بدر شاكر السّياب… مصباحٌ كئيب في سفينة باتجاه ليل طويل

فقد السياب (25 ديسمبر/كانون الأول 1926 ــ 24 ديسمبر 1964) ارتباطه العائلي مبكراً، ففي سن مبكرة توفيت والدته عام 1932، وقد كان قبل وفاتها يحظى بالرعاية والاهتمام، شأنه شأن أي وليد بكر ليكون فك الارتباط هذا أول حيرة له نحو المجهول، الذي رسم الملامح الأولية التي ارتكزت عليها مقومات تكوينه الشعري، إحساساً بوحشة الموت والظلمة، التي أمدت شعريته بطاقة الحزن التي غلف بها أغراضه العاطفية في ما بعد.
ولكي تكتمل صورة الحزن وتتعمق في نفسه، فقد تزوج والده بأخرى واعتكف معها بمنزل جديد، لتتسع مساحة الرؤية لهذا القدر والتفكير بكيفية قبوله والرضوخ له أو التخلص منه، وقد تكفلت جدته برعايته ومحاولتها التعويض عن مأساته الأبوية، لكنه لم يجد بتلك المأساة غير الإدمان على النظر إلى ما بين التلال، وإلي حفحفة سعف النخيل في المساء انتظاراً للبعيدة، التي أخبروه بأنها ستعود وقد علم بأنها لن تعود. المكان هنا قريته (جيكور) التي تقع على شط العرب، ذات البراءة الخلاقة ببساتينها وأرضها الخضراء وجداولها الإروائية الصغيرة وطبيعة ساكنيها التي لا يتجاوز تعدادهم الـ(750) نسمة، وبعض بيوتها ذات الأشكال الأسطورية، حيث أِلف السياب أقران هذه الفترة وكانوا يلهون قرب البيت المسحور الذي سمي في قصائده بـ(منزل الأقنان)، ويأملون أن يروا الأشباح في هذه الدار الواسعة انسجاماً مع قصص أجدادهم التي كانوا يستمعون إليها عن هذه الكائنات ليتكون أول ضوء في مخيلته عن الرمز والأسطورة وهو المكون الثاني لقدراته الشعرية لتبدأ ذاكرة بدر وفي سنه المبكرة من حسن التقاط الموجودات الغيبية وإحالتها إلى مراكز التخييل لتستقر في الذاكرة الثانية ذاكرة الإنتاج لا ذاكرة الحفظ والإعادة. وكان ذلك التوقد قد اكتـــــمل حين التحق بالمدرسة المحمودية، التي أضاف المكان فيها إليه بعض التجديدات الأصيلة في البناء العمراني، وهو يتابع بفرح ونشوة وتأمل شناشيل ذلك البيت الواســع وزجاجه الملون البراق، وأخذ خياله يصور له فتاة أحلامه خلف تلك الشــــــناشيل، التي أتى على ذكرها برقة شفافية زجاجها الملون في مجمـــــوعته «شناشيل ابنة الجلبي» ثم أضيف إلى تلك المكونات مكون آخر حين أخذ ينظم الشعر باللهجة العامية المتداولة والشائعة والمحكية في جنوب العراق، وقد حاول السياب من خلال تلك اللغة العامية تسخيرها للتعبير عن حزنه بالسخرية.
ولعل من أهم المكونات الأخرى التي بلورت حسه الشعري هو إحساسه بالظلم والاستغلال والجشع كحقيقة قائمة، حين فقدت عائلته أغلب أملاكها بسبب جشع ملاك الأراضي تجاه الطبقة الوسطى من ذوي الملكيات المحدودة. وقد اشترك جيله من الشعراء في الإحساس بالظلم وغياب العدالة، ولعله أقرب إلى نازك الملائكة بهذا الإحساس، حيث كانا يشعران بغياب الإنصاف وغياب المجتمع المثالي اللذين كانا ينشدانهما.
إلى جانب ذلك أضيف عامل آخر له أهمية في حياة بدر الشخصية ومكونه الشعري، ألا وهو شعوره بعدم قبوله من الجنس الآخر، لاعتقاده بقبح منظره، إذ أضاف له هذا الاعتقاد تعقيدا لحياته العاطفية، حيث ظهر ذلك في العديد من قصائده التي شكا بها اللوعة والانتظار واللاجدوى من الحب الموعود. وفي عام 1943 بدأ رحلته نحو الغربة الجديدة والتي عمقت تكوينه الشعري بدالات نفسية ومعرفية ولغوية، حين ارتحل إلى العاصمة بغداد لإكمال دراسته الثانوية، ومن خلال تلك المدينة بدأ بمرحلة الكشف عن قدراته الشعرية، وقد تعرف واطلع على ما يكتبه الآخرون، فوجد بنفسه ثقة مضافة بأنه يكتب ما يضاهي الآخرون وأحيانا يفوقهم، حيث نشرت أول قصيدة له في جريدة «الاتحاد» البغدادية، وقد جمعته علاقة حميمه مع شعراء تلك المرحلة، بدون أن تخلو من ضغينة الحسد الشعري والاستعلاء ومنهم (بلند الحيدري، عبد الرزاق عبد الواحد، البياتي، سليمان العيسي، رشيد ياسين) وخلال وجوده في بغداد مرّ بتجارب حب فاشلة ليعمق ذلك الفشل خوفه من أذنيه الطويلتين وجسده النحيف ووجهه الطولي ليأخذ هذا المكون النفسي الآخر بعده في قصائد متعددة كتبها في تلك المرحلة. وفي عام 1947 أصدر مجموعته الشعرية «أزهار ذابلة» ووسط أجواء الدعوة إلى الحداثة، التي عمت أوروبا وبالتحديد الشعر الفرنسي، وجد السياب ألا مناص من الاطلاع على تجارب شعراء الغرب، وكان له من خلال دراسته للغة الإنكليزية شأنه بذلك شأن نازك الملائكة فقرأ (وردزورث، شيلي، اليوت، أديث ستويل)، فقارن بينهما ودافع عن توجهاتهم الشعرية واقترب من مفاهيمهم حول نظرية الشعر، ولكنه سرعان ما وجد في بودلير ضالته حين اكتشف في «أزهار الشر» ما يؤدي إلى تحرره والولوج إلى العالم الفسيح واطمأن إلى أن مكوناته أصبحت تفي أكثر من الغرض المطلوب، وقد استفاد حد التأثر بتجربة هؤلاء الشعرية، في حين رأي آخرون بأن قدراته في اللغة الإنكليزية كانت محدودة ولم تكن تؤهله لمعرفة واستكشاف عوالم هؤلاء الشعراء.

ماركس وهيغل وتجربة السياب

قرأ السياب ماركس وهيغل وأعجب بالتجربة الماركسية وانضم إلى العمل السياسي وفق عقيدته تلك، عله يجد في هذه الحركة صدق نظرياتها لإقامة المجتمع المثالي المنشود، لكنه ومع الاضطراب السياسي في العراق فصل من كليته وسجن عام 1946 وأطلق سراحه ثم أعيد سجنه، ثم أطلق سراحه وأكمل دراسته في دار المعلمين العالية، التي كانت التجمع الوحيد للشعراء والمثقفين، ثم انتقل مكانيا إلى بيئة جديدة تختلف عن بيئته الأولى (البصرة) وعن بيئته الثانية الحضرية (بغداد)، حين عين مدرسا للغة الإنكليزية في مدينة الرمادي ذات الأرض الرملية والالتزام الديني. وهي نقله مكانية إجبارية من أجل لقمة العيش وبداية لحياته العملية، وهناك أمضى وقته في القراءة وكتابة الشعر، وكان ينشر ما يكتبه في الصحف البغدادية، ولم ينقطع عن زملائه الشعراء، سواء بمتابعة نتاجاتهم أو مراسلتهم أو اللقاء بهم من حين لآخر، لكن الأقدار كانت لحياته العملية بالمرصاد حين سجن وفصل من وظيفته عام 1949 ومنع من التدريس نهائيا، وبعد الإفراج عنه يقع في دائرة العوز المادي والعوز المكاني في بغداد، ليعود إلى مقامه الأول إلى (جيكور) ويبحث عن أي عمل يعينه الجوع والتشرد والبطالة ليقبل العمل في البدء في شركة التمور ثم كاتبا بسيطا في شركة نفط.

أساطير السيّاب

لم يطول مكوثه في البصرة ليعود بعد عام إلى بغداد ويحدث له تحول شعري مهم، حين أصدر عام 1950 ديوانه الشعري «أساطير» حيث كتب في مقدمته مفهومه للشعر الجديد الذي كان لمكوناته التي ذكرناها أثرها في تنظيره لهذا المفهوم وقبلها كانت مسألة الريادة ما بينه ونازك وأيهما أسبق بما عرف بالشعر الحر، وهو أي الشعر الحر المصطلح الأمريكي الذي أوجده والت ويتمان عام 1855 وذلك عندما كتب هذا الشاعر مقدمة لمجموعته «أوراق العشب» حين قدّم في تلك المجموعة قصائد تخلو من الوزن والقافية، لكنها مشحونة بطاقة شعرية عالية، حيث تركت مسألة هذه الريادة للنقاد والباحثين ومنذ عام 1947 وعبر قصيدتيهما «هل كان حبا» للسياب و»الكوليرا» لنازك. واتجه السياب بعد «أساطير» إلى كتابة القصيدة الطويلة (المطولات) التي رأي فيها مجالا حيويا لا يقيده في قول ما يريد حين فرّغ فيها همه الاجتماعي والفلسفي والأسطوري، ولعل قصيدتا «المومس العمياء» و»حفار القبور» من الأنماط الشعرية التي استطاعت استيعاب ذلك الهم الذي حمله الشاعر منذ بواكير طفولته كصراخ في وجه العالم النفعي الفاسد.

رحيل آخر أم فرار؟

وعلى أثر اضطراب الأوضاع في عراق عام 1952 وحملة الاعتقالات التي قامت بها السلطات الملكية للقوى الوطنية وخشيته من الملاحقة، فقد استكمل دورته في التشرد والغربة وانقطاع لقمه العيش، وفضّل الهروب خارج العراق، فبجواز سفر مزور يصل إيران ومنها إلى الكويت. ولم تكن رحلته هذه أو بالأحرى فراره هذا هيناً وخاليا من المخاطر، وقد دوّن معاناته في قصيدته «فرار» وهناك في الكويت أثرى ما كتب برائعته «غريب على الخليج» لتكون من البكائيات النادرة، إزاء رغبة الغربة بتقهقر الإنسان ومحاولة إخضاعه للأمر اللامجدي في ذلك الواقع:
لو جئت في البلد الغريب إليّ
ما كمل اللقاء
الملتقي بك
والعراقُ على يدي
هو اللقاء
لقد ظل قارب رحيله مشدوداً لشجرة صباه التي نمت مع ولادته في جيكور لتتبلور في ذاته بعد تلك المعاناة قطيعته مع كل ما يشير إلى غير وطنه، فيناجي انتظاره:
الشمسُ أجملُ في بلادي من سواها
والظلام
حتى الظلام
يا ريحُ.. يا أُبراً
تُخيطُ لي الشراعَ
متى أعودُ إلى العراق
متى أعود
لذا يجد السياب أن ذلك المكوث، أو بالأحرى ذلك الفرار لم يَرق في عينيه ليحزم أمره ويعود إلى بغداد، ويعلن تخليه عن العمل السياسي لأسباب تتصل بعدم قناعته لفقر هذه الحركات في إقامة المجتمع المنشود. وفي عودته هذه عيّن في وزارة التجارة وحظي بشيء من الاستقرار النفسي، انعكس على بعض نتاجه الشعري، فكتب أهم وأخطر قصائده التي توج بها عام 1954 فكتب (أنشودة المطر ــ الأسلحة والأطفال ــ رؤيا فوكاي ــ مرثية جيكور) ومع هذا الاستقرار النفسي المؤقت اتجه للتواصل مع الشعر العالمي، حين ترجم قصائدَ لـ(ناظم حكمت، لوركا، نيرودا، رامبو، ريلكه، عزرا باوند، أليوت، أديث ستويل) ومع بداية عام 1955 حسم وضعه الاجتماعي بالزواج من إقبال التي كانت تمتهن التعليم في إحدى مدارس البصرة.

وكأنها عودة

اتخذ السياب من مجلة «الآداب» منبراً لنشر قصائده وأفكاره، وقطع شوطا ليس بالبسيط مع هذه المجلة الشهيرة، التي كانت تحتضن نتاجات أدباء ومثقفي الوطن العربي، ولكنه ومع بداية عام 1957 انضم إلى كتاب مجلة «شعر» التي كان يرأسها يوسف الخال وتضم بين كتابها مجموعة من دعاة التجديد ومنهم، (أدونيس، جبرا إبراهيم جبرا، أنسي الحاج، توفيق صائغ). وفي منتصف عام 1958 حدث تطور سياسي كبير في العراق، حين نجح العسكريون والتحالف الوطني العراقي في الإطاحة بالنظام الملكي وإعلان الجمهورية العراقية، وسرعان ما انفك عقد هذا التحالف لتعيش البلاد في فوضي التناحر السياسي. ووسط هذه الأجواء استمرت مكابدات السياب النفسية بين فصل من العمل وتهديد بالاعتقال، ورغم ذلك لم تثنه هذه المخاوف عن منهجيته في إصدار مجاميعه الشعرية، ومن بيروت في عام 1960 أصدر مجموعته الشعرية «أنشودة المطر». لقد وشمت مفردات (الملل، الانطفاء، الظلمة، الأشباح، الأُفول، البرود) وغيرها من المفردات التي تبشر بالإحباط واليأس مكونات الشاعر المتحركة، إذ لم يعد مناصٌ من رؤية أي من الأشياء الأخرى في الكون بدونها، أي إن مساحته لرؤية الأشياء المعتمة لم تكن مساحة مفترضة، وإنما من صميم ما تركه الأسى والعوز والغربة عليه ولقد اقترب من روحية الاطمئنان لما يسمى الخسارة الرابحة حين سما بتوهجه خلف الماضي البعيد، وقد أضاف لمكوناته مكونا صميميا ووريثا حين رزق بـ(غيلان) ولكن شبح الفقر لم يكف عن طرق بابه وملاحقته ويحيطه بظلام دامس، بدون أن تتمكن منه أشباح ذلك الظلام، وتلك فلسفته التفاؤلية التي تغذت من صبره الطويل:

أود لو عدوت في الظلام
أشدُ قبضتي تحملان شوق عام
في كل إصبع كأني أحمل النذور
إليكِ من قمح ومن زهور
أود لو أطل من أسرة التلال
لألمح القمر
الرحيل

وتتوالى همومه ويشتد مرضه ويبذل جهداً للمقاومة بعد عجز الأطباء عن تشخيص مرضه وهو في لندن، بعد قبوله للدراسة في جامعة (دوم)، وفي العام نفسه 1992 تصدر له في بيروت مجموعته الشعرية «منزل الأقنان» ليعود إلى داره شبه مقعدٍ ويفصل من الوظيفة وهذه المرة بسبب انتهاء إجازاته المرضية، ليستمر بملازمة الدار راقدا بلا حراك. وبسبب ذلك الرقود الطويل أصيب جسده بالتقرح، وكان وهو في فراشه ينشد «سفر أيوب» وقد اشتدت عليه الآلام فوافق على علاجه بالطب الشعبي (الكي بالنار) لأطرافه المشلولة وقبل العلاج الروحاني الذي أفاده لبعض الوقت ليعود إلى أحضان آلامه. وفي أواخر أيامه نقل إلى الكويت للمعالجة بوساطة صديقه الشاعر علي السبتي، وانقطع عن أي مصدر للرزق ولم ينقطع عنه أصدقاؤه الشعراء ومحبوه ليتوفى في 24 يناير/كانون الثاني في المستشفي الأميري في الكويت ويعود بجثمانه السبتي ليدفن في مقبرة الحسن البصري. كانت حياة بدر شاكر السياب الشخصية ذلك المصباح الكئيب في سفينة ليختفي في ظلمة الليل قليلا فقليلا، كما وصف ذلك هو نفسه في «غريب على الخليج»، أو كأنه ذلك السراب خلف بقايا من القافلة.

٭ كاتب عراقي

بدر شاكر السّياب… مصباحٌ كئيب في سفينة باتجاه ليل طويل
قيس مجيد المولى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية