باريس ـ «القدس العربي»: «الدب بادينغتون» فيلم من إخراج بول كينغ وبطولة (نيكول كيدمان) والممثل (هوغ بونفيل) في دور الأب مع صوت (بن ويشلو) و(سالي هوكينز) في دور الأم، قصة هذا الدب قديمة منذ عام 1956، حينما وجد ميشيل بوند المصور في الـ( بي بي سي) في 24 ديسمبر/كانون الأول سنة 1956 دبا صغيرا في أحد المحلات اللندنية، ثم اشتراه وقام بإهدائه لزوجته بمناسبة أعياد الميلاد وأطلق عليه اسم بادينغتون، نسبة إلى المحطة القريبة التي كان يسكن فيها في ذلك الوقت، ثم عشق هذا الدب وكتب قصة بعد أسبوع واحد.
كانت البداية له مجرد تسلية كونه يحب قراءة وكتابة قصص الأطفال، لكن بعد انتهائه من القصص وجدها تصلح كتابا مشوقا للأطفال والكبار، حاز كتابه شهرة عالمية وقاربت نسخه الـ35 مليون نسخة، تمت ترجمتها إلى أكثر من 40 لغة حول العالم.
استمر بوند في عشقه لهذا الدب، ما دفعه إلى الاستقالة من عمله كمصور والتفرغ للكتابة عنه في البرامج الإذاعية والتلفزيونية المخصصة للأطفال، ثم توالت الإصدارات وكثرت في بريطانيا وأمريكا ووصلت شهرة هذا الدب إلى اليابان وغيرها، وتمت معالجة القصة في مسلسلات تلفزيونية عديدة.
ها هو ديسمبر 2014 حلّ لتخرج هذه الشخصية في فيلم رسوم متحركة رائع، تم دمج الدب الذي تم تحريكه رقميا في ديكور واقعي مع شخصيات تتسم بالكوميديا والرقة وشخصية شريرة واحدة كلها تصب مع لمسات شاعرية للتحول إلى فيلم يناسب كل الأذواق والأعمار، تحفة سينمائية مسلية بعيدا عن هوليوود، كونها إنتاجا بريطانيا، جوهرة من المغامرات والنكت والعواطف ـ بعض المشاهد تتخللها سذاجة بريئة وسلوك طفولي من دب صغير يبلغ طوله مترا ذا فرو جميل بلون الشكولاتة، يترك موطنه في غابات البيرو ليجد له مسكنا في عمق لندن، مدينة الضباب والحركة الديناميكية، يبحث عن مكتشف جغرافي كان زار عائلته قبل سنوات كثيرة واكتشف هذه العينة من الدببة التي جمعت بين الحضارة والبرية، وترك لهم قبعته الخاصة ثم عاد إلى لندن ورفض إخبار الهيئة التي يعمل فيها مكان هذه النوعية من الدببة فكان مصيره الطرد، بعد سنوات طويلة بسبب كوارث طبيعية ترسل العمة هذا الدب الصغير إلى لندن ليجد له حياة وأسرة جديدة، على متن قارب صغير يختفي، تبحر السفينة لتصل لندن، يخرج الدب إلى عالم لا يعرفة غريبا لا أحد يهتم به.
في إحدى محطات القطار تمر عائلة تتعرف عليه يأتي إلى منزلها وهناك تكون المفارقات في منزل عائلة براون وهي من تطلق على الدب اسم بادينغتون باسم المحطة التي وجدته فيها، هكذا من خلال هذا الدب نكتشف عالم هذه العائلة التي رغم وجودها في منزل كبير وملائم إلا أن الشتات يعصف بأفرادها.
الأب في عمله مصاب بالرعب والخوف على أطفاله يود حمايتهم والحفاظ عليهم بأسلوبه الخاص الذي لا يعجب أطفاله، الأم تجد صعوبة في التواصل مع طفلتها تود أن تكون أما وصديقة، لكن الطفلة تغلق على نفسها في عالمها الخاص، الطفل يعشق الاختراعات والمغامرات يحلم بأن يكون رائد فضاء وقد يعرض حياته للخطر في بعض الأحيان، ثم الخادمة السيدة التي تعمل في البيت لا تفكر إلا بشراء مكنسات كهربائية تناسب جميع الحالات والمواقف.
في الليلة الأولى بل بعد وصول الدب للمنزل يتسبب في تخريب وإغراق البيت، مع ذلك تمدد إقامة الدب زمنا آخر، فتقوى رابطة الصداقة بينه وبين الأم والأطفال، وحده الأب يعارض بقاء الدب بسبب المخاطر التي يمكن أن تحدث.
في الأخير يقتنع هو الآخر به بسبب التحولات الكبيرة التي تحدث في العائلة التي أصبحت أكثر قربا وتفاهما وحبا، لكن الدب يقع في يد شريرة، تقوم بالدور (نيكول كيدمان) تريد أن تقوم بتحنيطه لتضيفه إلى مئات الحيوانات المحنطة في المتحف الطبيعي، تذهب العائلة لإنقاذ الدب وبعد مغامرات جريئة وشجاعة يتم تحريره.
قصة الفيلم وشخصية الدب ليست جديدة، تحكي قصة مغامرة هذا الدب القادم من البرية إلى عاصمة التحضر والمدنية، في كل عام مع مناسبة احتفالات أعياد الميلاد تظهر مثل هذه النوعية من الأفلام، خصوصا قدوم شخص من البرية إلى التحضر وتكون المفارقات والنكتة، من خلال التعامل مع الوسائل الحديثة في المنزل، كالمكنسة الكهربائية أو في المرافق الصحية، تشعر الشخصية بالقلق والوحدة والعزلة، في عالم لا يفهمها، فتشعر بالشوق والحنين للعودة للبرية بسبب عدم فهم الآخرين لها، وقد تجد صعوبة كبيرة في التفاهم لاختلاف اللغة وطرق التفكير بين البدائي والمتحضر، لكننا هنا مع شخصية ليست بدائية ولا وحشية، بل لعلها تحمل سمات الطيبة وتمتلك الكثير من القيم، تصاب بالدهشة كون الناس في لندن لا يردون السلام، ولا أحد ينتبه للغريب، يركضون في سيرهم بطريقة ميكانيكية، ولا يستمتعون بفرقة موسيقية تعزف في الشارع، لا أحد يأبه بها، هذه ضريبة الحداثة، التفكك وصعوبة إثبات الغريب لوجوده، فالمجتمع هذا رغم أنه لا يرفض الغريب والأجنبي إلا أنه قد لا ينتبه له.
على الشخص الغريب أن يثبت وجوده ويأخذ له مكانا في مؤسسة المجتمع.
هذا الدب يعلمنا أنه من الممكن أن نجد مكاننا ونثبت وجودنا، من دون التخلي عن كينونتنا الثقافية وأصولنا التي جئنا منها، كون المجتمع هنا يقبل التنوع الثقافي والحضاري.
مشاهدة هذا الفيلم تمنحنا الكثير من المرح، وفي الوقت نفسه تلفت انتباهنا للقيم الاجتماعية والقضايا بطرق غير مباشرة، كون الفيلم لا يعتمد على أسلوب الخطاب المباشر أو التلقين.
نلاحظ أن الفيلم والرؤية السينمائية حافظت على جوهر الشخصية، نعني بذلك الدب الصغير، فهو يحمل صفات إنسانية وحيوانية معا، يحمل صفات البراءة والطفولة التي تحاول التطور، أي الطفل الذي يتطور لشخص بالغ، وكان في البداية يرتكب بعض الأخطاء والحماقات، لأنه غير متعود على التعامل مع الأشياء، لكن تعامله مع الأفراد كان جيدا وطيبا، فهو يلقي السلام على المشاة بالشارع، نراه في مشهد مرح يرى محفظة تسقط من يد رجل فيسرع يلتقطها ثم يركض وراءه، بينما الرجل السارق يهرب فلا يستسلم الدب ـ يظل يركض والرجل يظنه يطارده، ونشاهد مواقف كوميدية رائعة إلى أن يمسك الدب بالرجل وتكون الشرطة بانتظاره فيتحول إلى بطل، ثم نرى أحيانا ارتباكه خلال دخول المحطة والسير على السلالم الكهربائية، هو ليس بالساذج الغبي لكنه مع الوقت يكتسب مهارات جديدة، ورغم هذه الصفات الإنسانية الا أن الفيلم لم يسع إلى أنسنته بشكل كامل، كون ذلك سيحدث تشويها جوهريا في كينونة الشخصية، أي لا يمكن أن يكون إنسانا كاملا، كذلك يلفت انتباهنا هذا الدب إلى جمال لندن المعماري وهو في التاكسي مع العائلة في طريق العودة إلى البيت في أجواء ممطرة، ورغم أن الدب مرهق الا أنه يظهر مندهشا، ومن خلال وجهة نظره يلفت انتباهنا إلى هذا العمق الحضاري الذي يحمل سمات ثقافية وروحية، ربما البعض لا يشعر بها، بسبب التعود أو الانشغال والركض، هي هكذا سمة الحياة العصرية.
وفي المشهد الأخير أيضا حيث يتقاذف أفراد العائلة كرات الثلج في الشارع بكل فرح وسعادة تظهر لنا نهاية الفيلم أن الجميع يقبل به كما هو ـ اللباس الإنساني غطى جزءا من جسمه ولم يغطه كاملا وظل يحتفظ بقبعته الحمراء وروحه المرحة ومعطف براون، لقد أصبح واحدا منهم، وأصبحت العائلة قوية ومتماسكة ومتفاهمة بفضل هذا الغريب الذي جاء من غابات البيرو ليعمق فيهم سمات وقيم الأسرة والتوحد والحب.
*سينمائي يمني ـ فرنسا
حميد عقبي