باتفاق تدريب المعارضة والسيطرة على «أشمة» السورية.. هل تؤسس تركيا للمنطقة العازلة؟

حجم الخط
3

إسطنبول – «القدس العربي»: بعد أيام قليلة من التوقيع على الاتفاق النهائي بين الحكومة التركية والولايات المتحدة الأمريكية على تدريب مسلحي المعارضة السورية، دخلت الدبابات التركية مدينة حلب السورية بعمق 35 كم لنقل جثمان سليمان شاه، جد مؤسس الدولة العثمانية، بالتزامن مع السيطرة على مساحة من مدينة أشمة السورية المحاذية للحدود التركية.
هذه التطورات المتسارعة، التي أظهرت رضى أمريكيا عن الخطوات التركية الأخيرة، وذلك بعد فترة من الرفض لرؤية أنقرة بالتعامل مع الشأن السوري، فتحت الباب أمام التكهنات حول فرضية وجود اتفاق أمريكي ـ تركي مبدئي على التأسيس لمنطقة عازلة داخل الأراضي السورية بهدف «حماية المدنيين» من الغارات اليومية التي تنفذها طائرات النظام، لا سيما على مدينة حلب المحاذية للحدود التركية.
الخطوة التركية بالدخول إلى الأراضي السورية وبهذا الكم من القوة العسكرية، ما كانت أن تتم بدون تنسيق مسبق مع الإدارة الأمريكية وفصائل المعارضة المسلحة «المعتدلة»، وهو ما أكدته أنقرة بالفعل حيث أعلنت تنسيقها مع الائتلاف السوري والإدارة الأمريكية التي ما زالت ترفض الطلب التركي المتكرر بإقامة «المنطقة العازلة».
وترفض تركيا منذ أشهر الدخول الفعلي في عمليات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة بمشاركة عربية ضد تنظيم «الدولة»، حيث اشترط الرئيس التركي رجب طيب أردوغان توسيع العمليات لتشمل نظام الأسد، كمقدمة لمشاركة بلاده.
يحيى مكتبي الأمين العام للائتلاف السوري المعارض أوضح أن نقاشات جدية تجري بين الحكومة التركية والولايات المتحدة الأمريكية من أجل إقامة «منطقة آمنة»، مشيراً إلى أن نقاشات الطرفين حول تدريب المعارضة السورية تطرقت إلى قضية «المنطقة الآمنة».
وقال مكتبي، في مقابلة خاصة مع «القدس العربي»: «المنطقة الآمنة خطوة مهمـــة جداً لتنفيذ مشروع العودة إلى سوريا وستكون خطـــوة استراتيجــية ونقطة تحول في مسار الثورة الســـورية للانطلاق نحو الخلاص من نظام بشار الأسد، وأيضـــاً من أجل تخفيف العبء عن الدول المستضيفة للمعارضة وأبرزهم تركيا».
ولفت مكتبي إلى أن اتفاق تدريب مسلحي المعارضة تم التوقيع عليه بشكل نهائي، متوقعاً البدء الفعلي بتنفيذه مطلع الشهر المقبل، في الأردن وتركيا على حد سواء، معبراً عن أمله في تؤدي مباحثات أنقرة وواشنطن إلى اتفاق قريب، كون معلومته تؤكد وجود ضغط تركي قوي على واشنطن للقبول بمقترح «المنطقة الآمنة».
وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، قال في تصريحات سابقة: «إن قوات المعارضة السورية التي سيتم تدريبها وتجهيزها ستقاتل تنظيم داعش، كما ينتظر منها في نفس الوقت أن تقاتل النظام، نحن والأمريكيون متوافقون في هذه المسألة». مشيراً إلى أن «بعض المنظمات الإرهابية وفي مقدمتها تنظيم داعش، ونظام الأسد، تعتبر تهديداً لأمن واستقرار سوريا. فكلهم يواصلون قتل الناس الأبرياء بكل وحشية».
ووضع هذا الاتفاق حدا لأشهر من المباحثات الصعبة بين الدولتين حول تدريب «المعارضين السوريين المعتدلين». وكانت وزارة الدفاع الأمريكية قد أعلنت في منتصف كانون الثاني (يناير) الماضي أنها تعتزم إرسال نحو أربعمائة جندي، بينهم قوات خاصة، لتدريب من سمتها «المعارضة السورية المعتدلة».
من جهته، رأى برهان غليون، العضو البارز في الائتلاف السوري المعارض، أن واشنطن لا تزال بعيدة عن القبول بمنطقة عازلة في سورية، قائلاً: «لا تزال الإدارة الأمريكية من دون سياسة في سوريا، أي الاستسلام للأمر الواقع، وتعمل على إضاعة الوقت في انتظار التوقيع على الاتفاق النووي مع ايران».
وأضاف غليون في مقابلة خاصة مع «القدس العربي»: «واشنطن لن تتحرك خطوة واحدة إضافية ولن تقوم بأي التزام، لا سياسي ولا من باب أولى عسكري، في سورية في الأشهر القليلة القادمة. وربما هذا هو الذي دفع المملكة العـــربية السعـــودية إلى اتخاذ المبادرة والتقارب مع تركيا لسد الثغرة التي كانت تحلم أن تسدها معها واشنطن في الامن الوطني والإقليمي».
الكاتب والمحلل السياسي السوري، عبد الرحمن مطر رأى أن تركيا تسعى لتأكيد حضورها الفاعل والمؤثر في المنطقة، و»من هنا ياتي اهتمامها بتدريب المعارضة السورية كجزء من استراتيجية دعمها للثورة السورية، وهي تعمل منذ عدة أشهر على المساهمة بدور رئيس في إعادة تنظيم ما تبقى من الجيش الحرّ، وهذا في الواقع، يخدم توجهها الأساسي في إنشاء منطقة عازلة، تعارضها واشنطن،في ظل عدم تجاوب مع المخاوف التركية، المتصلة بالأمن القومي التركي».
وقال مطر في مقابلة خاصة مع «القدس العربي»: «تركيا أثبتت قدرة عالية في الاستجابة للتحديات الأمنية في المنطقة غير مرة، آخرها العملية العسكرية الأمنية الناجحة بكل المقاييس، المتصلة بنقل ضريح سليمان شاه الى منطقة أشمة المتاخمة لعين العرب/كوباني».
واعتبر مطر أن العملية التركية، لنقل رفات سليمان شاه، حققت جملة من المسائل تتصل باستعراض فعلي للقوة أمام الأطراف المنخرطة في الصراع في حدودها المجاورة، ومنها «داعش» وقوات حـــماية الشعب، وإضافة أن ذلك يقود إلى دعم موقف الدبلوماسية التركية، خلال المرحلــــة اللاحقـــة، بشكل فعّـــال، بما يتجاوزمسألة حماية مصالحها الأمنـــية والاقتصادية في المنطقة، إلى استراتيجية تقتضي تمتين المكانة التركية، ودورها كطرف رئيسي في أية تطورات في المنطقة سواء أكانت سياسية أم عسكرية. خاصة وأن أردوغان سيزور الرياض قريبا والملف السوري هو الأهم.
وشدد مطر على أن «أنقرة تستطيع أن تقدم الكثير على صعيد تدريب المعارضة السورية، ومواجهة داعش في حال انخراطها في التحالف الدولي بشرطين أساسيين هما المنطقة العازلة، وتوسيع عمليات التحالف لتشمل اسقاط نظام الأسد. غير أن اشنطن لا تدعم ذلك حتى الآن».

إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية