باب الوادي في قلب مدينة الجزائر فسيفساء بشرية وسيول جارفة

حجم الخط
1

باب الوادي/الجزائر «القدس العربي»: لا يمكن لأي سائح أو وافد إلى الجزائر أن يدّعي أنه خبر فسيفساء البلد جيدا، وأخذ لمحة وافية شاملة عنه، واستنبط تركيبته الاجتماعية، إن لم يزر أو يجول في أزقة وحارات حي باب الوادي الشعبي، قلب المدينة النابض وشريانها الدافق، وخزان وقود ثوراتها. اسم يكتسب شهرة عابرة للحدود والجغرافيا في البلاد، بكل تناقضاته وتفاعلات أبنائه من طبقات المجتمع المختلفة والمتنافرة، وما تحويه شوارع ضيقة ملتوية من قصص وحكايات تعود إلى نشأته قبل أزيد من قرنين.
حينما وصلت الحي العريق والأكثر شعبية في الجزائر في آخر زيارة لي، استقبلتني كالعادة ودوما كنيسة السيدة الافريقية الشامخة التي تطل من الأعلى على امتداد الشاطئ لتحرس قديما البحارة في عرض المياه وتهَب المكان خصوصية وفرادة مميزة. كان في انتظاري محمد الملقب بالشنوي، كناية عن اسم فريق مولودية العاصمة الذي يشجعه، والمحبوب هنا كثيرا، ويسمى مناصروه بـ(الشناوة) أي الصينيين باللهجة الدارجة، نظرا لكثرة مشجعيه وأعدادهم، وجلهم يقطنون أزقة كيتاني وتريولي والبازيطة وشوفالي وكليما دوفرانس. لم يتوقف صديقي الذي ترعرع في الحي الذي ولد فيه أيضا والده، قادما إليها من بلدة أزفون في منطقة القبائل، من التذمر من تراجيديا التغيرات التي يشهدها المكان الذي قضيت فيه أنا أيضا، أوقاتا عدة منذ صغري، وأمضيت فيه الكثير من اللحظات، وتعرفت على أناس كثر وربطتني بالعديد من أبنائه علاقات وثيقة. يؤكد صديقي الموظف في إحدى الدوائر الحكومية أن الحي أصبح مختلفا عن ذي قبل ومن الصعب أن أتعرف عليه بدقة بسبب التحولات المفصلية لتي يشهدها، وأفرزت اختلالات عدة بدأت في رأيه تقضي تدريجيا على ميزته وفرادته وسمعته التي احتفظ بها على مر السنين وكانت له دمغة لم يكن من السهل محو وشمها لو لم تكن هناك إرادة قوية تنتهج هذا الدرب.
يعتبر محمد بكل ثقة أن اسم الحي الذي تأسس أواخر القرن التاسع عشر اقترن من قبل بروح المقاومة على الاستعمار، وكان في أيام الثورة التحريرية ضد الاستعمار الفرنسي قاعدة خلفية للمجاهدين، ومن محلات أصحابه تجمع التبرعات لدعم المجاهدين. وتميز بعد الاستقلال بالتمرد على ظلم وتعسف السلطة مما جعله دوما يدفع فاتورة غالية ويواري بشكل مستمر جثامين العشرات من شبابه، ونهج أبناؤه على تسميته بحي الشهداء، كناية على أنه مخزن المقاومة الشاملة لكافة أشكال الظلم. في أحداث أكتوبر 1985 والتي كانت أبرز ثورة شعبية شهدتها الجزائر في تاريخها ولو كان هناك تواطؤ أطراف في السلطة ضد النظام الحاكم، مات أيامها العشرات في المسيرات التي انطلقت للمطالبة أولا بتحسين ظروف العيش ثم بالحريات الأساسية تاليا. وأثناء الأزمة الأمنية التي شهدتها البلاد حمل أبناء كثر من الحي السلاح في وجه أفراد الأمن وصعدوا إلى الجبال لاسترجاع ما اعتبروه حقهم المشروع المسلوب منهم بعد فوزهم في الانتخابات التشريعية التي ألغاها الجيش سنة 1992. ولاحقا تغلغلت إلى الحي عناصر من الجماعات المسلحة التي كانت تنطلق منه لشن العديد من العمليات ضد أهداف محددة، ووفر لها بعض السكان من مناصريها المأوى وأتاحت لهم تضاريس الحي، وطبيعته العمرانية وتداخل عماراته ومبانيه وقرب أسطحها من بعضها حرية الحركة لاستهداف عناصر الدولة.

الشهداء يرحلون

محدثي يتحسر على ما آل إليه الحي الذي فقد ميزته ولم يعد جل أبنائه يكترثون لما حولهم ولتردي أحوالهم، وانغمس بعضهم في ملذاتهم وإدمانهم بسبب أوضاعهم البائسة، أو يركض الكثيرون خلف لقمة العيش. لم يعد هناك يشدد محمد، من يكترث لما هو خارج الصندوق الذي غلف نفسه فيه ويعيش لنفسه فقط ولتجاوز همومه وضاعت القضايا الكبرى برأيه. خمدت نيران البركان وأصبحت هادئة ولم يعد لها وجود والعواصف لم تعد تهب من أية جهة ومخزون الثورات نضب والناس ماضية مستسلمة اكتوت بلهيب الأسعار وضيق المباني التي زادت كثافتها السكانية وضاقت بساكنيها الذين لم يجدوا عنها بديلا وأصحاب بيوت عدة ينامون بالتناوب لعدم وجود متسع للجميع في شقق غالبيتها من مساحات صغيرة جدا لا تتجاوز السبعين مترا مربعا والغرفتين.

سحنات ولهجات

يؤكد عمر لولو صاحب محل (الدولار) وهو أحد أشهر المتاجر المتواجدة في قلب باب الوادي، ويقع مقابل السوق الشعبي الساعات الثلاث الذي يشهد ازدحاما طيلة ساعات النهار، أن الحي يختزل الجزائر كلها في مساحة جغرافية ضيقة. وبرأيه تسكن هنا مجموعات عدة وفدت من عدة مناطق من الوطن واستقرت فيه. ويشير إلى أنه حين يجلس الشخص في أي مقهى يسمع بوضوح تلك اللهجات واللكنات المختلفة في تناغم وتجانس جميل وتنصهر كلها من دون أي تنازع أو تنافر بين متحدثيها. تنوع يضيف قائلا أنه لا يُشاهد فقط في الخارج وفي الشوارع، بل يتعداه إلى داخل البيوت وإلى الوجوه التي تحمل سحنات مختلفة بسبب تزاوج عناصر مختلفة متعددة ومن أعراق كثيرة. ويعتبر الرجل الذي تجاوز عقده السادس وقضى سنوات عمره كلها في المكان، وتعرف فيه بحكم تجارته على أناس كثر وعايش مختلف مراحله، أن والده الذي اشترى المحل من أحد المعمرين الفرنسيين كان شاهدا على بدايات الحي الذي كان في الأصل حكرا على (الأقدام السوداء)، وهي تسمية تطلق على المستوطنين الأوروبيين الذين سكنوا أو ولدوا في الجزائر إبان الاحتلال الفرنسي للجزائر (1830-1962). وروى لنا خلال جولة رافقنا فيها إلى المعالم التي يتذكر كل تفاصيلها ورسخت في ذهنه، أن الطابع العمراني للحي تغير كلية وشهد توسعا لافتا، خصوصا بعدما نزح إليه بعد الاستقلال سكان الأحياء المجاورة، من القصبة، وباب الجديد وسوسطارة، وحتى من مدن داخلية عدة استحوذوا على الشقق والسكنات التي تركها خلفهم المعمرون الأجانب حينما غادروا الجزائر بعد اتفاقيات إفيان. وآخرون شيدوا سكنات عشوائية وفوضوية في مجرى الوادي وعلى أسطح البنايات وقضوا على الغطاء النباتي بالإسمنت المسلح الذي غزا المنطقة.

سيول جارفة

يعتبر عمر أن الفوضى التي شهدها الحي كانت السبب في المأساة التي لا يزال الكثيرون ومنذ صبيحة العاشر من تشرين الأول/نوفمبر من عام 2001 يعيشون على وقع ذكراها الأليمة التي مرت بهم. وتحضرهم مشاهد السيول الجارفة التي حصدت معها أرواح نحو ألف شخص من ذويهم وأقاربهم، وغمرتهم المياه المتدفقة من كل مكان، والتي ملأت الشوارع والطرقات وعلى مستواها. ويلقي الأهالي باللوم على السلطات المحلية التي لم تبذل في رأيهم أي جهد لمنع بناء الكثيرين سكنات عشوائية على مجرى الوادي. كما أنهم يتهمون بعض المسؤولين بسد قنوات صرف المياه التي كانت تلقي بها في البحر وتخفف من حجمها في مواسم الأمطار والتي بنتها السلطات الفرنسية عند تخطيطها للمدينة، مما تسبب في ارتفاع منسوبها عن وضعه الطبيعي.

بروليتاريا وبرجوازية

محدثنا الذي كان جل أبناء الحي ممن تجاوزوا عقدهم الثالث يحيونه حيثما حل لمعرفتهم له، أكد أن ميزة باب الوادي التي استوقفته وخبرها بحكم تعامله مع الجميع، وجود فئات غنية جدا وميسورة مع أشخاص معدمين بالكاد يحصلون على قوت يومهم، وآخرون لا يملكون حتى ما يسدون به حاجاتهم الأساسية. وأشار إلى وجود طبقة من البرجوازيين الأصليين وليسوا من حديثي النعمة، ربطتهم بالحي أُلفة غريبة ووثقوا خطاهم فيها ورفضوا الانتقال إلى الأحياء الراقية التي تتزايد أعدادها في العاصمة. ويضيف أن حالة غالبية سكان الحي من أبناء الطبقات الفقيرة والكادحة تزداد سوءا وهم ينحدرون إلى الدرك الأسفل بسبب الفاقة. عامل يعتبر أنه السبب في جعل الوجوه دوما مكفهرة والنفوس تكاد تكون محطمة والأرواح تحلق عاليا وتبحث لها عن ملجأ آخر. أما الشباب والمراهقون فأفئدتهم علَقت فيما وراء البحار، ومن وجد سبيلا شق دربه نحو الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط.

قصص نجاح

عرفنا مرافقنا على شعبان الوناس، وهو رجل أعمال معروف، وأحد الأثرياء في العاصمة وسبق له أن رأس نادي مولودية العاصمة، أكثر الفرق الكروية شعبية في الجزائر. وكشف لنا حينما التقيناه في زاوية بالقرب من السوق الشعبي أنه شق طريق النجاح وصعد المراتب انطلاقا من الحي حيث كانت له في ذات النقطة التي وقفنا عليها طاولة لبيع القماش. وأضاف أنه بعزيمة وإصرار كبيرين بدأ يتدرج في أعماله، حيث اشترى محلا تجاريا لتتوسع مشاريعه ويقتحم عدة قطاعات قبل أن يفتحها الله عليه بخيره الوفير. وهو دوما يعتبر باب الوادي نقطة انطلاقه الحقيقية وهو دافع جعله يرغب في تسديد دين لأبنائه بدعم فريقهم المحبوب والاستثمار فيه أثناء رئاسته له حتى نال بطولات محلية وقارية وكؤوس عدة لمعرفته بولع الشباب وعشقهم للمولودية التي يسكن حبهم لها في وجدانهم.

تناقضات صارخة

خلال جولتي التي امتدت انطلاقا من مقر القيادة العامة للأمن العام التي تبدأ حدود الحي منه، وصولا إلى تخوم بلوغين، مرورا بالكيتاني والرميلة، لاحظت تزايد حدة الاختلاف الصارخ الذي وصل حد التناقض في سيماء وملامح وهيئة أبناء وبنات باب الوادي. منذ القدم كانت ميزة الحي ذلك التعايش الآسر بين مختلف مكوناته الاجتماعية، ودرجة التسامح العالية، وتقبل الآخر مهما كانت الاختلافات بينهما بينة.
قبل الاستقلال عن فرنسا، تجاور الأوروبي مع العربي، وسكن في العمارة نفسها المسلم مع المسيحي واليهودي، ولم تكن بينهم أي حساسيات أو حزازات ولكل دربه ومساره المرسوم. على أعلى تخوم الحي تقم كنيسة السيدة الافريقية التي تعد الأكبر في المنطقة، ويمارس المسيحيون شعائرهم بحرية وبأريحية ومن دون قيد وعاشت راهبات وسط المناطق الأكثر شعبية. في أسفل الوادي يقع مسجد السنة الذي كان أحد أبرز معاقل الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ومقر التيار السلفي والمنبر المفضل للقيادي في الحزب علي بلحاج. ومن باحته ينطلق مناضلو التيار الإسلامي في مسيرات ومظاهرات صاخبة تجوب مختلف المناطق بعضها سلمية وأخرى تتخذ أشكالا عنيفة تجابه بتدخل حازم من قوات الأمن المتمركزة في مقرها الذي يسمى اختصارا المقاطعة الخامسة. وبعد إرساء التعددية السياسية في الجزائر سجل الحي منافسة بين مختلف التيارات والأحزاب بتوجهاتها المتضاربة، الراديكالية والإسلامية منها، والعلمانية، ودخلت في سباق محموم للاستحواذ على قاعدة واسعة وتؤمن لها مناصرين كثر، وكان النصيب الأوفر منها للتيار الإسلامية الذي سيطر بشكل مطلق على الشارع وامتلك ناصيته والأمزجة التي كانت تبارك أي مشروع مواز للسلطة اقتربت منها.

فسيفساء بشرية

أي سائح يتجول في شارع عبد الرحمن ميرة الرئيسي تسترعي انتباهه ومن دون أن يبذل جهدا ملاحظة جلية بارزة من عنوانها من خلال تحليل لطريقة لبس السكان. وفي مساحة ضيقة، يعبر منها الشاب الملتحي، مرتديا ثوبا أفغانيا متميزا بقصره، وينتعل حذاء رياضيا، ويحمل السواك بيمناه يتحدث همسا مع رفاق له عن آخر الفتاوي والدروس التي يلقيها المشايخ في مساجد الأحياء المجاورة.
وجنبه مراهق بقصة شعر غريبة، وسروال ينزل قليلا عن مؤخرته من دون حزام يضبطه، ويتدلى قرط من أذنه اليسرى، مع قميص مفتوح على صدر من دون زغب. وعلى الناصية المقابلة تسير بحشمة على الجنب، منقبة تسحب برفق جلبابها الفضفاض الواسع لتفتح بيدها المحشورة في قفاز أسود باب عمارة. تغادر للتو ومن ذات المكان، فتاة متحررة، سافرة بتنورة قصيرة، وتي شيرت يكشف عن جزء من صدرها، وقد رشّت رذاذ العطر الذي يتسلل إلى المساحات المجاورة، قبل أن تركب سيارة رفيقها الذي ينتظرها في الشارع وينطلقا في مغامرة مسائية. وعلى الضفة الأخرى يقف شبان يافعون على مداخل عمارات مظلمة من دون إنارة كافية، يحاولون أن يبدوا بصورة طبيعية، ويبذلون جهدا حتى لا يلفتوا الأنظار إليهم يدخلون ويخرجون بسرعة قبل أن يختفوا. يدخنون بشراهة وفي العتمة سجائر ملفوفة برقائق الحشيش الذي يبيعونه. تجارة المخدرات تعد أحد الأنشطة الرائجة في الحي ووسيلة الكثير من الشبان في رحلة البحث عن مدخول وافر من دون جهد عال باستثناء الخطورة التي تحف هذا المجال. كثيرون وجدوا هذا النشاط فرصة لتغيير وضعهم والدرب السهل الذي اختاروه للحصول على مداخيل معتبرة ينفقون بها على ملذاتهم. وفي المساء يقصد هؤلاء عشرات الحانات وأماكن اللهو وصالات القمار المنتشرة في الحي لانفاق ما غنموه من المتاجرة في الممنوعات وتجاوز واقعهم الصعب بخلق عالم مواز يفرون إليه من أنفسهم. أما من لم يكن مدمنا ولا علاقة له بهذا العالم السفلي فإنه يجد ضالته في المقاهي الشعبية المنتشرة في كل مكان، خصوصا صالون البهجة الذي يستضيف باستمرار فرق غناء شعبي تقدم في الأماسي وصلات يعشقها أبناء الحي يحفظون قصائدها ومغرمون بإيقاعها.

باب ضيق وواد بخيل

قبل أن أختم جولتي في هذا الحي، عرجت على مكتبة الشهاب التي تناضل للحفاظ على نشاطها وسط الأمواج العاتية التي تهب عليها. كانت بي رغبة لاقتناء كتاب أو مرجع تاريخي أجمعه من مادة إضافية عن تاريخ باب الوادي. التقيت بصالح بوكامل الذي ترعرع بدوره في أزقة الحي والذي أكد على ضرورة الاطلاع على نص الكاتب فوزي سعد الله الذي بحث كثيرا في تاريخ العاصمة وتناول مواضيع عدة عنها. وفي مقدمة نصه يشير إلى أنه: «كما تصاب باريس بالزّكام إذا هبَ البرْد على جادة بارباس، وتتشنج نيويورك لاضطرابات بروكلين أو مانهاتن، تحزن مدينة الجزائر أو تفرح حسب نزوات باب الوادي. ويعتبر الكاتب أن الذي «لم يعرف باب الوادي، لا حق له في الادعاء بمعرفة (البهجة) ويقصد بها العاصمة الجزائر. ويختم القول بأن الحي هو «باب ضيق ووادي بخيل، الأول زال من الوجود منذ النصف الثاني من القرن 19، والثاني أصبح طريقا سريعا في أعاليه، وعمرانا جميلا عند مصبه قرب قـاع السور. عندما التقيا قبل قرون في العهد العثماني إثر بناء أسوار القصبة وأبوابها، لم يكن أحد يتصور أن صداقتهما ستدوم حتى اليوم ويبقى اسماهما مقترنين ببعضهما البعض كالتوأمين حتى بعد اختفائهما من الوجود.

سليمان حاج إبراهيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية