقولاته، من دون أن تكون لها بالضرورة أي علاقة موضوعية بالسياق الواردة فيه. إنها تتحول إلى مجرد جمل، أقوال، تعليقات، يمكن أن ترِدَ في أي حديث، في أي خطاب، وفي أي تعبير. وبالتالي فإن هذه الأقوال/الأعلام المستحضرة عشوائيا، ولا تحيل على أي منظومة فكرية معلومة، فإنها غير قابلة لبلورة أي فكرة، موقف، أو رؤية، باعتبار أن ما يستحضر كسند مقولاتي/مرجعي، لا يلبث أن يتبخر، كي يلقي بثقله الشبحي الكبير على السياق، متخذا شكل حاجز، يحول دون تدفق ماء الدلالة النصية.
إن الاستحضارات المرجعية، تبدو مبطنة بإحساس دفين بضآلة الكاتب/الكتابة، أمام أولياء الحداثة، علما بأن من يعاني من بؤس هذا الإحساس المزمن، لا يمكن أن ينتمي بحال إلى فضاءاتها. وكما هو معلوم، فإن عملية الاستحضار، هي على درجة كبيرة من الحساسية، وذلك بسبب الاختلافات الجذرية القائمة بين النسق المستحضر، والمستحضر إليه، مما يضاعف من حضور عملية التكييف القسري للشواهد، كي تنسجم وضدا عليها، مع السياق المقحمة فيه.
إن الأمر يتعلق بسوء فهم، وبسوء تقدير للفوارق الدلالية القائمة بين الأنساق، الذي قد يجد تبريره، في الاشتغال المشترك «بالثوابت الكبرى!»، التي يتعذر معها إيلاء أي اعتبار لخصوصية ما. والحال، أن هذا التبرير قد يكون ممكنا، حينما تضيق نسبيا تلك الفوارق القائمة بين الحضارات، حيث تتأكد إمكانية إعلان النماذج الأصلية عن حضورها المشترك، هنا كما هناك، ولكن وفي حالة مواراة هذه النماذج الأصلية، تحت جبال وأراض من الاختلافات الثقافية والاجتماعية، والتاريخية، حيث لا مجال لتلمس الحد الأدنى من بنيات التماثل والتشابه، فإن عملية الاستحضار، تعتبر في حد ذاتها، جريمة معرفية وحضارية لا تغتفر.
إلى جانب ذلك، يلاحظ أن أهم ما يراعيه المتهافتون على خيمة الحداثة، خوضهم في المعيقات العامة، التي تعاني منها المجتمعات العربية، من قبيل غياب الرؤية العقلانية للعالم، وهيمنة السلط السلفية، بمختلف امتداداتها، غياب العدالة الاجتماعية، والتقاليد الديمقراطية، إلى جانب انعدام الحق في التفكير، وفي التعبير، والجهل بمفهوم الهوية، وغيرها من الإشكاليات القابلة لأن تدمج في سياق الكتابات العامة، بعد إخضاعها لقليل من التحيين، الذي يساعد على ربطها بسياق أحداث وملابسات، مألوفة في حياتنا اليومية.
إن بؤس هذه الخطابات، يتمثل في اشتغالها بالكليات الفضفاضة، في حين، تظل التفاصيل الفارقة متمنعة عليها، بفعل عجزها عن تمثلها معرفيا وثقافيا، وهو العائق الذي يتعذر تجاوزه ما لم تتحقق إمكانية التخلص من سلطة الاجترار، وسلطة الاستظهار، فضلا عن تفشي حالة الشعور بالضآلة، أمام المرجعيات «المقدسة». أيضا يمكن معاينة البؤس ذاته، من خلال إيلاء القليل من الاهتمام بمعجمها، وأساليبها المعتمدة في البرهنة والحجاج، حيث تظل مطبوعة بنبرة وعظية، يمكن الحديث معها، عن ازدواجية رؤية فكرية، ظاهرها حداثي، وباطنها سلفي وفقهي، تتصاعد من أعضائه المتكلسة روائح البخور. رؤية، يحاول ظاهرها أن يتقمص مُسحة العقلانية، فيما يكون باطنها، موجها بنداءات الأرواح القديمة. إنه الخطاب المزدوج، بالمفهوم الفج والقدحي للكلمة. خطاب زئبقي، مرده ذلك الارتباك، الناطق بضمير ثقافي معطوب، وذلك الفصام الرهيب، الحال في ذوات مخلصة لنداءات السلف المقيم فيها، قدر إخلاصها للرغبة في الانتماء إلى سحرية الكوني واستحالاته.
إن البؤس المضاعف هنا يتمثل في الكتابة بالذاكرة، المستهدفة أصلا من قبل الحداثة، باعتبارها عبئا، ورمزا للتخلف، وعائقا ينبغي تجاوزه، إنها ذاكرة تشتغل بتقنية الجذاذات، ذات الطابع المدرسي، الذي قد تكون له – ربما- مشروعيته بين الحيطان الأكاديمية.
إن الأصل في هذا البؤس، الذي ليس لنا سوى أن نقر بحضوره، هو تداخل عناصر متنافرة في بناء الذات، عناصر موسومة بتعدد اعتباطي، مزاجي، وعشوائي، لا علاقة له بالتعدد العقلاني، لأنه وهنا تحديدا، موجه بالحسابات الضيقة، الملزمة سلفا بمراعاة الشروط المحايثة لقول ما، ولسياق ما. إن الأمر يتعلق أيضا بتلك الرقابة الذاتية المتجذرة فيها، والتي تعرقل أي إمكانية للتفكير الحر. بمعنى أن شبح الحداثة، يمارس رقابته على شبح القدامة، والعكس بالعكس. إن الأمر له علاقة بوهم الاختصاص. وهو أمر مغلوط، ومفترى عليه، وغالبا ما يعود إلى جهل تام، بالقنوات التي تتسرب عبرها الخطابات المضادة والعشوائية إلى مادة الاختصاص، التي غالبا ما تكون ضيقة، ومقتصرة على عناصر جزئية وباهتة، هي المقابل الموضوعي للفقر المعرفي، وضيق أفق الرؤية. ذلك أن الاختصاص الفاعل والبناء، هو الذي يكون مؤهلا لاحتواء الهوامش اللانهائية، المتساكنة في محيط القول، وقادرا على التقاط الأصداء الخفيضة المقبلة من أفاقها القاصية، باتجاه مراكز الكون، ومراكز الرؤية والتمثل. أيضا، هو الذي يكون خبيرا بتقنيات الإنصات إلى ذلك الحوار المتعدد الأطراف، والمتعدد المسالك، العابر لأرض الاختصاص.
لكن خارج هذا الاحتمال، تظل إشكالية الحداثة العربية مطمئنة لضمور خطاباتها، باعتبار أنها لا تحتل إلا هامشا ضيقا في الاهتمامات العامة للمثقفين والمبدعين، الذين يجدون في الخطابات السجالية والإبداعية ضالتهم الكبرى، من موقع استنادهم في تحقيق فعل الحضور، إلى حظوة الطاقة الانفعالية دون غيرها. وهو شيء طبيعي، يعود- ربما- إلى غياب العمق الجسدي في بنية القول، وإلى الاحتجاب التام للغيمة داخل البنطلون. إن شاشتهم الثقافية، غير مهيأة تماما للكشف عما تتهيب العين من رؤيته، حيث تنعدم إمكانية الحديث عن الحداثة، بالصيغة المرجعية المعتمدة لدى أوليائها. إن تخليص الجسد من أسماله يحتاج لعدة قرون، والنظر إلى الحداثة بعيدا عن النظر إلى الجسد، يظل مجرد وهم، وتحريف مباشر لمجال الرؤية وجمالياتها.
شاعر وكاتب من المغرب
رشيد المومني