لا أزال أعتقد أن الإعلام العربي إجمالا، طارد للكفاءات المحترفة ذات البعد المعرفي ومنسوب الوعي العالي، لصالح الحالات المقابلة من ضحالة وقلة وعي، وربما قلة ادب أيضا.
باسم يوسف، الطبيب الجراح، نموذج أحترمه جدا، كشخص رفيع الذكاء استطاع أن يوظف وسائل التواصل الإجتماعي لتقديم برنامج ساخر، حقق وجوده على الفضاء العربي بقوة العرض والطلب لا بقرار رسمي هابط بالبراشوت من فوق، وهذا سر قوته حتى اليوم، ومع غيابه.
أواخر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، عاد باسم يوسف ليكون تحت الأضواء مرة اخرى، بتقديمه حفل جوائز إيمي الأمريكية – العالمية المشهورة، والتي قدمها بطريقته الساخرة وباللغة الإنكليزية، التي يتقنها الرجل ويتواصل بها ومعها بسهولة كما العربية.
طبعا، إعلام النكد الرسمي في مصر، بالإضافة إلى جمهور واسع من مدمني مورفين التجهيل الفضائي ومتعاطي بودرة عكاشة ولميس الحديدي لم يوفروا وسائل التواصل الإجتماعي للهجوم على الرجل. ووصلت الاتهامات إلى اعتباره عميلا «.. صهيونيا.. ماسونيا.. تابعا لهوليوود الماسونية!!.. وينفذ أوامر الـ«سي آي أيه والموساد».. وما إلى ذلك من اتهامات فظيعة وعجيبة تجعلك تشعر أن هذا العالم الفانتازي جغرافيا محشور في كبسولة هلوسة.
كنت أتابع حفل جوائز الإيمي، وشاهدت باهتمام باسم يوسف واستمعت لمقدمته الطريفة التي جاءت في ظرف حساس وصعب يقوم فيه الجهلة بتشويهنا وتنميط صورتنا بكل القبح الممكن، لأجد أنه، ومن خلال منبر مهم جدا، وأمام محافل كلها تحت أضواءعدسات التلفزيونات الدولية، وبكلمات بسيطة كسر حاجز الثلج، وأوضح بالسخرية ما عجزت خطابات الجدية عن تفسيره و توضيحه.
يقول جراح القلب، والطبيب الساخر بامتياز أدبي رفيع: «إننا عندما نضحك فإنهم يخسرون.. هؤلاء الأشرار الأوغاد، الذين يقتلون الناس في باريس ومالي وكينيا وبيروت وسيناء».
طلعت زكريا يتحدى بعكاشة العالم
في الجهة الأخرى، الجانب المعتم من كوكب القمر، كما يقولون، يخرج علينا المشخصاتي خفيف الدم والمبدع بالتهريج الضاحك طلعت زكريا، في مقابلة معه، قائلا إنه لا يستمع إلا للجهبذ بحر العلوم علامة عصره ونابغة زمانه توفيــــــق عكاشة، ويؤكــــد «طباخ الريس» أن عكاشة هو الأكثر ثقافة بين كل الإعلاميين، متحديا حسب قوله أن يكون هناك إعلامي عربي ينافس «أبو العكش» في ثقافته.
لا أستغرب شخصيا هذا الرأي من رجل وظف شهرته في الساعات الأخيرة من عمر نظام حسني مبارك للدفاع عنه، مهاجما ملايين الثوار في ميدان التحرير على الهواء!! وهذا يكشف حجم الوعي الكامن في دماغه، وهو ذات الوعي الذي يسمح بدخول الدفق المعلوماتي الذي يبثه الدكتور عكاشة عبر فراعينه لمتلقين من هذا النوع.
حين يصبح البث هبلا
وعلى سيرة الدفق والبث والهبل والاستهبال، يبدو أن التلفزيون الأردني مصر على أن لا يتركنا «نتركه بحاله».
