بديل لليأس الذي ينشره نتنياهو

حجم الخط
0

في مراسيم افتتاح يوم ذكرى الكارثة والبطولة حدثت في هذه السنة مواجهة سياسية غير متوقعة يرافقها جدل فلسفي لافت. كان المبادر إلى ذلك الرئيس رؤوبين ريفلين الذي استغل الحدث التقليدي من اجل زعزعة ميل اسرائيل المتزايد لرؤية العالم من خلال الكارثة المقتربة، ومن اجل الخروج ضد بنيامين نتنياهو صاحب هذه الفكرة. رئيس الحكومة، من خلال رده قال إن ريفلين محق في تشخيصه.
لقد بدأ ريفلين بانتقاد دونالد ترامب بشكل غير مباشر لأنه لم يذكر اليهود في الاعلان الذي اصدره البيت الابيض في كانون الثاني/يناير الماضي بخصوص يوم الكارثة الدولي. من يصمم على رؤية الكارثة كظاهرة دولية ويستثني منها اليهود، يقوم بتشويه التاريخ ويلتصق بـ «موقف خطير»، كما قال ريفلين. بعد ذلك ببضع ساعات، في خطاب مسجل مسبقا بُث في المؤتمر اليهودي العالمي، بذل ترامب جهدا كبيرا من اجل التكفير عن خطئه في الماضي عندما اعتبر أن الكارثة اليهودية «الجريمة الاكثر خطورة في تاريخ الانسانية». أمس تفرغ ريفلين للتهجم على من تنكر الكارثة أكثر من ترامب وهي مارين لوبين الفرنسية.
ريفلين في المقابل لم يكتف بانتقاد من ينكرون الكارثة، بل انتقد ايضا وبشكل جريء النظرة المعاكسة التي تقول إن «الكارثة تحولت إلى نظارات نرى من خلالها العالم». وقد قال إنه اختلف مع استاذه وسيده مناحيم بيغن الذي برر حرب لبنان الاولى بالحاجة إلى «منع تريبلانكا أخرى».
وحسب هذه النظرة، كما قال، «كل تهديد يعتبر تهديدا وجوديا، وكل زعيم يكره اسرائيل هو هتلر. والعالم ينقسم إلى قسمين، الأمم المتنورة من جهة واللاساميون النازيون من جهة اخرى. وبالتالي، فان كل انتقاد لاسرائيل يعتبر لاسامية».
ريفلين لم يذكر نتنياهو باسمه، لكنه وصف بالضبط طبيعة تصريحاته ومواقفه دائما.
بالنسبة لنتنياهو كان ياسر عرفات هتلر وكذلك محمود احمدي نجاد. وكان جيمس بيكر لاساميا وكذلك براك اوباما. وكي لا يشك أحد بأن ما كان هو ما سيكون، جمع نتنياهو في خطابه الذي ألقاه بعد ريفلين، بين ايران وتنظيم الدولة الاسلامية «الذين يسعون إلى القضاء علينا»، وبين «اللاسامية الجديدة ـ القديمة التي تسود في الغرب وفي مؤسسات الامم المتحدة». بعد ذلك أقسم نتنياهو بالدفاع عن اسرائيل «باسم ضحايا الكارثة». وبجملة من الصعب القول اذا كانت ذروة التملق أو ذروة الوقاحة، منح نتنياهو صفة الشخص الاكثر تنورا للرئيس ترامب، وكل ذلك بسبب اطلاق صواريخ «توما هوك» على مطار عسكري تابع للاسد، الامر الذي لم ينقذ حتى لو طفلا سوريا واحدا.
لا يجب التغاضي بالطبع عن التوتر الشخصي بين ريفلين ونتنياهو، لكن في الحاصل النهائي لم يهدأ هذا التوتر منذ محاولة نتنياهو بكل قوته أن يتم انتخاب ريفلين رئيسا.
وفي كل فرصة كان ريفلين يتمتع من شواء نتنياهو على نار هادئة. وفي السياق، رغم تأييده لضم المناطق واقامة اسرائيل الكبرى، تحول ريفلين إلى أشد المنتقدين للتوجهات القومية المتطرفة وغير الديمقراطية لحكومة نتنياهو، وأحد أكبر المدافعين عن القيم التي أصبحت في ولاية نتنياهو يسارية، ومن ضمنها حرية التعبير ومكانة محكمة العدل العليا ومكانة العرب في اسرائيل.
لا يعتبر ريفلين خصم ايديولوجي فقط لنتنياهو: الاثنان يختلفان كليا من ناحية الشخصية. في الوقت الذي يرى فيه ريفلين نصف الكأس المليء، يرى نتنياهو نصف الكأس المليء بالسم. ريفلين متفائل ومحبوب، أما نتنياهو فهو شخصية متكدرة ومظلمة. هناك تناسب واضح بين تعاطي نتنياهو مع العالم الخارجي وبين تعاطيه مع حلفائه والمقربين منه: في نهاية المطاف يشك بالجميع، وهو يعتقد أن الجميع ضده. وينجح في افساد علاقته مع زعماء العالم مثلما يتسبب في هرب المستشارين والاصدقاء المقربين منه.
الاسرائيليون ايضا يقولون للمستطلعين الدوليين إنهم سعداء ومتفائلون بطبيعتهم. وأن تشاؤم نتنياهو يناسبهم مثلما يناسب القفاز اليد.
بدل تقليص المخاوف يقوم نتنياهو برعاية هذه المخاوف في اوساط الجمهور الاسرائيلي من الكارثة، ويؤكد دائما على أن اسرائيل تعيش في واقع معادي. وانغلاقه ورفضه الاعتراف بأي صفة انسانية لدى الفلسطينيين يغذيان الاشتباه الطبيعي لدى الاسرائيليين. وبهذا الشكل أعيد انتخابه.
إن خطاب ريفلين يعتبر من أهم الخطابات التي ألقيت مؤخرا، وهو يسعى إلى ايجاد بديل لليأس الذي يبثه نتنياهو، الامر الذي تحول مع الوقت إلى نبوءة تحقق ذاتها من خلال استخدام الكارثة كحدث آني. نتنياهو يجعل الكثير من الاسرائيليين يرون العالم أسود ـ أبيض، وبهذا يعفون أنفسهم من الشعور بالمسؤولية عن وضعهم أو قدرتهم على التغيير. إن جهود ريفلين لتغيير ذلك، وادخال بعض التعقيد والاعتدال إلى الواقع الاسرائيلي، تستحق التقدير، لكن في هذه المرحلة فان مصيره الفشل.

هآرتس 26/4/2017

بديل لليأس الذي ينشره نتنياهو
مقابل مشاعر القنوط لدى بيبي يسعى رئيس الدولة إلى بث التفاؤل والتغيير
حيمي شيلو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية