«بازوليني» للمخرج الامريكي أبيل فيرارا: فيلم يتناول الساعات الأخيرة من حياة الشاعر والسينمائي الإيطالي

حجم الخط
0

باريس ـ «القدس العربي»: كأن يخطر لأحدهم عنوان ما، عنوان جدير بأن تُلحق به مقالة تناسبه فيمكن نشره، فتُكتب المقالة بالقدر الأكثر أمانة للعنوان، كذلك بدا اختيار الممثل الأمريكي ويلم دافو ليقوم بدور الشاعر والسينمائي
الإيطالي بيير باولو بازوليني، في فيلم للمخرج الأمريكي أبيل فيرارا. واختيار دافو ليقوم بدور بازوليني كان أفضل ما فعله المخرج، بالنظر إلى ما دون ذلك في الفيلم.
أما الباعث على حكمٍ كهذا فهو استثنائية شخصية بازوليني، لنتاجه الأدبي والسينمائي أولاً، ولسيرته الشخصية ثانياً، فأي تناول لشخصية بازوليني لا بد أن يضع لذاته معايير تلائم نتاجه وسيرته، وهو ما صعب على المخرج كما يبدو. لكن، وبكل الأحوال، لا مبرر لعدم حضور فيلم يحمل اسم «بازوليني» ويتناول الساعات الأربع والعشرين الأخيرة من حياته، بغض النظر عن مدى توفق المخرج في إنجاز الفيلم.
يتناول «بازوليني»، وهو فيلم فرنسي إيطالي بلجيكي تضيع لغات المتحدثين فيه بين الإنكليزية والإيطالية والفرنسية، يتناول اليوم الأخير من حياة بازوليني، الذي قال عنه صديقه الروائي الإيطالي ألبيرتو مورافيا إثر اغتياله «بأننا فقدنا الآن شاعراً، لا تسألوني ما يعني ذلك، يخرج من هذه البلد ثلاثة أو أربعة مثله كل قرن»، وهو كذلك بازوليني الذي قيل عنه بأنه أفضل مخرج سينمائي شهدته إيطاليا خلال القرن العشرين.
يصور الفيلمُ الساعات الأخيرة كأنه نقل واقعي ومتقطع لها، يبدأ بانشغالات يومية لبيير باولو، من حوار صحافي لصحيفة «ليسبريسو» فور عودته من ستوكهولم، بعد لقاء مع إنغمار بيرغمان، المخرج السويدي المعروف، وآخرين من جماعة «أفان غارد» السينمائية، وتقديم ديوانه «رفات غرامشي» هناك، نراه يقرأ صحفاً صباحاً، يستقبل صحافياً آخر، يتفحص مَشاهد مما سيكون فيلمه الأخير «سالو»، يكتب لصديق رسالة يرفقها بمخطوط لما ستكون روايته «هي أقرب لتكون عملاً غير مُجنس» الأخيرة وغير المكتملة «بيتروليو»، يكتب لآخر رسالة يرفقها بسيناريو غير مكتمل لفيلم «إبيفانيو»، إضافة لذلك نراه مع أمه، ومع أصدقاء وفي سيارته، وأخيراً في مشهد اغتياله على الشاطئ ليلاً. انشغالات متزاحمة كأنه يريد إنهاء ما يستطيع منها، كأنه عرف بما كان ينتظره ليلاً.
الفيلم المعروض حالياً في الصالات الفرنسية تجنب الخوض في مسألة اغتيال بازوليني، رغم أنه يحكي عن ساعاته الأخيرة، ورغم أن اغتياله أثار جدلاً لا يقل عما كانت تثيره كتاباته وأفلامه. نذكر هنا فيلماً آخر هو الإيطالي الفرنسي «بازوليني.. موت شاعر» (1995) للمخرج الإيطالي ماركو تليو جيوردانا، الذي بدأ من حيث انتهى فيلم «بازوليني» (2015)، وتناول مسألة اغتيال الكاتب (كما يحب تعريف نفسه) بتفصيل تناول فيه سير المحاكمة التي تلت الاغتيال لأربع سنين، منذ ليلة الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 1975.
في فيلم فيرارا «بازوليني»، نرى الشاعر الإيطالي ينزل من سيارته متوجهاً إلى مجموعة من الصبيان، يختار أحدهم ويذهب به إلى مطعم ويتناول الصبي السباغيتي، واسمه بينو بيلوزي، ثم يتوجهان إلى شاطئ ليختليا ببعضيهما، يراهما شباب مجهولون، يعتدون على بازوليني دون الآخر، ثم يضرب بيلوزي بازوليني على رأسه ويهرب، من فوقه، بسيارته. الغموض الذي لطالما رافق مقتل بازوليني ظهر كما هو، غامضاً، في نهاية الفيلم، فلا إشارة فيه لشباب فاشيين تقصدوا بازوليني لشخصه، واغتالوه لذلك، وهذا تسطيح ومراوغة غير مفهوميْن ينتهي إليهما الفيلم.
أما فيلم «بازوليني.. موت شاعر»، فقد بدأ من حيث انتهى الآخر، يبدأ بملاحقة سيارة شرطة في الليلة ذاتها سيارة بازوليني يقودها بيلوزي، يعرفون في التحقيق أنها سيارة المخرج الإيطالي المعروف ويبدأ التحقيق إلى أن تتم المحاكمة في نهاية الفيلم، بمرافعة أخيرة لمحامي عائلة بازوليني يشير فيها إلى مقالة كتبها بازوليني يقول فيها، بأنه يعرف تماماً مرتكبي أعمال إرهابية (يذكرها بتواريخها)، يعرفهم بالأسماء وهم من شبيبة الحزب «الديمقراطي المسيحي» الفاشي، يعرفهم لكنه لا يملك دليلاً يدينهم. يقول المحامي مشيراً إلى أعداء بازوليني السياسيين، بأنه يعرف تماماً من قتل بازوليني، يعرفهم ولا يملك دليلاً يدينهم.
لكن الفيلم ذاته، الذي أُنتج عام 1995، لم يلحق تطورات ظهرت عام 2005 في برنامج تلفزيوني لقناة «راي 3»، حيث يعترف بيلوزي بأنه لم يكن من قتل بازوليني، بخلاف إصراره طوال تلك الفترة على أنه من قتله، قائلاً بأن ثلاثة آخرين لا يعرفهم قتلوه، حين كان وبازوليني معاً على الشاطئ. هذا ما تشير إليه السيرة الذاتية الصادرة عن دار غاليمار الفرنسية، والمُعادة طباعتها مؤخراً بمناسبة عرض الفيلم حاليا في الصالات.
في مصدر آخر نقرأ تفاصيل أكثر عن اللقاء التلفزيوني مع بيلوزي، حيث يقول بأن الشباب الثلاثة نعتوا بازوليني قبل قتله بـ «الشاذ» و «الشيوعي القذر» ثم بدأوا بضربه حتى الموت، قائلاً بأنهم أفراد من حزب الفاشية الجديدة.
وفي مقالة بعنوان «من حقاً قتل بيير باولو بازوليني؟» نشرتها «الغارديان» العام الماضي بمناسبة مشاركة فيلم فيرارا «بازوليني» في مسابقات مهرجان البندقية، ذكر بأن بيل وزي كتب مقالة عام 2008 كشف فيها أسماء لجهات فاشية مرتبطة بأجهزة المخابرات السرية مسؤولة عن اغتيال بازوليني، وأنه، بيلوزي، لم يجرؤ على التصريح بذلك في حينه إثر تهديدات طالت عائلته، فاضطر للادعاء بأنه قاتل بازوليني.
يقول صاحب «سالو، أو الـ 120 يوماً من سودوم» في فيلم «بازوليني» مجيباً على سؤال صحافي: «أن تَصدم لدرجة الفضائحية فهذا حق لك، وأن تنصدم لدرجة الفضائحية فهذه متعة»، هو ما يمكن أن يختصر الجرأة التي كتب بها وصنع أفلامه، بازوليني الشيوعي والمثلي والصدامي في كليهما، سياسياً واجتماعياً.
سيصعب تفويت الفيلم الأخير عنه، يكفي أنه يصور ساعاته الأخيرة، إلا أن هنالك دائماً الأفضل في ما يمكن توقعه في تناول بازوليني، أعمالاً أدبية وسينمائية، وسيرا حياتية، وجميعها صدامية حد الفضائحية، بمعنى ممارسته هو، بيير باولو، لحقه واستمتاعنا ـ نحن قراءه ومشاهدي أفلامه ـ بذلك.

سليم البيك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية