بغداد ـ «القدس العربي»: انطلقت عملية الفرزّ والعدّ اليدوي للمراكز الانتخابية الواردة بشأنها شكاوى أو تحوم حولها شبهات «التزوير، أمس الثلاثاء، في محافظة كركوك، أبرز المناطق المتنازع عليها بين بغداد وأربيل، على أن تشمل تباعاً كل من محافظات السليمانية وأربيل ودهوك ونينوى وصلاح الدين والأنبار.
«القدس العربي» علّمت من مصادر غير رسمية، أن عملية الفرزّ والعدّ في كركوك تشمل 500 صندوق انتخابي وردت شكاوى بشأنها.
وطبقاً للمصادر، فإن عدد الأصوات في تلك الصناديق يبلغ نحو 160 ألف صوت.
ورغم دعوة مفوضية الانتخابات للصحافيين والإعلاميين إلى التواجد في المكان المخصص لفرزّ وعدّ الأصوات، غير إنهم اضطروا للبقاء في الخارج مدة أربع ساعات، قبل أن يتم السماح لهم بالدخول، لكن من دون الكاميرات أو الهواتف النقالة.
وعبرّ عدد من الصحافيين والإعلاميين عن استيائهم من إجراءات اللجنة المكلّفة بالعدّ والفرزّ، التي طلبت منهم مراقبة عملها فقط من دون توثيق.
وتشمل عملية الفرزّ والعدّ المراكز اليدوي أيضاً، جميع المراكز الانتخابية في دول إيران وتركيا وبريطانيا ولبنان والأردن والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا.
وطبقاً لمصادر فإن اللجنة المكلّفة بإجراء عملية الفرزّ والعد، وصلت إلى كركوك في وقت سابق من صباح أمس، وباشرت بمطابقة أقفال صناديق الانتخابات، قبل استكمال بقية الإجراءات.
ومن المقرر أن تتجه اللجنة المكونة من قضاة منتدبين ومجموعة موظفين من المفوضية، بعد إتمام عمليها في كركوك، إلى محافظة السليمانية في إقليم كردستان العراق، وبقية المحافظات الأخرى المشمولة بالفرزّ والعدّ اليدوي.
التفاف
وبعد ساعات من بدء عملية الفرزّ والعدّ اليدوي في كركوك، المدينة الغنيّة بالنفط، لم يسجل حزب «الاتحاد الوطني الكردستاني» بزعامة رئيس الجمهورية الراحل جلال طالباني، أي «خروق».
وطبقاً لـ«النتائج المجمّدة» للانتخابات التشريعية الأخيرة التي جرت في 12 أيار/ مايو الماضي، فقد حلّ «الاتحاد الوطني الكردستاني» أولاً في كركوك، تلاه «التحالف العربي» ثم جبهة تركمان كركوك.
ويعدّ التركمان تلك النتائج بأنها تتضمن «تزويراً كبيراً» لصالح الحزب الكردستاني، ونظموا تظاهرات واعتصامات أمام مكتب المفوضية في المدينة، احتجاجاً على النتائج وللمطالبة بالعد والفرز اليدوي.
رئيس قائمة الاتحاد الوطني الكردستاني في كركوك، ريبوار طه، قال في تصريح أورده الموقع الرسمي للحزب، إن «المفوضية بدأت عملية العد والفرز اليدوي لأصوات الناخبين في محافظة كركوك»، مشيرا إلى أن «ممثلي الكيانات السياسية يحضرون العملية».
وأضاف: «لم يتم حتى الآن تسجيل أي خروقات»، مؤكداً في الوقت عينه «التزام حزبه بما تقوم به المفوضية، وقدّم الطعون بشأن عدد من الصناديق، خاصة وأن هناك تلاعبا بعدد من الصناديق في مخازن كركوك».
ودعا، القضاة المنتدبين لإدارة مجلس المفوضين في المفوضية، إلى «اتخاذ الإجراءات اللازمة بحق كل من تلاعب بصناديق الاقتراع في كركوك». من دون تحديد ما وصفهم «المتلاعبين».
ومع انطلاق عملية الفرزّ والعدّ اليدوي، حذّر ائتلاف «دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، من «الالتفاف» على العملية، بكونه سيؤدي إلى «انهيار» العملية السياسية.
عضو الائتلاف، النائب السابق، رعد الماس، قال في تصريح، إن «عملية العد والفرز ـ وفق قرار مجلس النواب الاخير، كانت شاملة لكل المحطات داخل المحافظات دون استثناء، وليست محددة»، لافتاً إلى أن «أي التفاف على هذا القرار سيقود إلى نتائج وخيمة على العملية السياسية، وقد تكون من بينها انهيارها بالكامل، وهذا ما نحذر منه».
وأضاف: «عمليات التزوير في انتخابات 12 أيار/ مايو الماضي، أصبحت حقيقة وليس تكنهات، وهذا ما يفسر تكرار محاولات استهداف مخازن مفوضية الانتخابات في أكثر من موقع لأجل إتلاف المحطات».
وأشار الماس، وهو رئيس كتلة دولة القانون في ديالى، إلى أن «الحرب مع المزورين تضاهي مكافحة الإرهاب والفساد، والمعركة معهم ليست هينة»، مؤكدا أن «العملية السياسية لن تستقر في العراق إلا بوجود عملية انتخابية نزيهة وشفافة تحرص على أصوات الشعب».
ضمان الحصانة
القوى السياسية الفائزة في الانتخابات، بدأت مؤخراً، بالدفع نحو الإسراع في عملية تشكيل الحكومة الجديدة، الأمر الذي يجعل، حسب مراقبين، عملية الفرزّ والعدّ اليدوي، «شكلية».
مصدر رفيع في داخل ائتلاف» دولة القانون»، أبلغ «القدس العربي»، بأن «توجيهاً إيرانياً» ورد إلى جميع الكتل السياسية «الشيّعية» يقضي بـ«بقبول الجميع (مظلومون أم لا) بنتائج الانتخابات الحالية، والإسراع في تشكيل الحكومة المقبلة، بأي شكل من الأشكال».
وطبقاً للمصدر، فإن «إيران أنفقت ملايين الدولارات على دعم كتل وشخصيات سياسية مقرّبة منها في الانتخابات التشريعية الأخيرة، ولم يعد باستطاعتها إنفاق أموال إضافية لإعادة الانتخابات أو التدخل في الفرزّ والعدّ الشامل، ناهيك عن الأزمة الاقتصادية والمالية الحادّة التي تعاني منها».
ولفت المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أيضاً، إلى أن «عشرات الشخصيات السياسية المتهمة بالفساد غادرت العراق، بالتزامن مع انتهاء الدورة التشريعية (30 حزيران/ يونيو الماضي)، خشية من مقاضاتهم بعد رفع الحصانة عنهم».
وأضاف: «جميع القادة السياسيين يسعون إلى تشكيل الحكومة بأسرع وقت ممكن للحصول على الحصانة، لا سيما المتهمين بالفساد والمتسببين بدخول تنظيم الدولة الإسلامية إلى العراق، وتبديد ثروات البلاد». في إشارة إلى المالكي.
وتابع: «إيران لا تريد إثارة قادة الكتل السياسية المقرّبة منها، أي مشكلات مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر»، عازياً السبب في ذلك إلى «إمكانية أن يستغل الصدر غياب الحصانة عن المالكي لتحريك دعاوى قضائية ضده».
وتعود جذور الخلاف «العميق» بين الصدر والمالكي، إلى الفترة بين عامي (2006 ـ 2007) عندما نفذّ الأخير عملية «صولة الفرسان»، استهدفت مقاتلي «جيش المهدي» ـ الجناح العسكري للتيار الصدري، في العاصمة بغداد وعموم محافظات البلاد الأخرى.
ويصرّ الصدر، الداعم الأبرز لتحالف «سائرون»، على تشكيل حكومة عراقية جديدة بـ«قرار عراقي»، بعيداً عن التدخلات الخارجية، فضلاً عن محاسبة «الفاسدين».
الناطق الرسمي باسم تحالف «سائرون» قحطان الجبوري، قال في بيان له، إن «الأسئلة التي طرحها السيد الصدر حول محاكمة الفاسدين وأهمية أن يكون القرار عراقيا، لا شرقيا ولا غربيا، ومتى يكون العراق مزدهرا ومتى يكون للشباب دور في بناء البلد إنما هي أسئلة المرحلة التي من رحمها يمكن أن تنضج الكتل السياسية برنامجا سياسيا طموحا لبناء الدولة».
وأضاف أن «المرحلة الراهنة والمقبلة تتطلب من الجميع الارتفاع إلى مستوى التحديات ولعل التحدي الأهم الذي يواجه الجميع، هو كيفية بناء مؤسسات الدولة على أسس صحيحة، وذلك لجهة خلوها من الفساد الذي يجب الشروع بمكافحة كبار رؤوسه مهما كانوا، وإستقلالية القرار العراقي، والإهتمام بالإنتاج بحيث تتراكم لدينا مدخلات تؤسس لعملة قوية مع أهمية منح الشباب الدور الذي يستحقونه».
واعتبر أن الحراك السياسي الحالي ينطلق من «غلبة المصالح الحزبية والمذهبية والعرقية على المصالح الوطنية العليا، وهو ما يتوجب على الجميع إدراكه إذا ما أردنا العمل بالاتجاه الصحيح».
إعادة التوازن
في الطرف المقابل، تسعى القوى السياسية الكردستانية إلى ضمان حقوقها، قبل الشروع بأي «حوارات تحالفية» تمهّد الطريق نحو تشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر.
أبرز شروط الأكراد، هي تفعييل المادة 140 الدستورية، وإشراكهم في إدارة المناطق المتنازع عليها، إضافة إلى إقرار قانون النفط والغاز، وإعادة احتساب حصّة الإقليم من الموازنة الاتحادية 17٪ بدلاً عن 12.5٪.
الحزب الديمقراطي الكردستاني، بزعامة مسعود بارزاني، أكد أن ذهابه إلى العاصمة بغداد ليس من أجل «الحديث عن المناصب أو الوزارات»، معتبراً أأن مبدأه الأساسي في الحوارات المرتقبة هو «إعادة التوازن السياسي» الذي «اختل» في الفترة الأخيرة. رئيس كتلة الحزب في البرلمان، عرفات كرم، قال في تصريح له، إن «التحالفات والتفاهمات الحالية هي تحالفات هشة وغير متماسكة وقابلة للانهيار بأي لحظة وقد تتبدل وتتغير التحركات».
ولفت إلى أن «تلك التحالفات قد تدخل من عدة جوانب سواء للضغط على الكتل الخاسرة للرضوخ للأمر الواقع أو من أجل تقليل الضغط على المحكمة الاتحادية على اعتبار أن الكتل السياسية ماضية بتشكيل الكتلة الأكبر».
وأضاف أن «الشكل الأولي لما يعلن من تحالفات هي داخل المكون الواحد فهنالك تحالفات سنية أو شيعية أو كردية»، مبينا أن «الديمقراطي الكردستاني دعا لحوار جدي داخل اقليم كردستان من أجل دخول الجميع بموقف موحد لكن الأحزاب الأخرى المعارضة التي لم تستطيع الحصول على ما تريده من أصوات ما زالت تعقد الموقف للحصول على مكاسب اضافية». واكد أن «التحالفات والتفاهمات التي ستحصل بعد إعلان النتائج بشكل نهائي والمصادقة عليها ستختلف عن تحالفات عام 2014، لاننا اليوم في مرحلة دولة مابعد داعش والتأسيس لدولة مدنية ديمقراطية ينحصر السلاح فيها بيد الدولة فقط والقضاء على المليشيات».
وشدد على أن «حواراتنا ستكون بالاساس تنطلق من مبدأ اعادة التوازن السياسي الذي اتفقنا عليه بعد عام 2003 والذي اختل خلال الفترة الاخيرة، ومن ثم يبدأ الحديث عن المناصب».