فيا سادة يا كرام، يحدث أن الأردن يبدأ حملة لإحصاء وتعداد السكان فيه، وهي حملة عادية في أي بلد محترم يريد تطوير تشريعاته وقوانينه ومعطياته المؤسسية كلها بناء على معطيات الديموغرافيا فيه.
غير العادي، بالمطلق بداية هو هذا النفس المهرجاني والاحتفالي بتلك العملية الإحصائية التي لا تتحمل بطبيعتها منطق الاحتفال، لكن الإعلام الرسمي الأردني القائم على نظرية الفزعة، جند جيوش التلفزيون الرسمي ليوم بث مباشر طويل لم يتردد المذيعون فيه من وصف اليوم «الإحصائي» بالعيد الوطني والعرس الوطني.
لكن، يأبى التلفزيون إلا أن يتفوق على ذاته بالفشل، لنتفاجأ وعلى الهواء بمقابلة مع فنان مستجد جدا جدا، إلى درجة أني اعتقدت أنه قرر خوض غمار الفن والغناء قبل المقابلة بنصف ساعة فقط.
الفنان المطرب المبدع الله يسلمه، أعلن أنه جهز أغنية (ربما خلال النصف ساعة التي اكتشف فيها أنه مطرب)، بمناسبة اليوم الوطني للتعداد السكاني في الأردن!! «أيوالله»…هكذا وبالتنسيق غير الموفق مع المخرج في الاستوديو وبحركات اندماج من المذيع الذي يريد أن يقنعنا أنه مقتنع بكل ما يحدث حوله، بدأت الأغنية بداية مخزية، حيث أنها كانت تصدر صوتا بطريقة الـ«بلاي باك» في خلفية آخر الحوار بين المذيع والمغني، الذي اصابته اللخمة الواضحة، فلم يعد يدري هل يجاري الأغنية التي بدأ بثها أم يكمل حديثه مع المذيع، لننتهي بوقوف المغني بخجل في وسط الاستوديو والميكرفون في يده، وحركة شفتيه تحاول بصعوبة مجاراة الأغنية، أما الكلمات، فحدث ولا حرج، ولك أن تتخيل كلمات أغنية تتحدث عن الحملة الوطنية للإحصاء كيف يمكن ان تكون!! ناهيك عن اللحن الذي التزم بالسلم الموسيقي على الأقل، مع انحرافات نحو سلم الحريق في المبنى.
الكارثة في المشهد كله، كانت في المذيع النجيب، الذي كان يتمايل مع الأغنية بطرب واندماج شديدين، يكشفان عمق ثقافته الموسيقية..
طيب، سأقولها وأمري لله: هناك، في خلفية المشهد، في العمق الذي لا يرى من المشهد كله، خلف الكاميرات والإضاءة والستارة، في العمق البعيد.. هناك من يحتقر المشاهد الأردني إلى درجة أنه يقدم له هذا المنتج كمستحقات مناسبة.
يوليوس قيصر يقول: صبح صبح يا عم الحج
الذوق العام أيضا مسؤول في جريمة انحطاطه أحيانا، وهذا ما اقتنعت أكثر به، بعد أن رأيت الفنان المصري محمد سعد في برنامج «ممكن» لخيري رمضان على «سي بي سي».
المضيف خيري طلب من ضيفه الممثل الكوميدي المشهور بالتهريج حد الابتذال، أن يؤدي مشهدا شكسبيريا كان يؤديه أيام دراسته.
لم أتوقع أن أرى اداء عفويا وشبه ارتجالي مذهل إلى هذا الحد من مقطع صغير لمسرحية «يوليوس قيصر» يؤديها محمد سعد الذي اعتدت رؤيته بكامل الشخصية المبتذلة.
من هنا، فإن الذوق العام المطالب بوجود شخصية مثل اللمبي لتتصدر الشباك في السينما، هي التي دفعت رجلا بمواهب مسرحية رفيعة أن يخلع ثوب الملك «لير» ليرتدي أسمال الولد الصايع في الحارة.
كاتب واعلامي أردني يقيم في بروكسيل
مالك العثامنة