بتجاهل أمريكا وعلى طريقة «اتفاق حلب» تركيا تسعى لحسم الملف السوري مع روسيا ثنائياً في أستانا

حجم الخط
4

إسطنبول ـ «القدس العربي»: بينما كانت باصات المُهجرَين تخرج من المناطق المحاصرة في شرقي حلب بموجب اتفاق ثنائي بين موسكو وأنقرة، كشفت مصادر تركية وروسية عن جهود قوية من قبلهما لإطلاق محادثات بين الأطراف السورية في محاولة للتوصل إلى حل نهائي للأزمة المتواصلة منذ سنوات والتي دفعت أنقرة فاتورتها الأكبر.
وعلى الرغم من أن «اتفاق حلب» واجه صعوبات كبيرة جداً ولم ينفذ بشكل كامل حسب الاتفاق، إلا أن تركيا رأت فيه نجاحاً للجهود الدبلوماسية المضنية التي خاضتها طوال الأيام الماضية بشكل مباشر مع روسيا وتسعى لتعميم هذه التجربة سريعاً لكي تشمل حواراً أوسع ستسعى من خلاله مع روسيا من أجل التوصل لحل نهائي للأزمة في سوريا مع تجاهل إشراك الولايات المتحدة لغاية روسية تركية مشتركة أيضاً.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان أول من أعلن عن فكرة المباحثات الجديدة، وقال في تصريحات صحافية، الجمعة، إن بلاده وتركيا اتفقتا على استمرار اللقاءات بين الأطراف المتصارعة في سوريا استنادا على أرضية جديدة، في العاصمة الكازاخية أستانا، وذلك في حال موافقة تلك الأطراف.
وأوضح بوتين أنه اتفق مع أردوغان خلال اتصال هاتفي بينهما جرى الخميس، على مقترح لاستمرار محادثات السلام بين الأطراف المتصارعة في سوريا، في أستانا، لافتاً إلى أن «روسيا ستوصل الاقتراح إلى النظام السوري، في حين ستقوم تركيا بإيصال المقترح إلى ممثلي المعارضة السورية المسلحة، وفي حال قبول الأطراف سـيــتـم توجــيــه طـلب إلى الرئيس الكازاخي نورسلطان نزارباييف لدعم المفاوضات».
وفي تصريح لافت شدد بوتين على أن الخطوة التالية بالنسبة لروسيا في سوريا هي التوصل لوقف شامل لإطلاق النار في عموم سوريا، منوهاً إلى أن وقف إطلاق النار وعملية الإجلاء من حلب هو تطبيق لما اتفق عليه مع أردوغان.
وأستانا عاصمة كازاخستان استضافت سابقاً لقاءات بين ممثلين عن نظام الأسد وشخصيات من المعارضة السورية «المقبولة من النظام السوري» بينما قالت مصادر عدة إن مباحثات بين المعارضة السورية جرت مع روسيا في العاصمة التركية أنقرة خلال الأسابيع الأخيرة.
تركيا من جهتها أكدت على لسان وزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو أن المقترح أوصله بوتين إلى أردوغان، وأوضح الوزير أن المقترح ينص على «عقد لقاء بين ممثلي النظام والمعارضة في بلد ثالث، وذلك عقب وقف إطلاق النار».
جاويش أوغلو لفت إلى أن تركيا «تجري مباحثات مكثفة مع المملكة العربية السعودية وقطر وروسيا وإيران، بشأن سبل حل الأزمة، كما تسعى في الآونة الأخيرة إلى جمع ممثلي المعارضة السورية مع الجانب الروسي». ولم يتم تحديد موعد بدء هذه المباحثات، حسب ما نقلته وسائل الإعلام التركية عن مصدر في الرئاسة.
من جهته أكد الناطق باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن أن بلاده تنظر بإيجابية إلى مقترح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بإجراء محادثات في أستانا، استنادا إلى أرضية جديدة، مؤكدّا أهمية صدور الاقتراح من الجانب الروسي.
لكن رئيس الوزراء بن علي يلدريم سعى لاستباق التكهنات من خلال التأكيد على أنه «لا يمكن بقاء نظام مسؤول عن مقتل أكثر من نصف مليون إنسان بريء»، بعد أن قال في كلمة له أمام البرلمان التركي، مساء الجمعة، إن الهدف الأكبر بالنسبة لبلاده فيما يتعلق بالملف السوري، هو تشكيل نظام جديد يُمثّل جميع المكونات في سوريا، وعدم انجراره إلى حالة عدم استقرار جديدة.
وفي أول تعقيب على المقترح التركي الروسي، قال رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، أنس العبدة: «نؤيد ذلك إن كان هناك تواصل سياسي عام وصادق، وسعي من أجل تشكيل حكومة انتقالية ذات صلاحيات كاملة». وأضاف «الهيئة العليا للمفاوضات التي نمثلها تشكلت لإيجاد حل سياسي».
وخلال الأيام الماضية جرت العديد من الاتصالات بين كبار المسؤولين الأتراك والروس على رأسهم أردوغان وبوتين تركزت جميعها حول الملف السوري، حيث تسعى أنقرة بكل قوة إلى استغلال تقاربها الجديد مع روسيا لحسم ملف الأزمة السورية وإنهاء أكثر الملفات التي أنهكت الحكومة التركية سياسياً وأمنياً واقتصادياً طوال السنوات الماضية.
ويرى مراقبون أن أهداف روسيا وتركيا تلاقت في محاولة توجيه رسائل إلى واشنطن من خلال تهميش الدور الأمريكي في المحادثات المتوقعة كما حصل في «اتفاق حلب» الذي لم تشارك فيه واشنطن بشكل مباشر. بينما قال مسؤول روسي قبل أيام إن المباحثات الثنائية مع تركيا حول سوريا أجدى بكثير من الحوار مع أمريكا.
ويُتوقع أن تبدي أنقرة ليونة غير مسبوقة وتمارس ضغطاً كبيراً على المعارضة السورية المدعومة منها في محاولة لتحقيق خطوة تاريخية تعزز علاقاتها مع موسكو وتوجه من خلالها ضربة للغرب الغاضب من التقارب المتزايد بين أردوغان وبوتين، حيث تتهم تركيا الغرب بتجاهل مصالحها والتهديدات الإرهابية التي تواجهها بالإضافة إلى الاتهام السابق لواشنطن ودول الاتحاد الأوروبي بالتقاعس في إدانة محاولة الانقلاب الفاشلة في البلاد على عكس ما فعل بوتين الذي كان أول المتصلين بأردوغان ليلة الانقلاب.
لكن الأبرز بالنسبة لأنقرة هو إنهاء خطر التهديدات الإرهابية الآتية من سوريا والتي أدت إلى ضرب السياحة والاضرار بالاقتصاد بشكل غير مسبوق، حيث قتل وأصيب عشرات الأتراك في هجومين خلال أسبوع واحد ضربا مدينتي اسطنبول وقيصري، بعد سلسلة هجمات إرهابية أوقعت خلال الأشهر الأخيرة مئات القتلى والجرحى.
وتدور شكوك واسعة حول قدرة تركيا وروسيا في فرض حل سياسي على جميع الأطراف المشاركة في الأزمة السورية، لا سيما إيران وجميع الميليشيات الشيعية التي لم تلتزم بالتوافقات التي تمت بين موسكو وأنقرة حول إخراج المحاصرين داخل الأحياء الشرقية في حلب، كما أن واشنطن والأطراف الغربية الأخرى لن تُسلم بأي حل سياسي نهائي لم تشارك في إعداده وستعيق أي جهود تركية لتهميش دورها في سوريا.
ومن أجل الاتفاق على حل جزئي في حلب، خاض وزير الخارجية التركي معركة دبلوماسية غير مسبوقة أجرى خلالها قرابة الـ100 اتصال هاتفي مع مسؤولين دوليين، 13 منها مع وزير الخارجية الإيراني، وغيرها مع المسؤولين الروس والعرب ودول الخليج العربي بالإضافة إلى نظرائه في دول الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يفتح الباب واسعاً أمام التساؤلات حول عدد الاتصالات الهاتفية والزمن المطلوب للتوصل إلى حل نهائي للأزمة السورية بشكل عام؟
أردوغان: الهجمات الإرهابية تستهدف كل الشعب التركي لعرقلة تقدمه

قال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان إن الهجمات التي تتعرض لها بلاده في الآونة الأخيرة، تستهدف كل الشعب التركي، وليست بمعزل عما تشهده المنطقة من أحداث، خاصة التطورات في سوريا والعراق، وحتى التقلبات الاقتصادية.
وفي بيان، أمس السبت، صدر عن الرئاسة التركية، بخصوص الهجوم الإرهابي الذي استهدف حافلة تقل جنودًا في ولاية قيصري، وسط البلاد، أوضح أردوغان أن «العمليات الإرهابية تستهدف إلى جانب الجيش والشرطة 79 مليونًا من مواطنينا، وتركيا تتعرض لهجمة مشتركة من التنظيمات الإرهابية».
وأضاف أن «منظمة بي كا كا الإرهابية الانفصالية، على الأخص، تستنفر كل إمكانياتها، وأسلوب وهدف عملياتها، يشيران إلى أن الغاية الأساسية للمنظمة هي قطع الطريق أمام تركيا، وعرقلة تقدمها».  وأكد أن بلاده «ستواصل بعزم مكافحة التنظيمات الإرهابية». داعيًا جميع الأطياف في تركيا إلى الاتحاد في مواجهتها.
وفجر انتحاري سيارة مفخخة، صباح أمس، بجانب حافلة تقل على متنها عسكريين أتراك قرب جامعة «أرجياس» التركية في ولاية قيصري بوسط البلاد، حسب تصريحات صحافية لوالي قيصري سليمان قامجي.
وفي وقت سابق، أعلنت رئاسة الأركان التركية عن «استشهاد 13 جنديًا وإصابة 48 آخرين جراء الهجوم».
وقال نعمان قورتولموش نائب رئيس الوزراء التركي خلال مقابلة مع محطة (إن.تي.في) التلفزيونية إن المواد المستخدمة في الهجوم بسيارة ملغومة على حافلة تقل جنودا خارج نوبة عملهم في قيصرية بوسط البلاد مشابهة لتلك التي استخدمت في تفجيري اسطنبول الأسبوع الماضي.
ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها على الفور عن الهجوم.

بتجاهل أمريكا وعلى طريقة «اتفاق حلب» تركيا تسعى لحسم الملف السوري مع روسيا ثنائياً في أستانا

إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية