باريس… الجمعة الحزينة

في أعنف عمل إرهابي عرفته أوروبا منذ عقود، ضربت موجة الإرهاب العاصمة الفرنسية باريس يوم الجمعة الماضي 13 نوفمبر، الهجمات توزعت على ست أماكن في باريس، بين الضاحية الشمالية حيث «ستاد دو فرانس» والضاحية الشرقية المكتظة بالمطاعم والأماكن السياحية وغير بعيد عنها في مركز باتاكلان، حيث كانت المجزرة الأكثر دموية في الأحداث.
النتيجة كانت أكثر من 130 قتيلا و350 جريحا منهم حوالي 100 في حالة خطيرة، ما يجعل عدد القتلى في تصاعد. من جانب آخر أعلن تنظيم «داعش» مسؤوليته عما سماها «غزوة باريس»، حيث قتل ثمانية مهاجمين انتحاريين كلهم كانوا يرتدون أحزمة ناسفة ومسلحين برشاشات من نوع كلاشنكوف.
والسؤال الاول الذي تبادر إلى ذهن المتابعين هو؛ لماذا فرنسا؟ وهي ليست الدولة الوحيدة المشاركة في التحالف الدولي الذي يشارك في الضربات الجوية على تجمعات «داعش» في الاراضي التي يسيطر عليها التنظيم في العراق وسوريا، وجاءت الإجابة سريعة، اذ كشفت مصادر تركية يوم الاحد 15 نوفمبر عن احباط قوات الامن التركي لمخطط ارهابي كبير كان المفروض أن يتم في توقيت هجمات باريس نفسها في اسطنبول. وهنا تجدرالاشارة إلى خلل كبير واختراق واضح في النظام الامني الفرنسي الداخلي والخارجي، إذ أعلن تقرير استخباراتي إسرائيلي نشره موقع «ديبكا فايلز» تحت عنوان «من هو الصيد الثمين الذي كانت تستهدفه عملية باريس؟» حيث أشار التقرير إلى مجموعة معلومات مثيرة منها أن أولاند كان هدف اعتداءات باريس، مستنداً إلى جغرافية الأماكن التي طالتها الاعتداءات الستة، ليشير إلى أن التخطيط كان «نوعياً» هذه المرة، فالرئيس الفرنسي ووزير الخارجية الالماني فرانك فالتر شتاينماير كانا يحضران مباراة كرة قدم بين المنتخب الفرنسي والمنتخب الالماني في ملعب (ستاد دو فرانس)، ما يعنــــى أن «صيدهم» لو قدر النجاح لعمليتهم، ثمين جداً، سواء أغتالوهما أو أخذوهما رهائن، لكن يبدو أن الإجراءات الأمنية حالت دون ذلك، ما ادى إلى مقتل المهاجمين الانتحاريين الثلاثة مع سقوط قتيل واحد في محيط ملعب كرة القدم وكذلك سقوط عدد من الجرحى.
ما هي الخيوط التي يمكن أن يتتبعها الأمن الفرنسي في عمليات التحقيق التي يجريها الان؟ في البدء يجب أن نشير إلى أن الحكومة الفرنسية أعلنت حالة الطوارئ في البلد، إذ صرح الرئيس أولاند بعد الاحداث في خطاب مباشر من قصر الإليزيه بأن «ما حدث هو أحد أعمال الحرب.. ارتكبته داعش ودبر من الخارج بتواطؤ داخلي سيسمح التحقيق بإثباته». قانون الطوارئ الذي أقر قبل 50 عاما في وقت حرب الجزائر 1955 يعطي الحكومة الفرنسية سلطات كبيرة، منها فرض منع التجول العام أو الجزئي، وإنزال عقوبة السجن أو الغرامة المالية، بكل مخالف سواء كان راشدا أو قاصرا. ويمنح القانون الحكومة حق السماح لقوى الأمن بتفتيش المنازل في أي وقت من الليل أو النهار، بدون الحاجة إلى إذن قضائي خاص، وكذلك إبعاد الأشخاص الذين يعتبرون مصدر تهديد للأمن والسلامة العامة من مناطق إقامتهم، وفرض الإقامة الجبرية في «مناطق أمنية» محددة، وطرد أجانب، ومصادرة الأسلحة بما فيها أسلحة الصيد، وإغلاق أماكن الاجتماعات العامة والمسارح وصالات السينما والملاهي، وفرض الرقابة على الوسائل الإعلامية ، كما يخول القانون القضاء العسكري الحلول محل القوانين المدنية للنظر في الجنح أو الجرائم، ما يمكن أن يشكل أداة ردع إضافية في يد الحكومة.
الإشارات الأولى للتحقيق جاءت من خارج فرنسا، إذ أعلن وزير العدل البلجيكي كون غينز للتلفزيون العام السبت 14 نوفمبر اعتقال عدد كبير من الأشخاص في إطار عملية واسعة للشرطة في ضاحية مولنبيك بمنطقة بروكسل، على صلة بهجمات باريس، وأوضح الوزير أن هذه الاعتقالات «يمكن أن تكون على صلة بسيارة رمادية من طراز بولو تم استئجارها في بلجيكا وعثر عليها أمام قاعة مسرح باتاكلان». كما أشار المدعي العام الفرنسي إلى العثور على جواز سفر سوري قرب أحد جثث المهاجمين، وبعد التدقيق في معلومات جواز السفر وبالتعاون مع الشرطة اليونانية والصربية اتضح بحسب اعلان وزارة الداخلية الصربية أن حامل جواز السفر السوري الذي عثر عليه قرب جثة أحد المسلحين الذين لقوا حتفهم في هجمات مساء الجمعة في باريس، دخل صربيا الشهر الماضي، حيث سعى للجوء، وقالت الوزارة في بيان «أحد الإرهابيين المشتبه فيهم وهو شخص مطلوب لدى وكالات الأمن الفرنسية سجل نفسه عند معبر بريسيفو الحدودي، الذي يفصل بين صربيا ومقدونيا، يوم السابع من أكتوبر هذا العام، حيث قدم رسميا طلب لجوء». وتابع البيان «التحريات أكدت أن التفاصيل الخاصة به مطابقة لشخص تم التعرف عليه يوم الثالث من أكتوبر في اليونان، إلا أن الشرطة الدولية (الإنتربول) لم تصدر أمر اعتقال بحق هذا الشخص». وكانت السلطات اليونانية قالت، إن جواز السفر الذي عثر عليه في مسرح باتاكلان الباريسي يطابق جوازا استخدمه لاجئ وصل إلى جزيرة ليروس اليونانية يوم الثالث من أكتوبر.
ومن هذه النقطة تحديدا ابتدأ العديد من التصريحات التي تلف وتدور حول نظرية مؤامرة، اذ كيف يعقل أن يحمل انتحاري وثيقة سفره معه وهو ذاهب لتنفيذ عملية انتحارية؟ كما أن من يفجر نفسه بحزام ناسف كيف سيتم العثورعلى وثيقة سفره سليمة ويمكن التعرف عليها بعد الانفجار؟ والمفارقة أن تلفزيون «بي أف أم» الفرنسي اعلن بعد الحادث مباشرة أنه جرى العثور على جواز سفر مصري قرب جثة انتحاري فجر نفسه قرب ملعب «ستاد دي فرانس»، ليتلقفها الاعلام اليميني المتطرف في اوروبا ملقيا اللوم على المستشارة الالمانية انجيلا ميركل باعتبارها هي من فتح ابواب اوروبا امام مئات الالاف من المهاجرين من الشرق الاوسط، وبشكل خاص من سوريا، ليتسلل معهم آلاف الارهابيين الذين سينشرون الارهاب في العواصم الاوروبية، ليتضح بعد التدقيق في اليوم الثاني أن جواز السفر المصري يعود لأحد ضحايا التفجيرات في محيط ملعب كرة القدم، وهو مسافر مصري حضر مع اخيه إلى فرنسا للعلاج وكان يحضر مباراة كرة القدم، وعندما جرح في التفجير تم نقله إلى المستشفى بعد أن فقد جواز سفره في الحادث.
اليوم فرنسا مكلومة ومجروحة جرحا غائرا تتلقى عبارات التعاطف من كل ارجاء العالم، ويصرح مسؤولوها بانهم سوف يردون بالعقاب على الارهابيين الذين قاموا بهذا العمل الجبان، في مشهد ذكر الجميع بالحالة الامريكية بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر، ولكن الفرق كبير وواضح بين التهديدات الامريكية والتهديدات الفرنسية، والكل يترقب كيف سيكون رد الفعل على ما جرى في باريس على المستوى الشعبي والرسمي.
على مستوى رد الفعل الشعبي تشير التوقعات إلى احتمالية انطلاق موجة كراهية تجاه المسلمين وذوي الأصول العربية والشرق أوسطية في فرنسا، فقد أدان محمد البشاري رئيس الفيدرالية العامة للمسلمين في فرنسا في تصريح لقناة «الحرة» تلك الهجمات ووصف مرتكبيها بـ»القتلة التكفيريين الذين يريدون تدمير الأخضر واليابس». كما اعرب عن قلقه من التداعيات المحتملة لتلك الهجمات على الجالية العربية والمسلمة في أوروبا من احتمال ارتكاب جرائم تستهدف المساجد وبعض الشخصيات الإسلامية، على اثر انطلاق موجة الكراهية التي تؤججها أحزاب وجماعات اليمين المتطرف في العديد من الدول الاوروبية، كما يرى بعض المراقبين أن هجمات باريس سيكون لها بالتأكيد انعكاس سلبي على ملف اللاجئين، إذ ستتخذ اجراءات أمنية مشددة، ما سيعني معاناة مضافة على معاناتهم.
اما على صعيد الموقف الرسمي الفرنسي، وبالعودة إلى التقرير الاستخباري الاسرائيلي الذي يشير بشكل موارب إلى خرق أو على الاقل تهاون في الاداء الامني الفرنسي، حيث يشير التقرير إلى أن هجوما بهذه الامكانات وهذه القدرة على التنفيذ، يتطلب أشهرا من التخطيط لتوفير المصادر الضرورية. كما اشار إلى ثلاث نقاط جوهرية في هذا المجال هي؛ اولا أن المجموعة المنفذة يجب أن تتكون من 20 شخصاً على الأقل، وإذ أعلن المدعي العام الفرنسي أن 7 إرهابيين فجروا انفسهم، أمّا الثامن فقد قتلته القوى الأمنية عندما دخل إلى صالة الحفل الموسيقي، ما يعني أن الإرهابيين الناجين متخفون ويخططون لجولة ثانية من الاعتداءات سينفذونها في الساعات أو الأيام المقبلة، كما جرى في حادثة «شارلي إيبدو». ثانيا أن هنالك دعما لوجستيا متمثلا بمجموعة من المساعدين المسؤولين عن توصيل الإرهابيين وتأمين من بقي حياً منهم بعد الاعتداءات. وبحسب «ديبكا فليلز»، كانت هذه المجموعة مسؤولة أيضاً عن تجهيز الإرهابيين بالأسلحة، وعن مراقبة أجهزة الأمن وتصويرالاعتداء. ثالثا هنالك «مجموعة قيادية» وهي التي خططت للاعتداءات وأدارتها، وحددت منفذيها ونسقت بين الفرق المختلفة، وبحسب الموقع الذي توقع تجهيز 200 إرهابي وبدأ التخطيط منذ شهرين على الأقل. كل ذلك يعني أن العواصم الاوروبية أصبحت ساحات لحرب مفتوحة مع الارهاب، ويجب ألا يفوتنا هنا أن البيان الرسمي الذي صدر عن «داعش» يتوعد (روما ولندن) بهجمات مماثلة لهجمات باريس، فكيف سيكون الرد الأوروبي على هذه التهديدات؟هذا ما ستكشفه الايام المقبلة.
كاتب عراقي

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية