في مجموعته القصصية «باتجاه الطريق»، الصادرة عن دار الثقافة الجديدة، القاهرة، التي قدَّم لها ـ بكلمات قليلة ـ الروائي صنع الله إبراهيم، يرصُد الشاعر والقاصّ حمزة قناوي سطوةَ وقسوةَ الواقع/ المدينة على أحلام ساكنيها ـ من الفقراء بشكل خاص ـ بما ينتهي بتلك الأحلام إلى التحطُّم على صخرة الواقع أو الاستسلام له والاصطباغ بألوانه، بعد أن يستنفد الإنسان كل ما يملك في سبيل تغيير هذا الواقع، وعندما يدركه اليأس من تحقيق أحلامِه التي لا تتجاوز ـ في كثير من الأحيان ـ الإحساس بإنسانيته وكرامته وتحقيق ذاته، وهي في الأصل حق له، لكن قسوة المدينة جعلت الحقوق أحلاماً، بل وأحلاماً صعبةَ التحقُّق!
تتجلَّى سطوة الواقع بأوضح ما يكون في النهايات الفاشلة لقصص الحب التي تبحث لنفسها عن مسارٍ مشروع في الحياة عن طريق الزواج، لكنَّ الواقِع المرير لا يسمح بالأمرين معاً، فالحب بطبيعته الروحية يختلف عن المتطلبات المادية للزواج، تقف المدينة شاهداً على هذه المفارقة، على امتداد قصص المجموعة، وأولها «والبحرُ ليس بملآن» فالمدينة القاسية تسخر من بطل القصة بسبب جنيهاته القليلة التي يبحث بها عن مسكَن، وماكينة الخياطة والمعول (من أدوات المدينة) تحاصر قصة الحب في «باتجاه الطريق»، وأضواء الكاميرات وسطوة المال تقضي على علاقة الحب في «قصة حب»، والفروق الطبقية والعِرقية تمنع اكتمال قصة الحب النادرة في أوروبا في «حقيبةٍ ليست لأحد»، وخبر خطبة المحبوبة للغير كان سبباً في غياب البهجة في «الذي لم يعد ممكنا»، والخوف والقلق يمنعان التواصل بين المحبين في «المسافات».
في قصة «خارج النص» لم تكتب ذات الكاتب القِصة بصورة مباشرة، ولكن الحياة كتبتها بمشاهدها المتنوعة، ونقرأ فيها: «هل نكتب الحياة أم تكتبنا؟ ألا يحتمل أن نكون أبطالاً في قصة تصوغنا فيها أنامل خفية؟»، لقد كتبت الذات القصة من حيث بدا أنها لم تكتبها، لأنها داخل الحياة، والحياة نفسها قصة، يصف البطل الورقة الخالية التي لم يستطِع تأليف كلمة منها وهو جالسٌ في مقهى الفيشاوي بـ«المشهد الحسيني»يصطخِبُ فيها العالم وتتصارع الموجودات، بين زوابع وأمواج حيواتٍ وتاريخٍ وبشرٍ وأمكنةٍ. تركها كمخاضٍ خاوٍ، وصراع لا يسفر عن شيء كالحياة تماما». هنا تسقط الحدود بين بحث الذات عن نفسها في إبداعها الخاص والواقع وما يفرضه عليها، لم تستطع الذات الكاتبة التعبير عن رغباتها وطموحاتها من خلال القص، وإنما وجدت الواقع يشد تلك الرغبات إليه؛ فإذ به هو الذي يكتب القصة، وفي النهاية يُسفِرُ ذلك الصراع عن لا شيء، وتُصبِح القصة مثل الواقع تماماً، لأنه هو الذي كتبها فصبغها بألوانه وطبيعته.
في آخر قصص المجموعة يلاحظ القارئ تلك المفارقة بين عنوان القصة ومتنها، فالقصة عنوانها «الأحلام» لكن عند الانتقال إلى المتن لا نجد أحلاماً، وإنما نجد واقعاً مُسيطراً على الذات حتى في حالة تخديرها/ ابتعادها عن الواقع، إنه الواقع الذي يطارد الأحلام/ الأماني، ثم يتجاوزها إلى الأحلام/ الرؤى، في سرد يصل بين الرؤية والرؤيا إلى حالٍ من الاتحاد، وكأن الواقع يحرم الذات حتى من حق الحلم، لتظل ما تعاينه الذات في واقعها هو ما تعاينه في منامها أو تخديرها، ليصبح ذلك دليلاً على توغل الواقع في حياتنا، فلا يعود هناك مجال للفرار منه حتى في الأحلام ، وإنما يجذبها الواقع إليه ويفرض عليها حضوره بكل ما يحمله من براءات الطفولة وأمنيات بمستقبل أفضل تنتهي بالفشل، في الأحلام أيضا! حين تعنف رئيسة القسم في الكلية الطالب اليساري الرومانسي المحبط من العالم «هل أنت سعيد الآن؟ لن تُعيَّن معيداً. زميلك الثاني في الترتيب كل عام سبقك وسيُعيَّن بدلاً مِنك. مبسوط يا دون كيشوت؟». لم تنجح الأحلامُ ـ إذن ـ في تجاوز الواقع أو الخروج من إساره، وعجزت الذات حتى عن تشكيل أحلامها بما يدل على تمام الاستسلام للواقع .
بدأت المجموعة القصصية بقصة «حياة» وانتهت بقصة «الأحلام» ولكن انتهاء الأحلام إلى الوقوع تحت سيطرة حياة/الواقع ينفي وجود الأحلام قصصياً وواقعياً، وتصبح الحياة/ الواقع صاحبة الوجود الفعلي، فلم تعد الحياة يتقاسمها الواقع والأحلام؛ لأن الواقع بقسوته على أحلامِ البشر أصبح صاحب السيادة، وتم نفي الأحلام إلى الأركانِ المظلمة.
في النهاية، وبعد قراءة المجموعة القصصية، قد يجذب الانتباه تصميم الغلاف الذي وضع الصخور بين شخصٍ يتطلع إلى البحر واتجاه الطريق إليه، ليصبح على من يريد السير «باتجاه الطريق» أن يحمل تلك الصخور على كتفيه أو يتعثر بها، كي يستطيع الوصول إلى البحر/ الحياة، ولكن يبدو أن ذلك لن يتم إلا ـ كما جاء على لسان بطلة القصة وهي تسأل حبيبها عن أي طريقٍ سيسلكانِ إلى البحر، فيجيبها: «عن طريق المقبرة» .
ناقد مصري
أيمن سعيد الكاشف