بحذاء اليئور أزاريا

حجم الخط
0

على الشاشة، في أحد مواقع التدريب لكتيبة سلاح المشاة في الجيش الإسرائيلي، يُعرض فيلم تم تصويره في الموقع المعروف جيداً، منذ سنوات طويلة، لخدمة الاحتياط في المناطق. إنه مفترق «مغين 50» في جنوب غرب اريئيل. وهو يربط بين مستوطنتي عاليه زهاف وبيت آريه، وفي الجهة المقابلة بين القرى الفلسطينية دير بلوط وكفر الديك. في الحاجز العسكري على المفترق حدثت عملية لإطلاق النار في بداية التسعينيات. الجنود الذين يوجدون اليوم هناك يجب عليهم التنبه من أخطار اخرى، من ضمنها عمليات الطعن.
الجندي الذي يتدرب مسلح ببندقية عليها مجسات. الفيلم واقعي جدا، حيث تظهر فيه قوة عسكرية صغيرة. ومن فوق الشاشة يتوجه الضابط للجندي ويوضح له مهمته. القائد وجندي آخر قاما بايقاف سيارة فلسطينية مارة من اجل الفحص، الجندي المتدرب هو مسؤول الحراسة، وعليه متابعة ما يحدث والدفاع عن اصدقائه في الطاقم عندما يقوم الضابط والجندي الآخر بفحص المسافرين الفلسطينيين.
الفحص الذي يبدأ بشكل اعتيادي معروف لكل جندي خدم في المناطق، لكن عندها وبسرعة يخرج أحد الفلسطينيين سكينا ويقوم بطعن الضابط عدة طعنات. مطلوب من الجندي المتدرب الرد. والحادثة تستمر ثوانٍ. بعد ذلك يتم تحليل سلوك الجندي: متى أطلق النار في المرة الاولى، وكم رصاصة أطلق، وهل أصاب الذي طعن، وهل انتبه أن المخرب قد ألقى السكين أثناء فراره، وهل نجح في عدم اصابة ضابطه المصاب.
من يشاركون هم ممثلون بالطبع، سواء القائد أو المسافرين الفلسطينيين والمخرب الذي يطعن ـ جميعهم من شركة مدنية تقدم المشاهد للجيش الإسرائيلي في سيناريوهات مختلفة من اجل التدريبات. ولكن كل شيء واقعي جدا، بما في ذلك النبض الذي يتسارع عند الحاجة إلى اطلاق النار ومحاولة الوصول إلى الهدف الصحيح اثناء الفوضى على الشاشة. كل جندي جديد في سلاح المشاة يفترض أن يمر بهذا التدريب. اغلبيتهم يقومون بذلك مرة أخرى عند الخروج إلى مهمة تنفيذية في المناطق.
هذا المشهد ليس بالضبط على اسم اليئور أزاريا، حتى لو زادت عملية اطلاق النار على المخرب المصاب في الخليل وعي القادة لهذه المشكلة. مشاهد تدريب السيناريوهات في المناطق تم ادخالها قبل بضع سنوات. في السنة الماضية، بعد ارتفاع العنف في المناطق، اتسع التعاطي معها. قادة الألوية يعتبرون هذه التجربة جزءا حيويا قبل الذهاب إلى الضفة الغربية.
في ظل اهتمام الجمهور ووسائل الإعلام بفضيحة القطارات المعطلة والمبنى المنهار، فإن قضية أزاريا ما زالت تحلق فوق هذا الصيف. لا توجد قضية أكثر حساسية منها، لأنها تثير الخلافات الايديولوجية والتوترات الاجتماعية الكبيرة. في المحكمة العسكرية في يافا يقدم شهود الدفاع شهاداتهم في الاسابيع الاخيرة. وحسب المراسلين الذين يقومون بتغطية المحكمة بشكل مستمر، فإن العملية تتكرر في جزء كبير من الشهادات: الشهود يؤكدون رواية أزاريا بأنه كان هناك خطر على حياته من المخرب الملقى على الأرض، ويهاجمون سلوك القادة في الحادثة، واحيانا يتم انتقاد النخبة الأمنية والعسكرية.
في هذا الوقت تبدأ مرحلة التحقيق المقابل حيث تنقلب الصورة في كثير من الاحيان. المدعي العام، الجنرال نداف فايسمان، يقوم بتفكيك الشهادات بمنهجية. ويكشف عن أخطاء من الماضي، يفضل البعض عدم الحديث عنها. ويحاول فايسمان ايضا ازالة الادعاءات حول الاخلالات في تحقيق هيئة الاركان بالقول إن سلوك القادة بعد العملية لا يرتبط بعمل أزاريا نفسه، إطلاق النار على مخرب مصاب، والاعتبارات التي جعلته يفعل ذلك.

القانون الآخر

يبدو أن الشاهد الاكثر أهمية الذي أحضره الدفاع كان الياهو ليبمان، ضابط الأمن في الحاضرة اليهودية في الخليل. وقد حصل على وسام بعد أن عاد مرة تلو الاخرى إلى داخل النار من اجل انقاذ القتلى والمصابين في «خط المصلين» في 2002 (الحادثة التي قتل فيها 12 إسرائيليا، من ضمنهم قائد الكتيبة الجنرال درور فاينبرغ)، وهو عقيد متقاعد راكم خبرة طويلة في المناطق. ولكن شهادته، مثل شهادات مستوطنين آخرين، أظهرت الفجوة بين قوانين الخليل وبين أوامر اطلاق النار في الجيش الإسرائيلي. في الوقت الذي يحاول فيه الجهاز العسكري فرض القوانين القائمة، فإن المواطنين الذين يقدمون شهاداتهم باسم الدفاع، يزعمون أنها غير موجودة. المستوطنون في الخليل، الذين يؤثرون بشكل كبير على الجنود والقادة في المدينة، يقدمون نظرة حادة وتبسيطية أكثر: إذا كان هناك شك، فلا شك أنه من الافضل اطلاق النار أولا والتفسير بعد ذلك، بدل تعريض حياة الجنود والمواطنين للخطر الزائد.
ومع ذلك، يبدو أن فايسمان قد نجح بشكل كبير في دفع جزء من الادعاءات التي تأتي من الدفاع والشهود. الادعاء بأن المخرب لبس بشكل استثنائي معطفا في يوم حار، الامر الذي يشير إلى اخفاء عبوة ناسفة، رُفض بناء على الصور التي أظهرت أن كثير من المتواجدين ومنهم ليبمان قد لبسوا المعاطف. ايضا الشعور بالخطر الذي تحدث عنه كثير من شهود الدفاع، تم التشكيك فيه على خلفية التوثيق الذي عكس السلوك المرتاح للجنود والضباط.
هناك قدر كبير من التظاهر في النقاش داخل المحكمة. من الواضح والمعروف أنه على مر السنين، في المناطق وفي المنطقة الأمنية في جنوب لبنان، كانت أحداث كثيرة أطلق فيها الجنود النار بسبب الشعور بالخطر، الخاطيء أو المبالغ فيه، حيث تم اطلاق النار بشكل مبالغ فيه أو تم «التأكد من القتل»، حيث أطلقت النار على رأس المخرب من مسافة قصيرة بعد أن تلاشى الخطر. في جزء كبير من هذه الاحداث تم طرح الشكوك في التحقيق السريع، ونُسيت. وفي حالات قليلة كانت هناك محاكمات.
إن حالة أزاريا هي حالة استثنائية، على ضوء احداث السنة الماضية. التحقيق ضد قائد كتيبة بنيامين السابق في رام الله، العقيد إسرائيل شومر، تم اغلاقه بدون اجراءات جنائية. الآن تقوم النيابة العسكرية والشرطة العسكرية بعلاج حادثتين: ضابط كفير الذي قتل بالخطأ شابا فلسطينيا في شارع 443، وحادثة قتل فيها مواطن فلسطيني قرب قرية سلواد قبل اسبوعين. يبدو أن هذه التحقيقات ايضا ستنتهي بمحاكمة جنائية. ولكن الاغلبية الساحقة للاحداث يعتبرها الجيش نتيجة لسوء الفهم أو الخلاف حول تفسير أوامر فتح النار. والجيش يفضل انهاء ذلك داخليا.
في احيان متباعدة فقط، تتم محاكمة جندي جنائيا بسبب قتله فلسطيني، لسببين: صعوبة تحديد الشعور بالخطر بشكل موضوعي، وخوف الجيش الإسرائيلي من اعتباره يترك محاربيه. هذه هي الاعتبارات نفسها التي كانت أمام النيابة العسكرية في الانتفاضة الاولى في نهاية الثمانينيات.
قضية أزاريا هي قضية استثنائية في بُعدين، الاول وهو أنه جاء إلى الموقع بعد عملية الطعن وحسب التحقيق العسكري فقد قام باطلاق النار بعد مرور 11 دقيقة على تحييد المخرب. وحسب الادعاء، استنادا إلى عدد من الشهود، قال أزاريا في البداية لقادته وجنوده إنه قتل المخرب انتقاما ممن طعن صديقه في الفرقة. وادعاؤه حول الخوف من السكين وبعد ذلك العبوة الناسفة، تم طرحه للمرة الاولى بعد تحدثه مع والده ومع المحامي، أي بعد بضع ساعات. وثانيا، كل ذلك حدث أمام عدسات «بتسيلم»، الامر الذي أحرج القيادة العسكرية. العلاج العسكري للقضية رافقته عدة اخطاء. القول الحاسم لوزير الدفاع السابق موشيه يعلون وقيادة الجيش في الساعات الاولى للحادثة (الذي كان يسعى إلى منع التدهور في المناطق مع نشر الصور التي توثق قتل المخرب)، اعتبر غمزة مبكرة. والاغلال التي تم تكبيل المتهم بها في الجلسة الاولى كانت لا لزوم لها، وكذلك الحديث عن امكانية تقديم لائحة اتهام بتهمة القتل المتعمد، الامر الذي تم تعديله بسرعة بتهمة القتل غير المتعمد.
الادعاء السائد في وسائل الإعلام في الاسابيع الاخيرة هو أن المحاكمة لا لزوم اليها، وأن النيابة العسكرية اخطأت عندما امتنعت عن عقد صفقة كانت ستعفي الجيش من الاحراج. ولكن مشكوك فيه أن الدفاع كان جاهزا في بداية المحاكمة لصفقة يوافق عليها الادعاء ايضا. اضافة إلى ذلك، ورغم الاحراج بسبب الاتهامات المتبادلة بين قادة وجنود الفرقة، يمكن أن هذا يحدث ويعطي الجمهور صورة أكثر دقة لما يحدث في المناطق. رئيس الاركان غادي آيزنكوت عرّف ذلك بالشكل الصحيح: الخيار هنا هو بين سلوك العصابة أو المليشيا المسلحة وبين السلوك العسكري. اليئور أزاريا يُجبر المجتمع الإسرائيلي على النظر في المرآة. ايضا السياسيون الذين يرددون شعار أن الجيش الإسرائيلي هو الجيش الاكثر اخلاقية في العالم، لن يضرهم النظر إلى الشكل الذي تتم فيه الامور حقيقة في المناطق.

هآرتس 9/9/2016

بحذاء اليئور أزاريا
رغم ما تسببه محاكمته من احراج للجيش إلا أنها تُظهر للجمهور الإسرائيلي ما يحدث بالفعل في المناطق
عاموس هرئيل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية