«باريس يمكنها الانتظار» للمخرجة إليانور كوبولا: الفتنة الفرنسية مقابل قيم القوة الأمريكية

حجم الخط
0

في فيلم «باريس يمكنها الانتظار» للأمريكية إليانور كوبولا، لا تظهر باريس سوى في نهاية الفيلم، لكن يمكن أن يكون القصد في السيناريو والإخراج موجه إلى لملمة فتنة باريس من جمع الأمكنة المختلفة، التي تشكل الفضاء الفرنسي، وبذلك تكون باريس هي المعادل الموضوعي للجمال الفرنسي، وهذا ما ترجمه مشهد من فيلم «أعمى» من إخراج الأمريكي ميخائيل ميلر، حين يقول بطل القصة بيل أليك بالدوين للبطلة دمي مور: «هذا يعني أنّك سوف تتناولين العشاء معي في بروكلين، سوف آخذك إلى باريس، الجميع يعرف أنّ بروكلين هي باريس الجديدة»، باريس إذن، تخترق الوعي العالمي كونها تشكل مركزا جماليا من حيث هندسة المعمار وتقاليد السلوك العريقة، لكن ما الذي يعتلج في الوعي الأمريكي وهو يشيد الفتنة الباريسية في متاهة المتخيل المرتج على وقع حفيف الوردة في برودواي المكتظة بالنّبل الباريسي؟

البحث عن الروح الباريسي

يبدأ الفيلم بافتراق مسار رحلة بين زوجين أمريكيين، «آن» (ديان لين) و «(أليك بالدوين)، وينتهي بقبلة بين زوجة الأمريكي ومرافقها الفرنسي «جاك» (أرنو فيارد)، هل هو لقاء باريس بأمريكا، أم إنسانية باريس وجفاء أمريكا؟
بدايةً، يُستهل الفيلم بحوار بين البطلة وزوجها الأمريكيين والبطل الفرنسي، الزّوج لا يظهر في الفيلم إلا عبر مكالماته الهاتفية لزوجته، وهذا يؤوّل لصالح المنحى الذي أراد أن يبثه النص من صراع بين إنسانية باريس وقيميتها التي حسب العنوان يمكنها الانتظار، وقوّة أمريكا المالية والتقنية انطلاقا من رمزين دالين في الفيلم. والعنوان يطرح إشكالين على الأحداث، عبر حوار الرحلة الطويل من مدينة كان إلى باريس بين شريك الزّوج (جاك الفرنسي) في العمل الفنّي السينمائي وآن الزّوجة الأمريكية، فهل انتظار باريس يتمثل في المعنى المباشر لمسار الحدث في الفيلم وهو الفسحة التي استطاعت آن أن تكتشف من خلالها فرنسا وأماكنها الفاتنة؟ أم باريس تستطيع الانتظار لأنّها ليست هي وحدها فرنسا، وفي كلتا الحالتين هناك انتصار للمكان القيمي الإنساني خارج المكان الآلي.

إنسانية باريس

وتبدأ الرّحلة من كان إلى باريس، وفي كل مرّة تكتشف آن جمال أمكنة فرنسا، وفي كل مرّة يدعوها جاك الفرنسي إلى وجبة طعام أو قهوة، يطلب منها بطاقة الائتمان بحجة أنّه لا يمكنه استعمال بطاقته لسبب يتعلق بأمنه المالي، وسوف يعوّضها حالما يصلان إلى باريس، لكنّها تكتشف أثناء الرحلة أنّ السبب في ذلك يعود إلى مشاكل مالية بينه وبين المنتج، خلو جيب الفرنسي من المال واحتفاظه بذاكرة جمالية كتعبير عن ثقافة إنسانية، وسعة معرفته بالمطبخ والإتيكيت الفرنسيين، مع اطلاعه على كل ما يتعلق بالتاريخ والأدب وجغرافية فرنسا، يصب في جهة الفصل بين القيم الجمالية وتجذّرها في الوعي الفرنسي، والمال كتعبير قوي عن الجشع الرأسمالي المتغوّل في الثقافة الأمريكية. لم تكن آن تمثل هذا الجانب المتوحش في الفيلم لأنّ جاك سوف يكتشف بأنّها تختزن شحنة ألم وتسأل عن إنسانيات المشهد الفرنسي. تتقبّل آن وضع جاك المالي وتصدّقه، بل يكشف الوضع الحدثي عن لامبالاتها بما تصرف من مال في الرحلة، ووفاء جاك بوعده في نهاية الفيلم بالتعويض يكثف من الجانب الإنساني في الثقافة الفرنسية بمفهومها الواسع.

لأنكِ هنا

أثناء تناولهما الغداء تستدرك آن: كيف أنّ الورود رائحتها قويّة في فرنسا بينما هي بالكاد تُشم في أمريكا، يرد بسرعة: لأنّنا في فرنسا، ثم يردف: الورد هناك جميل لكنّه يظهر وكأنه خارج من ثلاجة، ثم يصفها بالجميلة، فتقول أنّها رأت في مدينة كان الرّجال يتجهون صوب اليافعات، فيقول لها إنّهن كحبات الحلوى، بينما أنت كالقشدة المصهّدة (créme brulée). عند عتبة الجمال تبدأ أشياء أمريكا الرّقيقة تلمع في فضاء فرنسا الثقافة والوجه الجمالي للسلوك. في الكنيسة يكتشف جاك أنّ صورة الطفل التي رآها معلقة في عنق آن هي لطفلها من زوجها الأوّل الذي مات صغيرا بمرض في القلب، يراها تبكي في صمت، يقول لها: يا لإنسانيتك الطاغية، لكن تكرّس ثلجية الورود الأمريكية في الفيلم صورة البرود في العواطف.

الاحتفاء بالحياة

تستمر الرّحلة نحو باريس التي «يمكنها الانتظار»، وأثناء الرحلة ينقطع حزام الحركة الذي يدير المحرّك، فلم يأبه لذلك جاك، ولما تسأله آن عن طبيعة العطب، يجيبها بأنّه لا يعرف، فتبحث هي، وتكتشف العطب، ولما تخبره يبيّن إنه لا يعرف حتى ما هو هذا الحزام؟ لكنّه يصرّ على أخذهما قسطا من الراحة ليتمتعا بجمال المكان، ويضيف: نبدو وكأنّنا في نزهة، وبسط اللحاف وتمتعا بما أحضره من الفندق، كان يكشف لها في كل مرّة عن متعة الأكل وهو يحدّثها عن أسرار الأعشاب والنباتات البرية الفرنسية وأنواع الجبن المصنوعة محلّيا، وفي أحد المشاهد قال لها: لنأكل، فالأكل طريقة للاحتفال بالحياة، ومما لا شك فيه أنّ الأكل الذي هو متعة بالنسبة للفرنسي، يستدعي الهامبرغر الذي أصبح يعكس الحياة الأمريكية الاستهلاكية، التي لا تعنيها لذّة الذوق بقدر ما تعنيها السرعة في سدّ الحاجة للأكل والعودة إلى آلية الحياة المضبوطة بميقات الإنتاج والاستهلاك، وهو ما يمكن أن يعكسه عنوان الفيلم الذي يعكس شيئا من الديمومة في معنى الانتظار، وهو ما يمكن أن يؤوّل لصالح العتاقة والثقل في التاريخ الفرنسي، مقابل خفّة الجذر التاريخي الأمريكي. أمريكا تمتلك المال والتكنولوجيا وهذا ما يمكن أن يكون قد تمّ الترميز له بخواء جيب جاك وتدبير آن لأمر العطل التقني في السيارة، لكن في كل سلبية لدى جاك الفرنسي، كان الانبثاق الجمالي يطل من ثنايا أشياء الحياة لديه، تلك التي أبهرت آن الأمريكية.
السؤال يبقى مطروحا عند حدود هذا التناول الهوليوودي الأمريكي للفتنة الجمالية للأمكنة والسلوكات الفرنسية، ولعل الوعي لا يغفل ما حدث أثناء حرب الخليج الثانية حين سحبت فرنسا جيشها من زمرة الحلفاء، وأعلن ذلك وزير الدفاع الفرنسي جان بيير شوفنمون، وكان الرد الأمريكي على ذلك بأنّ الدول في مراحل قوتها لا تستطيع أن تعبّر عن وجودها إلا بالقوّة، ولعل ذلك ما تفسّره نظرية القوة لدى روبرت كيغان، فهل هوليوود تقدّم إنسانية باريس بوعي القوّة التي تستضعف العواطف؟

«باريس يمكنها الانتظار» للمخرجة إليانور كوبولا: الفتنة الفرنسية مقابل قيم القوة الأمريكية

عبد الحفيظ بن جلولي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية