تدق الطبول و«الزكرة» الناي ليبياً، وتنتاب الأبدان قشعريرة فرح مزيف مع فخر يتسلق الكبر ليزايد كل على الآخر بنتائج تضارع ذلك الفرح.
إنها نتائج الشهادة الثانوية للعام الجاري في ليبيا، المغموسة في وحل مؤسسة آلت على نفسها إلا أن تعتمد هكذا نتائج دون مراقبة وبإهمال سواء أكان متعمداً أم غير متعمد، للانحدار بالتعليم إلى أدنى مستوياته وتعميم الجهل وترويج ما يمكن ترويجه، فنغفل ما يدور حولنا وما يخطط لنا على الصعيدين الداخلي والخارجي، أو أقله لتنعم تلك المؤسسة بإكبار وإشادة اليونسكو فتصبح في مصاف الدول الضليعة، في هذا الميدان.
مأساة أسس لها ذلك المنظر، الرئيس السابق معمر القذافي، الذي أسقط العملية التعليمية فضربها في العمق بضرب العنصر الأساسي فيها، وهو هنا المعلم، الذي نال منه فأفقره وجعله يترنح ويفقد مصداقيته ويتنصل من واجبه تجاه تلاميذه ويتجه إلى مجالات أخرى. فنراه في مشهد آخر، يبيع الطماطم في سوق الخضراوات أو سائق سيارة أجرة. مجالات لم يطرقها من قبل كي يسد رمقه ويعتاش كبقية بعض أطياف المجتمع التي تنازع النفس الأخير وتصارع لتجد لنفسها مكاناً على خريطته.
ما الذي ننتظره من مدرس يحجب عنه معاشه لمدة تصل أحياناً الستة أشهر، كما غيره من بعض فئات الشعب الأخرى، مدرس منهك في أعمال أخرى ليست لها صلة بالعملية التعليمية، التي يجب أن يكون مجنداً ومهيأ لها نفسياً وذهنياً ليتعاطى مع تلاميذه بكافة مستوياتهم، وخاصة الذين يمرون بفترة المراهقة، التي تتطلب تركيزاً وإيلاءها أهمية كبرى وتعاوناً متبادلاً بينه وبين الأسرة وإدارة المدرسة. وكيف يتأتى لمدرس حتى ولو عكف وانكفأ على عمله أن يوفق في العملية التعليمية، التي تتطلب التركيز على قدرات الطالب ومواهبه وحاجياته النفسية، تقييمه التقييم الصحيح ليؤهله ويعده إعدادا جيداً ليكون عضواً فعالاً في المجتمع، بعدد يصل الأربعين طالباً أو يفوقه هذا فصل واحد فقط. إلى ذلك التقصير في تهيئة الطالب للاستفادة من المعلومات التي يستقيها من منهجه وتمّكنه من استثمارها، إذ في الامتحان النهائي عادة ما يلقى على عاتق الطالب الاستعداد له بحفظ مواد المنهج عن ظهر قلب في أحسن الأحوال ليحرز نتيجة أقلها مقبول كما حاول قبله جاهداً مرهقا لحوز رضا المعلم واتقاء شر عصاه التي تتربص به إذا تقاعس عن صمّه، فيعفى من استيعابه لما يتلقى ويُضرب بالعملية التعليمية عرض الحائط.
والأدهى أنه في أسوأ الأحوال وأردأها وفي خضم هذا الهزل والاستخفاف بالعملية التعليمية، نرى بعض الطلاب يختصر الطريق فلم يعد يكلف نفسه عبء الاستيعاب والمذاكرة، فيلجأ إلى وسيلة الغش بما يطلق عليه (اِلحجَيبات) أي وريقة على هيئة حجاب، ينقل فيها الطالب ما تهيأ له، ولم تبخل عليه التقنية بجهاز نقال وسماعته فيؤدي الغرض نفسه. وفي هذا السياق وما يزيد الطين بلة أن بعض المدرسين الذين يتوقون إلى نتائج مذهلة لإثبات جدارتهم وعطاءاتهم للعملية التعليمية، والرزء الأكبر حتى على مستوى بعض مدراء المدارس، أدلوا بدلوهم في الإجهاز على العملية التعليمية والتربوية برمتها، فتتوج تلك المدارس بهالة تلك النتائج، وتصل الحالة ذروتها بأن يضع المدرس الكتاب على منضدته، فيهدد، متقمصاً مختلساً لوهلة دور النزيه، من يغش منه، ثم يقف أمام باب الفصل حارساً، حتى لا يُكشف أمره ويترك الدبابير يلتهمون ما لذ وطاب. ولا ينتهي بنا الأمر إلى هذا الحد بل نصل إلى درجة شراء الذمم، فيُقرع باب المساومة لضمان نجاح الطالب حتى بصندوق مشروب وأشياء أخرى فيصبح نداً والمجتهد، فيصاب الأخير بالإحباط ويصدم في مبدأ من المبادئ التي يُتكأ عليها وهو هنا العدل. ناهيك عن تسريب أسئلة الامتحانات من حين إلى آخر من بعض العاملين في الوزارة أو من بعض المدرسين. فكيف ننحي باللائمة على الطالب الذي استشف ذلك من ذوي القدوة، الذين لم يعيروا تلك العملية التربوية اهتماماً. وما نلمسه الآن من دونية تجاه المعلم إلا إفرازات لهكذا ممارسات ولما رسخه له النظام السابق، وهي كفيلة بالإطاحة به وبالعملية التعليمية برمتها، التي من المفترض أن يكون المعلم الداعم لها وعمادها، مؤمناً بأهميتها في رفع مستوى أفراد المجتمع وفي تحقيق التنمية الشاملة، وعنصراً لتلك الدينامية والحركة الدائبة التي يتسم بها التعليم بما يواكب معطيات العصر العلمية والتقنية ومتطلباته وبما يحدث التوازن بين الكم والكيف بنضج تجارب وخبرات تربوية متراكمة للدفع بالتعليم للسير في عجلة التقدم. لتحقيق ذلك يتطلب إعداده إعداداً جيداً لمواكبة تلك القفزات العالمية في هذا المجال بدورات تدريبية تطور قدراته وتمتنها، فيردف العملية التعليمية بالمساهمة في تحقيق الأهداف التربوية بتنمية الشخصية المتكاملة للطالب مع إيلاء الجانب الروحي والأخلاقي والولاء القومي أهمية كبرى، وهذا بالتالي ما يجب أن تنطوي عليه مناهجنا في تحقيق التنمية الشاملة للمجتمع الاقتصادية منها والاجتماعية والعدالة الاجتماعية والوحدة الوطنية، مناهج تخاطب مهارات التفكير العالية للطالب وأساليب مشوقة تجعل الطالب ينجذب للعملية التعليمية فلا ينفر منها ولا يزهدها كما، تدفعه للمشاركة فيها بإقحامه في تلك العملية وإدماجه فيها فيساهم ذلك في تحفيز طاقاته بنشاطات مدرسية وتفعيلها والوثوق في شخصه وتنمية الروح الاجتماعية بحثّه على العمل الجماعي وإشعاره بتحمل المسؤولية فيكتسب تلك الثقة والإحساس بأنه جزء مهم لا يتجزأ من العملية التعليمية ويُعتد به بضلوعه فيها.
الوقوف حائط صد ضد محاولات عرقلة الإصلاح وإهدار الطاقات والقدرات، ومواكبة التطور وذلك بإصلاح المنظومة التعليمية وتخير الكادر المؤهل الذي يضطلع بالتعليم ويرتقي به إلى أعلى مستوياته، ومحاسبة كل من ساهم في الإساءة إلى هذا المضمار وقام بتشويه الصورة المفترضة له، سواء أكان ذلك بأدلجته أم بتسييسه باتجاهات سياسية تكرس مبادئها وتوطدها وتجهد لدس أغراض شخصية غايتها غسيل مخ لتحقيق ما تصبو إليه في مناهجه. ذلك إذا آمنا إيماناً قوياً بأهمية التعليم وإذا ما أُريد له أن يكون بحق عاملاً فعالاً من عوامل النمو الثقافي والاجتماعي والاقتصادي لمجتمعنا لبناء مجتمع تقني متطور، بالأخذ بسياسة التخطيط في وضع المناهج وتصميمها بالضالعين في هذا المجال، وإخصائيين في علم النفس والاجتماع، بما يساير النهضة العلمية والمساهمة فيها والانتفاع بتجارب الدول التي لها باع طويل في مجال التعليم، ولتكون مضامين تلك المناهج السند القوي للتنمية وتحفيز الخلق والإبداع لدى الطالب إلى جانب الانضباط المدرسي بالمراقبة والمتابعة واختيار الموهوبين لرعايتهم وتبنيهم معنوياً ومادياً ليثرونا بإبداعاتهم وعطاءاتهم.
والتخلص من سلطان التقاليد البالية التي بدأت تزحف إلينا من جديد بثوب قشيب والحذر منها. وتهيئة مناخات نفسية وفكرية سوية يترعرع فيها أبناؤنا وأجيالنا القادمة، فيتخرج الطالب بشهادة تمثل قدراته ومدى استعداداته للمساهمة وإحداث قفزة كبيرة في بناء مجتمع معاصر وليس عبئاً عليه ينوء بعقد نفسية، تراوده أفكار متطرفة تغوص في أعماق التخلف، يعيش في متاهاتها فتربك خطاه وأداءه وتعرقل مسيرته وبالتالي مجتمعه.
زينب محمود ـ كاتبة وإعلامية ليبية