بيروت ـ «القدس العربي»: يبتكر الشاعر والفنان سليم علاء الدين سبلاً لوصل الشعر بالمتلقين عبر حيوية معاصرة. لم يكف عن قوله بالعامية في أي مكان عام متاح. شاعر في مقتبل العمر، تميزه رغبة جامحة في قول أشعاره، مدعماً إياها بخبرته في المسرح والتمثيل. جديده «فرقة حكي» ومع الفنانين أشرف الشولي، وطارق بشاشة وعبدالله جطل، رباعي منسجم ومتناسق قدّم عرضاً شعرياً موسيقياً بعنوان «بتخايلك» في المركز الثقافي الروسي في بيروت. فمن قال أن الهجران يصيب الشعر؟ كادت الصالة ان تمتلئ، وكانت لحظات بهجة مع الأنغام والغناء والتعبير الصادق.
في تعريف «فرقة حكي» أنه مشروع موسيقي، فني وأدبي خاص، قائم على الارتجال الموسيقي المندمج مع نصوص شعرية لعلاء الدين، ومبني على تجانس وانسجام إبداعي بين عناصر الفرقة الأربعة. عرض «بتخايلك» كان وفياً للتعريف، والارتجال الموسيقي ذهب بعيداً خلاله، متأثراً بإيمان الشاعر بشعره، والدفء المتبادل بين النغم والمعاني. حالة المسرح في عرض «فرقة حكي» كانت على تناغم وانسجام كلّي مع المتلقين، فكان تألق تدريجي وصولاً إلى التجلي.
سليم علاء الدين يجمع بين الشعر والتمثيل، له حضور مختار بعناية في الدراما وفي السينما اللبنانية. هو ليس بصدد اختيار لقب ليعرف من خلاله، يكتفي باسمه وحيداً. ويؤكد انه دائم التفكير في ابتكار مشهدية خاصة بحالة الشعر لديه، منها الرقص التعبيري المرافق للإلقاء على المسرح. بعد تجارب متعددة في أسلوب إلقاء الشعر في المقاهي الشعبية وعلى المسرح كانت «فرقة حكي». يقول علاء الدين: الشعر وحيداً ليس هو الهدف. بل تقديم حالة فنية جديدة ومختلفة. جديد هذه التجربة هو أن المؤدي هو الشاعر بعينه، وأن الشعر خرج من إطاره الفصيح إلى العامية. الصدفة أوجدت «فرقة حكي». عناصر تلك الفرقة هم أعضاء في «ملتقى أصل الحكي» الذي نشأ قبل سنتين وحمل عنوان كتابي الأول، وله نشاطه الثقافي الممتد من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. هي العودة إلى الأطراف، فشعراء وأدباء تلك الأطراف هم من صنعوا الحالة الثقافية في مدينة بيروت. تبلورت الفكرة مع أشرف الشولي عازف العود، وطارق بشاشة عازف الناي، ومؤخراً انضم إلينا عبدالله جطل. «فرقة حكي» كانت وليدة الصدفة، تبلورت خلال سهرة لدى أصدقاء، عُزفت الموسيقى إرتجالياً، ودخلتها شعراً، وتخللها مقاطع مغنّاة. هذا التداخل الإرتجالي لقي ارتياحاً من قبل الجميع. وكان توافق في الرأي أنها التجربة التي يجب البناء عليها. لاشك أننا كفرقة على تعاون مسبق ومزمن وضمن أطر مختلفة.
في حضوره على المسرح وسط عزف حيوي لزملائه نشعر بسليم علاء الدين وكأنه دخل في حالة من الانسجام الكلّي، إن لم يكن التصوف. في هذا يقول: ليست لدينا قوالب مقدسة، بل نحن قيد التجربة والإرتجال، وهو سيتواصل على هذا الحال. المميز في حضورنا نحن الأربعة أن أي تعبير من أي منا كلمة، نغمة، رنة أو إيقاعاً تعمل كما السحر في مسك حالة الجميع على المسرح. كافة الأمور قابلة للتغيير، الثابت أننا لا نرغب في أن نكون فرقة صوفية بالكامل، ولا فرقة حياتية. نشق مساراً بين الاثنين، الأمر صعب ولا نعرف كم سنتمكن من بلوغه.
في هذا التواصل الإرتجالي مع الجمهور الشعر فقط هو المكتوب. يقول علاء الدين: الأداء، متى الإلقاء ومتى الغناء، متى تقف الموسيقى ومتى تنتهي القصيدة، فهذا متروك للإرتجال. إرتجال يعتمد على الإحساس الداخلي. ليس مستحيلاً تنغيم الشعر حيث يتم تلحين مقالات الصحف. تكمن المسألة في التواصل الروحي بين أعضاء الفرقة، والذي يؤدي إلى تلك اللحظة في شكل الأداء. ليس في الأمر ثباتاً، مرّت عروض دون كلمة مغنّاة، وأخرى مختلفة. إنها الحالة الداخلية للفرقة، فالترابط بيننا وثيق جداً لحظة وقوفنا على المسرح.
سليم علاء الدين ليس ثابتاً على المسرح حين يغني الشعر أو يلقيه، يلفه انفعال يعبر عنه بحركات جسده وانفعالاته، يقف أو يجلس، يغمض أو يفتح عينيه. تقرأ في حاله حال الجنون التي تنتاب الشعراء للحظات وليس جبل حرمون. يوافق على التوصيف ويضيف: حال فيه الكثير من الجنون. لا فرق بين جنون الشاعر وجنون جبل حرمون، فهما صنوان. أنا أبن السفح الجنوبي لحرمون. حرمون ينقسم لثلاثة أجزاء بين لبنان، سوريا وفلسطين. بلدتي كفرحمام على حدود هذا السفح بين البلدان الثلاثة، وفي «فرقة حكي» طارق بشاشة من لبنان، أشرف الشولي من فلسطين وعبدالله جطل من سوريا، وهذا ما كان بمحض الصدفة.
حضور الشاعر على المسرح يتمدد إلينا من خلاله تعبير ألم يلف حركته هنا لا بد من السؤال: كم هو ألم حقيقي وكم هو تمثيل؟ لاشك هو طبيعي. يجيب سليم. ويضيف: التمثيل هو الصدق بشكل أو بآخر. وبأعلى الصوت أقول: أعذب الشعر أصدقه، وليس أكذبه. ومقولة أكذبه يجب رميها في مزبلة التاريخ. هذا الإنفعال الذي لاحظتيه مني على المسرح ناتج دون شك عن أشياء تمسني في القصيدة التي أنا بصددها. عندما تكون قصيدتي معنية بقريتي، بالراحل والدي، بوطني أو فلسطين سينشغل المتلقي معي. الجانب الأكثر خصوصية يمس الآخرين، فلكل منا أب، قرية، مدينة ووطن، وما يسمعه من شعر سوف يمسه دون شك.
أعضاء «فرقة حكي» يعيشون مع الشاعر تجليات واضحة وجميلة. قد يعتقد أحدنا أنهم حافظون للشعر ويعيشون إرهاصاته حتى يكون منهم كل هذا الإرتجال المبهج. لكن ماذا يقول سليم: مبدئياً هم يعرفون القصائد التي أرغب في قولها، إنما في أحيان ألقي جديداً لم يسبق لهم الإطلاع عليه. هو شعر سبق وكتبته وليس مرتجلاً.
في حضور «فرقة حكي» على المسرح لكل من أعضائها الموسيقيين سلاحه الذي يُصدر نغماً. يختلف سليم علاء الدين عنهم في إتكائه على العصا. معه تشعر بالحنين إلى زمن الراعي الشارد في البراري، خاصة عندما نسمع منه الشعر العامي. رأيه في السؤال: هي علاقتي الودية جداً مع التراب والأرض. ليس بيننا فصام. في فلسفتي أني مغرم بالنزول نحو الأرض. في النزول إرتقاء بالنسبة لي، وعكس ما يرددون عن الصعود. القاع يكمن في الأعالي. هي إضافات وتفسيرات لقراءتك الشخصية وربط العصا بالراعي، وهذا ما لم أكن أقصده، لكنه أعجبني. لا شك في العلاقة الوطيدة بين العصا والجذور، والإنسان العجوز وكذلك التواضع. تحمل العصا لون الأرض وهي جزء من الشجر.
في شعره استعاد سليم علاء الدين العديد من الصور التي تحكي التقارب بين الإسلام والمسيحية. معه «دقت جراس الميدني»؟ ألم يعد ممجوجاً هذا التعبير؟ الجواب: قراءة في سياق الجاري تكون صحيحة دون شك. لست مع مقولة الغناء للجرس والمئذنة. مئذنتي ذات الجرس خارجة عن حدود الأديان. هو جرس الأرض وهي مئذنة الأرض.
في قصائد سليم علاء الدين كفرحمام دائمة الحضور، وأمكنة أخرى ذات دلالة وجدانية كما فلسطين، الناصرة، بيت لحم والقدس. هل هي استدعاءات لأمكنة غريبة عن المرحلة ولماذا؟ ليس صحيحاً يجيب سليم. ويتابع: كم من الصعب أن تدخل كفرحمام في قصيدة، لعبة الوزن فيها معدومة. هي أمكنة ذات لزوم وجودي خاص بي، وذات لزوم وجودي عام مهما تغيرت الاهتمامات من حولي. بين قريتي والقدس 35 كلم هي أقرب لي من بيروت.
ماذا عن القراءة أو الغناء التهكمي للقصيدة بالنسبة لك؟ إنها المشاعر والإنفعالات الناتجة عنها، وهي متعددة الأشكال. هذا التعبير يحضر معي إرتجالياً. وثمة نصوص يكون نبضها تهكمياً كما قصيدة «سُمعة صديقي ما بيستنكر ولا بدين ولا بيستهجن.. ما خصو بمؤتمر القمة.. ما بيفقع بيانات مهمة بتشكي من أخطار الأمة.. لكنه بكل بساطة لن يعترف بإسرائيل».
كتب سليم علاء الدين الشعر العامي بعد تجربة مع الفصحى والزجل. يقول: التجربة قادتني إلى العامية. وقريباً سيكون لي ديوان «عرس بالشام». هو عنوان وليس له صلّة بالواقع السياسي الحاصل. وفيه قصيدة تقول: «صوتك عرس بالشام حتى بعد ما تسكتي بيبقى سبع تيام».
في سجله الدرامي فيلم «أهل الوفا» مع المخرج نجدت انزور و»رجل شريف» مع المخرج جان كلود قدسي، وخلة وردة. ومن المسلسلات: «الوحش» و»خيانة البنادق».
زهرة مرعي