باتفاق نووي أو بدونه: إيران تبقى «تهديداً لمصالح أمريكا وأمنها»

حجم الخط
1

ظاهر الحال يشير إلى أن مفاوضات مجموعة دول 5+1 وإيران في فيينا تتجه إلى الاتفاق حول تسوية بشأن البرنامج النووي الإيراني. الخطوط العريضة للاتفاق لخصها مصدر دبلوماسي روسي في طهران، واكب زيارة مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية يوكيا أمانو للعاصمة الإيرانية، وفسرها بأنها مؤشر إلى أن المفاوضات وصلت إلى نقاط حساسة تستوجب اتخاذ قرارات حاسمة على أعلى المستويات.
الخطوط العريضة، بموجب المصدر الروسي، تتضمن تطبيق بروتوكول إضافي يفترض السماح بالدخول إلى أي موقع، لكن بعد تقديم أدلة على الحاجة لذلك، كأخذ عيّنات من عملية مراقبة الموقع المعني، كما يُفترض الحصول على موافقة الجانب الإيراني، إذ لا يمكن أن يكون الدخول تلقائياً. إلى ذلك، فإن مسألة إعادة فرض العقوبات سيصار إلى إدراجها في نص الاتفاق، لكن بضمانة أن يمر الأمر عبر مجلس الامن الدولي، اي بالتصويت عليه.
هل ينتهي الصراع بين الولايات المتحدة، ومن ورائها «إسرائيل»، وإيران بمجرد توقيع الاتفاق النهائي المرتقب؟
الجواب: كلا، لأن محور النزاع ليس قدرة إيران على تصنيع سلاح نووي، أو عدم تمكينها من ذلك، بل تعاظم قدرات إيران في جميع المجالات ما يمكّنها، بحسب دول الغرب الأطلسي و»اسرائيل»، من تهديد مصالح هذه الدول وأمنها، ولاسيما في الشرق الاوسط.
هذه الدول تعتقد أن إيران اصبحت أقوى قوة اقليمية مركزية حتى من دون امتلاك القدرة على تصنيع سلاح نووي، وان امتلاكها هذا السلاح الإستراتيجي يضاعف قدراتها، الامر الذي يستوجب حملها على توقيع اتفاق لا يحول دون امتلاكها اسلحة نووية فحسب، بل يوفّر ايضاً لخصومها ومنافسيها الإجراءات والآليات اللازمة للحدّ من تنامي قدراتها ونفوذها، ومعاقبتها اذا اقتضى الامر.
إيران أدركت هذه الحقيقة المحورية، لذلك أبدت استعداداً لتقديم تنازلات لدول الغرب على الصعيد التقني، كونها غير مهتمة بتصنيع سلاح نووي، لكنها تصلّبت في مسألة رفع العقوبات الدولية والعقوبات الامريكية والاوروبية التي آذت اقتصادها وارهقت شعبها.
تتضح صحة هذا التحليل بتفحّص النقاط الثلاث التي يتمحور عليها الخلاف حالياً في المفاوضات الجارية: مدة الاتفاق، ووتيرة رفع العقوبات الاقتصادية، والآلية اللازمة للعودة إلى فرض العقويات على إيران مرة اخرى، في حال خرقت تعهداتها. فدول الغرب تريد رفعاً تدريجياً للعقوبات، وآلية متفقا عليها تسمح بإعادة فرضها، في حال خرق الاتفاق، من دون العودة إلى مجلس الامن الدولي، وأن تكون مدة الاتفاق عشر سنوات على الاقل.
في المقابل، أصرت إيران على رفع شامل للعقوبات المفروضة عليها عند توقيع الاتفاق النهائي، وهي لا تريده اتفاقاً طويل الأمد، وترفض أن تبقى لدول الغرب صلاحية فرض العقوبات، بذريعة مخالفة الاتفاق، من دون العودة إلى مجلس الأمن الدولي.
حتى لو أمكن التوصل إلى اتفاق نهائي يراعي هواجس أطراف النزاع ومطالبهم، فإن دول الغرب، ولاسيما الولايات المتحدة وفرنسا (ومن ورائهما «اسرائيل») لن تتوقف عن ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية وعسكرية على إيران، للحدّ من تعاظم قدراتها في مختلف المجالات. ليس أدل على هذا التوجّه الأمني الصارم من الوثيقة الإستراتيجية الجديدة التي نشرتها وزارة الدفاع الامريكية «البنتاغون»
(2/7/2015) وحددت فيها اربع دول بوصفها «تهديداً للمصالح الامنية الامريكية». فالوثيقة تنصّ على أن روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية «تسعى إلى تهديد المظـــاهر الرئيســية للنظام الدولي (…) وان كلاَّ من هذه الدول تطرح مشكلات امنية».
ضغوط دول الغرب الاطلسي ربما تتجلّى اكثر ما يكون في مثابرتها على إضعاف حلفاء إيران الإقليميين: سوريا وقوى المقاومة الفلسطينية («حماس» و»الجهاد الإسلامي») وقوى المقاومة اللبنانية (حزب الله) وتحالف القوى اليمنية المناهضة للسعودية (الحوثيون وحلفاؤهم).
في المقابل، يتركّز هجوم إيران المضاد على دول الغرب و»اسرائيل» بمثابرتها على دعم سوريا والعراق وقوى المقاومة اللبنانية والفلسطينية المعادية لتنظيمات «داعش» وجبهة «النصرة»، وغيرهما من القوى الإسلاموية المتطرفة، ولا سيما تلك التي تتلقى دعماً من تركيا وبعض دول الخليج.
في ضوء هذه الواقعات ينهض سؤال: هل يُفضي الاتفاق المرتقب بين دول الغرب وإيران إلى تسوية معها من شأنها تنفيس الصراعات التي تعصف بسوريا والعراق واليمن وليبيا؟ ليس في المستقبل المنظور. ذلك أن الامر يتوقّف على خمسة اعتبارات متداخلة ومتناقضة:
الاول، مدى استجابة الاتفاق المرتقب لهواجس ومصالح الدول التي ستوقعه، ولا سيما الولايات المتحدة وإيران.
الثاني، موقف حلفاء الولايات المتحدة الاقليميين، ولاسيما السعودية و»اسرائيل»، من الاتفاق ومفاعيله وانعكاساته على سياساتهم ومصالحهم في شتى دول المنطقة.
الثالث، تداعيات الاتفاق على مصالح لاعبَين اقليميين اساسيين: تركيا التي لها سياسة «عثمانية» توسعية في بلاد الشام وبلاد الرافدين، ومصر التي تحاول إعادة بناء نفسها اقتصادياً واستعادة دورها العربي والاقليمي استراتيجياً في وقتٍ اصبحت هدفاً لحرب مباشرة تشنها عليها «داعش» في سيناء وحتى في قلب القاهرة.
الرابع، مواقف قوى المقاومة العربية من جهة والقوى الإسلاموية السلفية المتطرفة («داعش» واخوته) من جهة اخرى، ومدى استجابة الاتفاق ومفاعيله لهواجسها واهدافها ومصالحها.
الخامس، موقفا روسيا والصين اللتان لهما مصالح وتحالفات في المنطقة، الامر الذي يحملهما على المشاركة، سلباً أو ايجاباً، في الصراع الذي سيعقب الاتفاق النهائي، في ضوء ما يفرزه من تحديات وفرص لمصالحهما ومصالح حلفائهما الاقليميين.
آنيّاً، تستطيع الدول السبع التي تتفاوض في فيينا القول إنه امكن التوصل إلى اتفـاق «رابح- رابح» بين جميع الأطراف. لكن ما لم تتخلَّ كلٌ من أمريكا وإيران عن بعض اهدافهما الإستراتيجية ومصالحهما المتعارضة في المنطقة او ترتضيان تحجيمها، فإن الاتفاق النهائي المرتقب لن يطفئ نار التناقضات بين الطرفين، بل سيدشن فصلاً جديداً من الصراع في منطقةٍ غارقةٍ اصلاً في صراعات محتدمة ومزمنة.

٭ كاتب لبناني

د. عصام نعمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية