«بخيل نسيَه الجاحظ»

كان رجلاً نادراً، ومن أولئك الذين لا يحظى الإنسان بشـــرف معاشرتهم إلا مـــــرّة واحدة في حياته، أو مرتــــين على الأرجح، إذا كان هذا المحظوظ من قرّاء الروايات المطـــــوّلة ويتتبّع مصير الأبطال إلى آخر سطرٍ.
يجمع صديقي هشام بين اللطف القريب من البراءة وصفاء الخاطر، وبين القسوة التي تبدأ من طريقته في تقشير البرتقال، أو عندما يطبق شفتيه الغليظتين على حواف الكأس ويمصّ الشاي محدثاً دويّا منفّراً، وصولا إلى مقولة زوجة لويس الخامس عشر» أنا ومن بعدي الطوفان» التي يعمل بها صاحبنا في المواقف الحرجة، فضلا عن أنه من الرعايا الصامتين الذين يحلم بهم رؤساء الدول والملوك، كلما اندلعت ثورة في بلادٍ بعيدة.
وحتّى لو أردنا أن نستعين برسّام متخصّص في «البورتريه» ونقرّب الصورة، لن نجد في تقاسيم وجه الرجل ما يلفت زوّار المعرض أو ما يوحي بالنباهة أو البلادة. ما يثير إعجاب النساء أأأأوأو انتباه دورية البوليس. يقف في المنطقة الآمنة الشبيهة بالتجويف الموجود في أواني المطبخ، الذي يتعذّر الوصول إليه وتنظيفه، وإن كنّا نستطيع تمييز المعني بالأمر بسهولة وسط الحشود، بشعر رأسه الذي تطاير منه الظهير الأيمن والظهير الأيسر، وظهر الممشى الحجري وسط البحر. اشتغلتُ إلى جواره خلال السنوات الثلاث الأولى في الوظيفة. كان أبي قد مات في تلك الفترة. واحتميتُ به كما تحتمي دولة فقيرة بدولة عظمى. كان عظيما في التعامل معي، وغمرني بحنانٍ زائد حدّ أنّني كنت أشعر بأن هناك من يهتم بأموري الشخصية في هذا العالم، ويخاف عليّ من السقوط في الهاوية. أغفو على شيء فيصرخ في وجهي. أنكّس رأسي وأعطيه الانطباع بأنني مستعدّ أن أبقي الرأس هكذا إلى آخر أيام حياتي، جنباً إلى جنب مع حياته المهنية التي ارتبطت بمدرسةٍ نائية في جبل أصفر مثل المرض، إلى أن تخصّص في قسم التحضيري بالأقدمية. يكتب على السبورة بخطّ واضح ويتفنّن في تجويف العين والغين. يطيّر صوته من النافذة إلى سكان القرية ولا يتساهل في إغفال النشيد الوطني. كلمة «شكراً» كانت دائماً على لسانه. ولغته الحريرية في اجتماعات مجلس تدبير المؤسسة مشهود له بها، في الوقت الذي يدير أيامه بالمثل الصيني «لا تعطيني سمكة لكن علّمني كيف أصطاد السمك».
توطّدت علاقتي بالرجل حين بدأتُ أعود بسمك وفيرٍ من البحر، وتحديداً في الفترة التي اختفت فيها زوجته مع أحد الغرباء، وأصبح يكتب الشعر بمعدّل قصيدة في الأسبوع. ضاعفتُ جهودي ولم أخذله خصوصا أنه لم يكن محظوظا مع زملاء العمل الذين أشاعوا عنه البخل وشظف العيش وتفنّنوا في رواية قصصه مع المال. كانوا يغيظونه كأن يمزقوا الأوراق المالية أمامه أو يرموا قطعة نقدية بعيداً، ليعضّ هو أصابعه ويخبط الأرض برجليه، وإن كنتُ في واقع الأمر لا أتفق مع هشام حين يجمع بقايا رغيف المطعم المدرسي المتروك فوق مائدة الأولاد في كيس بلاستيكي ويذهب بالكيس إلى البيت. كيف سأقف إلى جانبه وأناصره في هذه المسألة، وهو الذي لا يربّي كلبا في البيت ولا قطّا في الخيال؟
من حسنات هشام أنه عاش حياته وفيا لآلته الحاسبة التي يشهرها في وجه الأصدقاء قبل الأعداء. وفيّا لزوجته حتّى عندما اختفت ووفّرت له الأسباب لولوج عالم الشعر في أرذل العمر (ادمون عمران المالح هو الآخر بدأ الكتابة في سنّ متأخرة). وفياً لسيارة «بيجو» حمراء، يغسل عجلاتها بفرشاة الأسنان يوم الأحد ويركنها أمام البيت قبل أن يركب دراجة هوائية نحيلة وينطلق في زيارة الأصدقاء والسياحة المجانية تاركاً الريح تمشط بقايا شعره الناعم.
ومن جهتي كان عليّ أن أتجنّب صيغة الماضي وأنا أروي هذه القصة، لولا أنّ بطلها مات صباح يوم السبت الماضي في ظروف غامضة. ولكم واسع النظر في أن تترحّموا معي على صديقٍ عزيز.
ومن أراد منكم أن يتطوّع ويكتب بيتاً من الشعر على شاهدة قبر الراحل، فأنا أقترح عليه بيت المعري :
إذا كان إكرامُ صديقي واجباً / فإكرام نفسي لا محالة أوجبُ.

٭ كاتب مغربي

«بخيل نسيَه الجاحظ»

حسن بولهويشات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية