«هي جميلة»، سمع صوت أحد المقاتلين السوريين في فيلم الفيديو القصير المرعب، الذي نشر في الأسبوع الماضي في الشبكات الاجتماعية. «الجميلة» هي بارين كوباني. وهذا ليس اسمها الحقيقي بل هو الاسم الحركي للمقاتلة الكردية في وحدات الدفاع الشعبي التي تحاول صد غزو تركيا لمدينة عفرين في شمال سوريا.
خلال ساعات انتشر الفيلم الذي يثير القشعريرة في الشبكات الاجتماعية وتحولت بارين إلى رمز آخر من رموز جحيم هذه الحرب. «هذا هو انتقامنا ضد خنازير الـ بي.كي.كي، حزب العمال الكردستاني»، قال أحد المقاتلين في الفيلم وهو يتصور سيلفي مع الجثة شبه العارية والمشوهة لبارين. جسمها مهشم واعضاؤها الداخلية النازفة مكشوفة للعيان والشباب يصرخون من شدة الفرح.
هؤلاء ليسوا جنودا أتراك بل مقاتلو «الجيش السوري الحر»، وهي المليشيا التي حظيت بالتمجيد عند بدء طريقها على اعتبار أنها الجسم العسكري الأول المنظم الذي يحارب ضد بشار الأسد. هذه المليشيا انقسمت إلى مليشيات متخاصمة، تحول جزء منها إلى مرتزقة في صفوف الجيش التركي في حربه ضد الأكراد في سوريا. وبرغم حقيقة أن هذه مليشيا لمقاتلين عرب من سوريا إلا أنها تبنت ايديولوجيا تقضي بأن الأكراد في سوريا هم إرهابيون. الأموال التركية ساعدتهم بالطبع. عندما بدأت القوات التركية بالعمل داخل سوريا في صيف 2016 كان الجيش السوري الحر هو القوة الطلائعية في هذه الحرب، ومقابل التمويل والسلاح التركي التي بدونها ربما مصير هذه المليشيا كان سيشبه مصير مليشيات أخرى، فقدت مصادر التمويل وتحولت من قوة مقاتلة ذات أيديولوجيا وهدف سياسي إلى قوات تحت الطلب، تحارب من اجل دفع رواتب مقاتليها.
الجسم المقاتل الموحد نسبيا هو الوحدات الكردية التي تحارب في صفوفها نساء إلى جانب الرجال، وأيضا توجد وحدات مكونة فقط من النساء مثل «وحدات الدفاع الشعبي النسوي»، التي حققت انجازات لا بأس بها في المعارك في سوريا ضد داعش. ظاهرة المقاتلات ليست ظاهرة جديدة لدى الأكراد، وبالطبع ليس في أوساط الأكراد في سوريا، الذين تبنوا أجزاء من النظرية الشيوعية والفوضوية والتي تقضي بأنه يوجد للنساء مكانة متساوية، ليس فقط في ساحة القتال، بل أيضا في الحياة المدنية.
ولكن النساء المقاتلات هن رمز أيضا، كما كتبت الصحافية اللبنانية هيفاء زعيتر: «بارين تمثل كل ما سمعناه عن شجاعة المقاتلة الكردية، ويوجد بموتها أكثر من قتل العدو أو نتاج للنضال السياسي والعرقي. الفظاعة في عرض جثتها فقط لكونها امرأة، تنبع من أنها تجرأت على تحدي الهيمنة الذكورية بتحولها إلى زميلة مقاتلة في ميدان القتال المخصص للرجال… الثقافة العربية التي تعظم طهارة المرأة وتربط بين هذه الطهارة وبين كرامة الرجل، حولت جسد المرأة إلى سلاح أخير أعد لإهانة الرجال وبهذا إلى تفكيك المجتمع بواسطة إغراقه في العار الذي دفع النساء إلى الانتحار من أجل تنظيف نفسها منه».
التعليقات التي رافقت الفيلم القصير هامة بصورة ليست أقل منه، حسب احد هذه التعليقات، «هذه جريمة تثير الاشمئزاز لا سيما أن الشخص الذي نكل بجثته هو امرأة شابة. إن تقاليد المجتمعات القبلية منعت المس بشرف المرأة، حتى لو كانت من الأعداء». هذا رد يعمل على فتح العينين، يؤكد بالطبع تشخيص زعيتر، الذي يقول إن الرجال ليسوا فقط مقاتلين أو مدافعين، بل هم الذين يحددون المعايير الأخلاقية. بالنسبة لمتصفحين آخرين لم يكن هناك حاجة لتفسيرات ملتوية: «الأكراد كفار، وقتل هذه المرأة هو رسالة للأكراد». هذا تعريف عادي، لكن الأكراد ليسوا كفارا، فمعظمهم من المسلمين السنة، وعدد منهم من الشيعة والمسيحيين. «تكفيرهم» ينبع بسبب العرق. فهم ليسوا عربا.
والدا بارين كوباني قالا لـ «بي.بي.سي» بالعربية إنها بقيت وحيدة في ميدان القتال، وإنها رفضت الانسحاب مع زملائها المقاتلين وقتلت على أيدي مقاتلي المليشيا السورية الذين لم يوافقوا على إعادة جثتها المهشمة إلى عائلتها. في يوم السبت الماضي أجريت لها جنازة رمزية. وليس هناك مليشيا من المليشيات الأخرى التي تستمر في محاربة نظام الأسد أسمعت إدانة أو تعبيرا عن الندم. فهي تنشغل في إدارة الصراع حول التمثيل في اللجان الدولية التي ستحسم مصير سوريا. في هذا الصراع محظور إغضاب خصوم سياسيين مثل تركيا أو روسيا، ومحاربة كردية تحولت إلى رمز هي شخصية يعتبر التماثل معها خطرا.
من لم تعد تحسب حسابا لأحد هي الفنانة اليزيدية نادية بشار التي عرضت في صفحتها في الفيس بوك وهي تصور نفسها بصدر مكشوف، وهي ملطخة بالدم الأحمر وتحمل في يدها لافتة كتب عليها اسم بارين كوباني وإلى جانبه غصن زيتون. غصن لا يمثل في هذه المرة السلام، بل اسم العملية العسكرية التركية التي سميت، للسخرية، باسم «غصن الزيتون». لقد نجحت بشار في الهرب من مسقط رأسها، سنجار، التي تقع في العراق عندما بدأ داعش في احتلالها. منذ ذلك الحين وهي تكرس فنها لوصف جرائم الحرب التي نفذت ضد النساء اليزيديات. في كل سنة تضع على صفحتها في الفيس بوك صورتها قرب النصب التذكاري الحجري الذي نقش عليه بحروف سوداء «نادية بشار، ولدت في 9/10/1990، ولم تمت حتى الآن».
هآرتس 5/2/2018