ببشاشته البصرية الموروثة، ينقلنا ماجد الخطيب في نصوصه المسرحية الخمسة «بدون ألمانيا» إلى غرف منازل سرية تعبق برائحة الخوف والقلق والحيرة.
في ومضات خاطفة، ينقلنا الخطيب، بدون هدر للوقت، وبتقليص للمسافات بين بلدان متباعدة، ولكنها متآخية في خصائصها وعبثها بساكنيها، من قارة لأخرى ليعرض لنا شخصيات مسرحية جنوبية، تبدو كالدخان وهي تطرق أبواب ألمانيا الصماء، فلا تنفتح تلك الأبواب المزركشة إلا بعد خبطات صاخبة عشواء.
في «المكالمة»، وهو المشهد المسرحي الأول للكاتب، يظهر شاب عراقي بحسب نبرته ووصف الكاتب له، محاولاً أن يزف لعائلته في العراق خبر وصوله سالماً إلى ألمانيا. لكن ألمانية تسبقه إلى مخدع الهاتف. وبما أنها لا تعرف ما يجري هناك، وما هو نوع الماراثون الذي قطعه الشاب كي يكون في ذلك المكان، تستغرق الشقراء الأنيقة في مكالماتها الطويلة، وربما هي مكالمات مهمة بالنسبة لها، لأنها تكررها مرتين. لكنها بالنسبة لابن الناصرية، الذي لم يَرّ بغداد إلا مرة واحدة في حياته، أقل أهمية من أي شيء آخر.
ويكشف الخطيب عن قدرة متميزة في سبر غور انفعالات ذلك الشاب، رغم الفارق الزمني بين التجربة التي مر بها الكاتب وزمن ذلك الشاب الناصري. ويبدو أنها البهجة السرية في استعادة ما فات ومضى.
كنت أظن، حتى وقت قريب، ان ماجد الخطيب كبّل نفسه في كتاباته السابقة، بما صدقه هو ورفاق دربه (ونحن كلنا منهم) من أكاذيب عن عالم آخر مختلف عندما يسقط صنم الرأسمالية. لكن الصدمة كانت كبيرة، عندما اكتشفنا بأن العدالة الاجتماعية وتساوي الفرص لا يلغيان التطلعات الخاصة التي لا يمكن أن تنظمها الخطط الخمسية لأي نظام ملائكي في العالم. فشخوص ماجد الخطيب خرجت من رحم أنظمة أرادت أن تطبق مثل تلك النظريات على ملايين البشر، والحال أن الاشتراكية بمفهومها التبشيري الأول يمكن تطبيقها في أحسن الأحوال على مجموعة من مئات البشر.
قلت بأن ماجد الخطيب لم يعد يكبل نفسه بتلك الأوهام، بل هو يقطف من كل شجرة ما يعجبه من الألوان، وهو مازال يراهن على جيل جديد يستوعب صدمتنا لما حدث.
في «القبول»، وهو النص المسرحي الثاني، تصادفنا مشاهد طريفة عن الأممية العامية، حين يتلاقى اثنان من محيطين لغويين مختلفين، وكل منهما يقرأ رسالة وصلت لأحدهما من دائرة اللجوء بطريقة مختلفة. أولهما كان قد مضى على وجوده في معسكر اللجوء مدة أطول من الآخر. فتتكفل الفودكا في توحيدهما لفهم العالم المحيط كما يشتهيان، بما في ذلك فهم رفض دائرة اللجوء لطلب الأول على أنه اعتراف بلجوئه السياسي. بين الاثنين لا يسود التشارك ومقابلة الرأي بالرأي، وإنما تغالب يمنحه الكاتب طابعاً فكاهياً شيقاً، وهو الداء الذي أتيا به من بلديهما.
في النص الثالث «بيت النساء»، تسكن فائزة وماريا فيه هاربتان من عشيهما الزوجيين، نتيجة قهر ذكوري كما يصف لنا الكاتب (فائزة تبعد شعرها عن رقبتها وتعرض على ماريا شيئاً، انظري، هو يضرب هكذا… تقلد حركة كاراتيه، ماريا تزيح ثوبها عن كتفها… أنظري هو يضرب بمطرقة. تكشف فائزة عن كدمة في ساقها، وهنا بالقدم… تركل بساقها الأخرى كمن يلعب كرة قدم، هكذا نعم… دائماً هكذا». (النص الثالث ص 87).
تلك المعاناة تجمعهما على قنينة نبيذ، فتصبان وترقصان وتتآخيان، وتحتفلان بصديق فائزة الجديد. وبعد أن توشك شموع الحفل على الانطفاء، يتضح أن الصديق الجديد ما هو إلا زوج ماريا. آنذاك تعود ماريا إلى أنوثتها لتهاجم فائزة، فتتعاركان حتى يأخذ منهما التعب مداه، فتهمدان بعد فترة.
انتباهة الكاتب مهمة على أن الطبع يغلب التطبع دائماً، رغم تعاطفه الشديد مع الاثنتين على حساب زوجين لا نعرف عنهما شيئاً. فقد بقى الصوت الأنثوي في هذه القطعة المسرحية هادراً، ومن المفارقة أنه رغم تأثيم الرجل كسبب لأوجاع الاثنتين، إلا أنه بقى هدفاً مأمولاً أو حلماً لماريا وفائزة. إن إحدى السيدتين تلوذ برجل آخر، رغم إنكارها لأهميته، لحل إشكالاتها مع رجل آخر.
في «التباس» وهي القطعة المسرحية الأخيرة في «بدون ألمانيا»، نستمع إلى مريضين في أحد المستشفيات الألمانية، يكتشفان بأنهما ينحدران من البلد نفسه (العراق)، فتنشأ بينهما مودة سريعة، ويفضي أحدهما للآخر بأسرار طريقة وصوله المعقدة إلى ألمانيا. ثم تنطلق بعد ذلك المواجع، فيروي أحدهما الذي شارك في حرب الكويت كيف وصل هارباً من هناك إلى البصرة بعد أن بدأ الحريق وأختام الدم. كان سرده للواقعة عبارة عن هذيان روحي فيه من الذعر والشجن ما جعلني أشعر بأنني خضت تلك الحرب أيضاً، وهذا لم يحصل على أي حال إلا عبر شاشات التلفاز. إنه أمر يحسب للكاتب، فقد صنع من ذلك الكائن المحطم مرآة نرى عبرها كمية الاشمئزاز والدموع التي لم يصلنا منها آنذاك إلا النزر اليسير.
في نبشه لفزعه الكبير من تلك الأيام وهو في مشفاه الألماني يقول «نجوت (ينهض ويدور في الغرفة) لأنني لم أمش في طريق صفوان… مشينا مع البدو فأوصلونا إلى الزبير… لكننا سمعنا القصف من بعيد (ينفعل)… بعد ذلك مشيت باتجاه النجف…(ينفعل أكثر) لكن الحرس الجمهوري الذي طوق المدينة ألقى القبض عليّ».. وبسبب هروبه يصدر حكم بالإعدام عليه، وقبل التنفيذ بساعة يصدر عفو عام، لتلتقطه صدفة عمياء إلى عالم الأحياء، فينجو من الموت ثانية. كان الزمن قد مر غليظاً على الراوي في الكويت والسجن والمشفى، ورغم ذلك فإنه يلوح من بعيد، من دون أن يعلم، إلى مدينته البعيدة بأقداح من الود والآدمية.
وبعد مرور عقدين ونصف العقد على تلك الواقعة، يبدو أن بعض المهاجرين الذين تورطوا (وأنا أحدهم) في بناء آمال واهمة على عراق جديد بعد طرد جيش النظام السابق من الكويت، لم يدركوا ما كان يحاك في الخفاء لبلد كان اسمه العراق. إنه اعتذار متأخر، وقد أقفلت بعد ذلك أبواب تفاؤلي على أي نسمة عافية تطبب ذلك الهيكل العظمي.
وعندما يكتب أرجنتيني عن يومياته في حرب الفوكلاند، أو إسرائيلي عن حربه في لبنان، تبدو الاعترافات مثيرة، لأن تلك التدوينات تعني للقراء أحداثاً لن تتكرر. غير أن العراقي، يستطيع منذ السبعينيات أن يكتب في شهرياته وسنوياته، عن هذيان دموي لم يتوقف. فأي ذاكرة نشيطة تستطيع أن تؤرشف مسارات موت يومي ناطق. كنا نظن، عندما تركنا تلك البلاد في السبعينيات، بعد تزوير لازم وبسيط لوثائقنا، أننا أنجزنا المعجزات. والأمر صحيح، في جزء منه، خصوصاً بالمقارنة مع الجيل السابق لنا، فقد كانوا يسافرون أو يغادرون من دون مكابدة. أما بعد أن وصلتنا حكايات من لحقنا، فقد أدركنا أن ما فعلناه كان ضعيفاً مقارنة بما أتى في ما بعد. ولذلك، أرى أن القطعة المسرحية «التباس»، هي من أكثر النصوص المسرحية في الكتاب حرارة، لأنها تنصت إلى وجع حقيقي ممسرح بطريقة الكوميديا السوداء، كما يقول الكاتب في الغلاف الأخير لكتابه. إن التراجيديا العراقية، وقد أصبحت عربية في هذا الوقت للأسف، هي حكاية منقوعة بالدم ومنسوجة بالدموع. وماجد الخطيب يخترع الكثير من الحيل الدرامية ليشرح بعضاً من ذلك الهول المريع. وأثناء قراءتي لهذه النصوص المسرحية، تيقنت من فشل الأجيال السابقة، وجيل ماجد الخطيب منها، في توهم مجتمع جديد، فإذا بنا نعيش الكارثة الحقيقية معهم. يقول ريلكه في إحدى قصائده «يا لهذا العالم الذي نشيده فينهار، ثم نشيده ثانية فننهار نحن».
تحية لماجد الخطيب، منتجاً نشيطاً في زمن يهذي من دون توقف.
قاص وروائي عراقي ـ ألمانيا
صلاح عبد اللطيف