بيروت – «القدس العربي»: ظهر المسرحي اللبناني جو قديح في صفحته على الفيسبوك بصورة ساخرة للغاية من مفاعيل الأبوة. وقد يكون من شأن الصورة «تطفيش» الشباب من الزواج. بخلاف ما نعهده هو بربطة عنق. يحمل ابنته بيد، وبالأخرى ملقط بطرفة «حفاض»، وغطى وجهه بـ»كمامة» كتلك التي يوزعها الصهاينة على مستوطنيهم، تحسباً لهجوم كيميائي مزعوم. إنه «البوستر» لمسرحيته الجديدة .Daddy فقد قرر جو قديح إشراك جمهور مسرحه في حياته العائلية. عرّى ذاته أمامه، كونه يرى أن «لا مسرح دون تعرية الذات». قبل أن يعتلي الخشبة، أطلت طفلته «سنة وشهرين» لتفقد الصالة. بعد قليل صارت مُحتضنة بين يديه لوقت قصير لا يزيد عن خمس دقائق. ودعت ورحلت. وانطلق يخبرنا بما اتاحته له حياته الجديدة من تفاصيل الأبوة، الزواج، المرأة، الرضاعة من الثدي وغيرها من المستجدات. ولأول مرة في مسرحه يُظهر قديح كماً من الجرأة في الكلام. فهو على قناعة بأن للمسرح أن يحطم الأنماط والتابوهات.
مع جو قديح كان هذا الحوار:
○ هل كنت تحتاج لتجربة الأبوة كي تتأكد أن عالم الرجال قد فشل؟
• ليس بالضرورة. لكنها تجربة زادت من التأكيد بأن عالم الرجال قد فشل. لو كانت المرأة هي من تقرر السياسات والأمور جميعها لاختلفت الحياة كلياً على هذا الكوكب.
○ Daddy مثلث عائلي بامتياز هل تقول للرجال ما سيكون في انتظارهم في عالم الأبوة والزواج؟
• بشكل مبطن نعم. هي سيرة حقيقية للأبوة. وثمة مقتطفات استوحيتها من أماكن متعددة. لكل انسان ما يعيشه ويختبره. ما اكتشفته مع الحياة الزوجية أنه مسألة جميلة جداً. وإن سألتني هل الزواج أمر إيجابي؟ ردي هو نعم وبالتأكيد. «شغلة» جميلة جداً أن تكون لدينا عائلة.
○ وهل ندمت لأنك تأخرت في أبوتك حتى عمر الـ46؟
• لا ندم. هو زواجي الثاني. يرددون: إذا قمت بالعمل مرة تتعلم، وإذا قمت به ثانية «تستاهل».
○ أن يُمسرح الانسان حياته فأين الصعوبة، وأين السهولة؟
• جميع الكتاب يضعون من ذاتهم فيما يكتبونه وفي شتى المجالات. نصيّ فيه تعرية. تكمن الصعوبة في دخول الناس إلى حياتنا الشخصية. دخلت إلى حياتي بطريقة غير مباشرة. ما من أمر يدفعني للخجل. المسرحية برمتها تضيء على حياتي الخاصة، وفي أماكن أخرى تضيء على حياة كل ثنائي أو ثلاثي أو عائلة.
○ يقال أن الزواج إلى تراجع أو هناك إحجام عن خوض تلك المسؤولية. فهل قدمت للشباب صورة حقيقية عن الزواج إن لم نقل وردية؟
• لكل انسان أن يقيم اختباره الخاص. رغم الحب المتبادل لم ينجح زواجي الأول. ما من شمولية في الرأي بخصوص الزواج. الزواج عقد يقيمه اثنان معاً. في رأيي مؤسسة الزواج برمتها خاطئة، لكني أؤمن وأرتكز أكثر على مؤسسة العائلة. إنها القناعة بالشريك الذي نختاره لحياتنا.
○ هل كتبت ومحوت كثيراً قبل الوصول إلى النص النهائي؟
• دون شك. في اعدادي للنص أحذف وأضيف. وفي نهايته لا أخاف مطلقاً من «التشحيل».
○ هل وجود طفلتك جوليا جعلك تشعر بأن تجربة الأبوة مشوقة لتكون نصاً مسرحياً؟
• ثمة أمور تفرض نفسها. «شوية شوية» ركبت مسرحية Daddy. حتى آخر لحظة وقبل بدء العروض، ثابرت على بلورتها نصاً. ليس لي أن أفترض ماهية نصي المسرحي بدون ابنتي وزوجتي. ربما كتبت ما هو مختلف كلياً.
○ تظهر جوليا معك للحظات على المسرح هل تخشى أن تخذلك في عرض ما وتعتكف؟
• بل أخاف أن أخذلها في ازعاج طفولتها. في العرض السابق لهذا الحوار وصلت إلى المسرح للحظات، نظرت الى الناس وقفلت عائدة. لا أجبرها على الحضور. حضورها على المسرح أمر جميل لها ولي وللجمهور. أحترم تماماً أن لا ترغب في الحضور أمام الناس، أو أن تكون قد خلدت إلى النوم.
○ هل راودتك فكرة مرافقة جوليا لك طوال العرض المسرحي؟
• من الأفكار التي راودتني مسرحياً أن نكون على المسرح وكأننا في البيت. أن «أتشتشها» مثلاً، «أدشيها»، أبدل «حفاضها» أو أعدها للنوم. لكني أحترم خصوصيتها كطفلة. لهذا، كان القرار بحضورها على المسرح لخمس دقائق بالكثير، ومن ثم تغادر إلى البيت للنوم. لكني أرغب في الكشف أن جوليا عصية على النوم. هي «سهّيرة» كما والدها.
○ كمسرحي وكاتب ومخرج ومؤدي هل كنت ستفشل في تجسيد معارك المرأة مع الهورمونات والإنجاب دون معايشتها في الواقع؟
• ليس الزواج العامل الوحيد الذي تركني أكتشف معارك النساء مع الهورمونات. ليست زوجتي هي المرأة الوحيدة في حياتي. كافة النساء والرجال لديهم ما يتشابهون عبره. كان الله في عون المرأة، فالكثير من الناس لا يعرفون ماهية شغل الهورمونات. لن يكون لي الإحساس بمناكفة الهورمونات للمرأة في مرحلة ما، أو حتى فهم عملها بالعمق، لكوني لست بامرأة. إنما هناك يومان أو ثلاثة من كل شهر أهرب خلالها من البيت. وهذا ما أفعله للضرورة القصوى. فحين تضج الهورمونات، وتدخل زوجتي في مرحلة الـ»كريزة» يجب أن أعرف السبب، وابتعد. عندما تهدأ أحوالها تعود لتعتذر.
○ هل ستتحدث أكثر عن قدرات النساء في أعمال مسرحية مقبلة؟ هل يشغلك هذا الموضوع؟
• هذه المرأة القوية القادرة موجودة في كافة نصوصي وعروضي المسرحية، بدءاً من مسرحية شارل ديغول، حتى عرضي الحالي. كمسرحي ليس لي اعطاء المرأة حقها. بل عليها انتزاع كامل حقوقها بيدها.
○ هل من امرأة أولى مطبوعة في ذاكرتك؟ وماذا تقول لها؟
• إنها والدتي، حياة قلبي. هي رمز الحنان بالنسبة لي. صدق من قال أن الدنيا أم. ازداد تقديري للأمومة منذ صرت أراقب علاقة ابنتي مع والدتها. وكما بت أكثر تقديراً لدور المرأة في العائلة. وتراني أسأل على الدوام كم ضحت والدتي وكذلك والدي من أجلنا؟ وأسأل كم أحباني؟ ففي كل لحظة ألمس مدى حب زوجتي لابنتنا. وكم تضحي لأجلها. حبنا لأطفالنا يعذبنا في أحيان، كونه يترافق مع الخوف عليهم.
○ هل من ضرورة للترويج للزواج المدني في مسرحك؟
• لم لا؟ نحن بصدد موضوع عائلي. من جهتي أشجع على الزواج الذي يختاره كل ثنائي مهما كان شكل هذا الزواج، وفي لبنان. فهل من الطبيعي أن يُعقد في قبرص في العام 2014 أكثر من 500 زواج؟ هل من الطبيعي أن يتكبد الشباب كل هذه الأعباء؟
○ كم تتعمد إضحاك الجمهور؟
• مطلقاً لست اعتمد هذا السلوك. أحياناً يفاجئني الجمهور بضحكه في أماكن محددة. الحمد لله لوجود كمية ضحك كبيرة في مسرحياتي. وهذا ما أعتبره مكافأة للكاتب والمسرحي.
○ لفت وجود «جرعة» لا بأس بها من كلمات الـ»جنس» في عرض Daddy. لماذا؟
• هل أزعجك ذلك.
○ لا إنما يفترض السؤال لماذا؟
• إذاً سوف أرفع نسبة عبارات الـ»جنس»!
○ كم تتعب لتكون الكاتب، المؤدي والمخرج في مسرحك؟
• المسرح صيغة متكاملة. ليس لي التفريق بين كاتب، مخرج وممثل. كل منهم يُكمل الآخر.
○ وماذا عن تعاونك مع المخرج جلال خوري؟
• أتعاون معه في إدارة الإنتاج لعرضه المقبل على مسرح الجميزة. جلال خوري استاذ وأخ وصديق وأب في آن، بالنسبة لي.
○ ماذا تعلمت أو تتعلم منه كرائد في المسرح؟
• تعلمت أن لا أكون من رأيه السياسي.
تجربتك في الأبوة ساعدتك على التماس مع مسرح وأدب الأطفال. لماذا شبهت مسرح الأطفال بالمخدرات؟
بل قصدت المسرح المتلفز الخاص بالأطفال الذي يعتمد أسلوب الـ»متراكاج» في التوجه للصغار. التلفزيون اختراع جميل إنما في «جرعة» محددة. الأطفال متجهون حالياً لما هو أخطر مثل «أي باد» و «أي فون». اسعى للتخفيف قدر الامكان من استعمال كل هذا الجديد في عالمنا. استعملت تعبير مخدرات مجازياً. لكن دون شك التلفزيون قادر على الحفر في داخل الأطفال. أنا شخصياً بت أردد الاغنيات التي تسمعها طفلتي، لكثرة وجودها في حياتنا العائلية. أنا حالياً في عالم جديد. وما كنت أسمعه سابقاً مختلف كلياً.
○ عالم الطفولة غني جداً. فكم ستمدك جوليا بأفكار لمسرحك؟
• لست أدري حتى اللحظة. لكني أشعر بأنني اعيش وسط الكثير من المفاجآت.
○ جو الفنان هل نذر نفسه للحضور كـ»وان مان شو» على الخشبة؟ أم لديك طموح لتكون في السينما أو الدراما التلفزيونية؟
• لست أضع حدوداً لفني. ولا أقول بأني أطمح لأكون في مكان جديد. إنما لا شك بوجود ميول في خوض تجارب جديدة.
زهرة مرعي