بما يشبه الوعد بالتنويع الكتابي على اسم وفضاء البصرة يكتب محمد خضير (باصورا كتاب لن يكتمل، ولفظٌ لن يُضبط إلا في تأتأته واشتقاقه اللساني المتحوّل في لُسُنٍ متراطنة. يكتب ذلك الاستهلال الشاعري المحمول على لفحة أسطورية في كتابه «أحلام باصورا» الصادر حديثاً عن منشورات الجمل. وهو وعد روحي وأدبي أشبه ما يكون بالميثاق مع غبطة بداياته، يريد من خلاله ليس الإبقاء على رنين بئره الأولى في المدار الكوني وحسب، بل التلذُّذ الذاتي بالكشف عن (الطبقة المفقودة من البصرة الأولى).
كما يتأكد هذا المنزع في مراودته الأولى (بصرياثا – صورة مدينة) حيث كتب آنذاك «ما كانت بصرياثا لتولد، لو لم أستولد خططها في هذا الكتاب. نطفة الكتاب قدمت من العدم، تموت بصرياثا لو مات كتابها». بمعنى أنه يكتبها لا ليستذكرها، بل ليؤجل موتها وليبعثها من هجعتها وفق (خطة طوباوية متربعة على طبقات من الخطط القديمة) فهي دفقة أحلام باصورية تختزن هواجس سردية عمرها ستون عاماً.
سيمر وقت طويل، كما يقول «كي ندرك علاقة نصوص باصورا بذلك الاسم الصخري الأبيض الهش، وبأركيولوجيا الاسترجاع والتبديل والتحريف». وعلى هذا الأساس يؤدي فروض استرجاعها في مشاهد اليومي والعادي «خطوات مؤذن هرمٍ يقصد مكان الأذان خمس مرات في اليوم، أو من تسارع أصابع تضفر خوصات لُدْنّا في سفيف زنبيل ومروحة وحصير، أو من تناوب تغريد أطيار على نوتات الصباح والمساء». فهذا الاسترجاع القائم على أحلامه المشتبكة بغابة النخيل، وعلى قياس الحفْر والانسلاخ يتراوح ما بين «الفوضى والركون، القيام والقعود، البطء والإسراع، الفطرة والتمدّن، الوهم والحقيقة، الصواب والانقلاب عليه، الكلام واختراع ألفاظه وحوارياته» بمعنى أن اللغة التي يستمتع محمد خضير بنحت قوام مفرداتها هي التي ستستولد باصورا. على هذا الأساس يرسم ارتدادات باصورا الجغرافية والتاريخية والثقافية والأسطورية، ليؤثث منصته الذاتية للكلام عن (باصوراه) حيث يؤرخ لذلك الاكتشاف بخروجه لأول مرة من الحيّ الذي يسكنه بخطواته الصغيرة ناحية دار السينما الصيفية كمتلصص سينمائي. وكلما توغل أكثر في «ملاعب الوقت» وابتعد عما يعتقده «الباصوريون» حول مدينتهم «سُرّة العالم» أصبحت باصورا أصغر، حيث أبلى أزواجاً من الأحذية «لا يبليها عشرة مشائين مجتمعين».
كما لعب بالدمى الطينية حتى استحق اسم «اللاعب بالطين» في مدينته التي تعيش اليوم «نسختها الحادية عشرة أو العشرين من باصورا القديمة»، مؤكداً على انتفاء رغبته في دخول باصورا دخولاً فانتازياً، بل بتقاطع بين الحقيقية والمفترضة.
واستعادة أحلام تحافظ على «فوريتها وعلاقتها الوثيقة بالواقع الاجتماعي المتشابك الجذور والمصادر، ولا تتوانى عن الإحالة الصريحة إلى التجربة الشخصية الواقعية أساساً لتأويل
الحلم، وإلى الحقيقة الصلدة مقياساً للخيال المنمّق».
باصورا – هذا المكان السائل كدموع – بتصوره «صنعتها ألعاب الوقت» أو كما يزعم المؤرخون «أن السيف والكتاب وبئر النفط كانت وراء نشوء باصورا». وتلك هي طريقته في التورية اللغوية، والتكثيف المشهدي، واستزراع نصه بغابة من العلامات والوخزات الناقدة. حيث يصنّف لاعبي باصورا إلى ثلاثة أصناف لاستجلاء خدع الأوهام السائدة، لاعبي السطح الوافدين من النسخ البائدة. ولاعبي الكهوف الافتراضيين. ولاعبي أكاديمية الوقت المولودين مع ولادة النسخة الجديدة من المدينة، متسائلاً إن كان سكان باصورا مجرد لاعبين بلا ألعاب، وإن كان العالم يصدق أصلاً بوجود هذه المدينة. ويعرف معجمها الذي «سُلخت منه طبقات». فمشكلة لغة باصورا تكمن في المعاني الظاهرة والمعاني الباطنة، حيث «قُصد أن يحتوي المعجم المسائل المستحدثة التي وسعتها طرق الهجرة والانتشار المتزايد للهجات الهجينة والألفاظ الوافدة».
وهكذا تتهدج نبرته وينحى نصه للرثاء بتداعي المشاهد الآفلة، فكل ما عاشه يتبدد بذرائع مختلفة، كأن يرثي اختفاء خطاطي باصورا الذين كانوا مكوّناً من مكوناتها الروحية، وضياع
ألبوم صور ولوحات المستشرقين والرسامين، معدداً بشكل تفصيلي معالم تلك المنظومة الحُلمية مرتداً إلى ما جاء في (دير قنى) عن باصورا. وما يسميه بالكشكول السرياني الذي يختزن جذور كلماته العربية وطبقات تكونه الثقافي. وبما يشبه مزج الأزمنة، وتركيب الأحلام على الكوابيس من خلال الحصارات المتتابعة رصد لحظة تغييب نجيب محفوظ عن القارئ العراقي، حيث حدثت القطيعة بينه وبين الأديب العراقي «مثل قطيعة نص هيروغليفي مع قرائه». كما رسم نهاية مؤلمة لأبي زيد السروجي الخارج من مقامات الحريري بعد أن استنطقه وطوّح به في فضاء باصورا. ليسرد سيرة شاعرها المنتمي إلى عُصبة (التموزيين) ويقصد بدر شاكر السياب، حيث انطفأت شمسه في المستشفى الأميري في الكويت «وهَمّد البحرُ مبتلعاً آهة الغريب».
لم تتوقف نصوص باصورا عن التقدم إلى الوراء، فهي نصوص يأمل أن «تؤوّل على مذهب المقايضة السردية بنصوص أحلام الرائين الكبار». وهي نصوص منذورة لنبش الماضي للتعرّف على ما آل إليه حاضر المدينة. وهذا هو ما يفسر ارتباطها بالأحلام والمنامات والثيمات المفتاحية، وكذلك الاستعادات الصريحة لمحمود البريكان، ومهدي عيسى الصقر، ومحمود عبدالوهاب، وسعدي يوسف، باعتبارهم من الشهود الباصوريين، الذين يحملون أسماء صريحة. ولهم وجهة نظر ثقافية في المدينة التي لم تكف عن التلوّن والتشكُّل، مقابل السيرورة اليومية الحيّة للمدينة ضمن ما سمّاه (روائح العائلة) في بناء مشهدي تأصيلي لمنظومة من القيم والعادات التي لا يمكن التماس معها إلا على إيقاع (تراجع الزمان). وهكذا يؤسس سرده بشعور (المتخلي) الذي يشعر بأنه مطارد لكنه لا يعرف من يطارده، ولذلك يتفحص الوجوه والفضاءات والأسماء. فذاكرته تختزن «وجوهاً كثيرة مضغوطة في علبة صغيرة، أو محشورة في حافلة كبيرة لنقل الركاب»، وكأنه ينحدر في العُمر والزمان والمكان بميلان هاوية أفقية تتأرجح ببطء. وكما يفتش في الكتب والتاريخ والمخطوطات والخرائط لتقشير طبقات باصورا، يمسح شوارعها صباح كل جمعة برفقة ولده، ابن الخامسة عشرة «بحثاً عن مصدر متاح لأحد كتبي التي أعكف هذه الأيام على تأليفها من بقايا اللغة القديمة». وكأنه يكاشف قارئه بسيرة نصه، حاملاً «بُشرى الكتابة بقلم الواقع الوليد، بعد ليلة مدّلهمة بصور الماضي البعيد المتسابقة للظهور والتجلي»، حيث يذهب بعيداً في المصارحة ليطابق أحلامه بأحلام نجيب محفوظ في ختام مراحل عمره الحياتي والأدبي، ويختبر لمحته على حافة فترة نقاهته. «اقترعَتْ أحلام نجيب محفوظ نقاهة الوعي المجروح في دهاليز الفكر الأصولي المتشدّد. أما أحلامي فقد اقترعَتْ على ما اقترع عليه العراقيون، على المستقبل الغامض الذي يلوح في لاوعي الطقوس اليومية للقتل والتكفير والتهجير. لذا فإن كلا النوعين من الأحلام يقاوم حاجز اللاوعي الكهنوتي، ويكشف اللثام عن تعبير يخطو باتجاه تحقيق رؤيته والنور».
٭ كاتب سعودي
محمد العباس